وطني و عربي و سياسي

الإثنين,4 يوليو, 2016
بن قردان: أحد الناجين من الغرق يحكي قصته..

الشاهد_ التقيناه وهو يتنهد قائلا ماذا ساحكي و ماذا ساقول، هو شاب في العشرين من عمره اصيل مدينة بنقردان ، بدا مرتبكا خائفا و طلب عدم ذكر اسمه، قال بدأت رحلتي يوم الاربعاء 29 جوان بعد ان سمعت انه هناك عملية هجرة الى ايطاليا مضمونة و “رخيصة” بلغ ثمنها 1000 جنيه ليبي ما يقارب 600 د تونسي.

ثم واصل قائلا: اتصل بي بعض الاصدقاء و نسقنا معا للذهاب و شجعنا بعضنا البعض، ثم تجمعنا 3 اشخاص بعد ان جمع كل منا الاموال المطلوبة عن طريق الاقتراض من بعض الاقارب و”المعارف”.

ذهبنا الى ليبيا عبر رأس جدير بصفة قانونية و بجوزات سفر و التقينا بالطرف الليبي الذي استقبلنا في محطة صبراتة ومنها اخذنا في سيارته الى منزل كبير وجدنا فيه 3 من بنقردان الى جانب مجموعة من الافارقة.

بتنا فيه ليلتنا و من الغد جاءت مجموعة اخرى من بنقردان كانوا متفرقين مرة 4 و مرة 3 و مرة 6 حتى بلغ العدد 19 من ابناء الجهة، و تم نقلنا الى منزل آخر و تم وضعنا كابناء بنقردان لوحدنا في غرفة خاصة، و من الغد بلغ العدد 28 بنقردانيا، غادر احدهم بعد ان علم أن أمه توفيت، في حين غادر آخر لأنه خاف و ارتاب من الوضع.

بقينا 26 شابا انطلقنا الى القارب يوم الجمعة و ركبناه من صبراتة وقد كان هذا الزورق يبلغ من الطول حوالي 9 امتار، انطلقت رحلتنا في حدود الساعة التاسعة والنصف ليلا، بقيادة “ريّس” مصري و مساعد له، انطلقنا و نحن نحلم بالوصول سريعا الى ايطاليا حيث المستقبل و العمل و المال واشرأبت الاعناق الى هناك
تم اعلامنا حين ركبنا ان هذا القارب الصغير هو مجرد مرحلة اولى سينقلنا الى مركب كبير سنجده بعد بضعة اميال من السير.

بعد سير لحوالي ميلين تقريبا ارتبكنا و بدى الخوف على اغلبنا مع تحرك الرياح واضطراب البحر، و تسرب المياه الى القارب، فطلبنا من “الريّس” المصري العودة و بالحاح شديد، لكنه تمنع في البدء ثم ادار القارب بغضب، و مع اشتداد قوة الموج انقلب و عمت الفوضى و كثر الصراخ و تفرق الجمع كل في اتجاه يبحث عن سبيل للنجاة.

سقطت على ظهري والحمد لله اني امتلك القدرة على السباحة، و واصلت اسبح مبتعدا عن القارب قرابة ال50 متر متجها الى اليابسة، لكن خفت ان لا انجح و يتمكن مني التعب، فقفلت راجعا الى القارب حيث رايت بعضا من المجموعة متمسكين به، وصلته وفعلت مثلهم وقد خيم الصمت وقتها و غاب الصراخ الذي كان، وقد غرق من غرق.

و بعد وقت و نحن نتعلق بحبل نجاة و كل سارح بخياله الى ما ينتظره من مصير، وصلنا قاربان مصريان للانقاذ لا اعرف بصدق هل هي الصدفة التي اتت بهم ام غيرها، تم اخذنا و كنا حوالي 9 و عاشرنا بدرة الفرجي الذي توفي و قد رايتهم يحاولون انقاذه لانه وجد غريقا ممتلئ بالماء ، لكن لم يتمكنوا فمات و حملوا جثته معنا في القارب الى اليابسة.

اخرجونا و بعدها سلمونا لمجموعة ليبية تكفلت بنا الى ان جاء الذي اشرف على العملية و المتكفل بتسفيرنا الى ايطاليا، فسلمنا جوازاتنا و مبلغ 100 جنيه ليبي و قال عودوا الى اهلكم و هو ما حدث.

اما عن الاسباب فقال محدثنا ان اهم سبب هو البطالة و انسداد الافاق في هذه البلدة ، فحتى مورد الرزق الوحيد منعنا منه و نتعرض فيه الى الاهانة و الضرب و افتكاك الممتلكات من قبل السلطات التونسية و الليبية ولم نعد نجد اي سبيل للعيش ففكرنا في الهجرة الى اروبا علنا نخرج من هذه الوضعية المعقدة الصعبة و نسعى الى بناء مستقبلنا.

واجابة عن هل ممكن ان يعيدها قال محدثنا صدقا لا يمكن ان افعل و الحمد لله ان نجاني هذه المرة التي رايت فيه الموت نصب عيني، فقد عشت لحظات اعجز عن وصفها فعلا وخاصة و انا اسمع الصراخ و طلب النجدة من اصدقاء لا يحسنون السباحة و فجأة سكتت اصواتهم، انها لحظات رعب و خوف لم اعشه في حياتي، واني مستحيل ان افكر في ركوب البحر ثانية بمثل هذه الطريقة.

و في ختام حديثة طلب ان يتوجه برسالة الى الدولة مطالبا اياها بالتدخل و الاهتمام بالشباب بكل جدية و السعي الى توفير حلول تمكنهم من العيش الكريم و تحميهم من مثل هذا الضياع و اليأس و الاحباط الذي يقود الى اشياء كارثة و غير مدروسة.

اما عن بقية المفقودين فقد قال اتمنى ان يعودوا سالمين لاهلهم في اقرب وقت و لكن للاسف من الصعب جدا ان يكونوا نجوا من الموت و ارجح غرقهم لان القوارب المصرية مشطت المكان جيدا و بكاشفات كهرابائية كبيرة ولم تعثر على شيء.

الفجر – محمد ضيف الله