مقالات مختارة

الثلاثاء,8 مارس, 2016
بنقردان في وجه الإعصار

الشاهد _ ما حدث ويحدث في مدينة بنقردان التونسية ليس مجرد عمليات عسكرية وأمنية ظرفية، بقدر ما هو جزء من حربٍ ميدانيةٍ مرشحةٍ للاستمرار، إلى أن يحسم ملف داعش داخل ليبيا وتونس. هذا الملف الذي تشعبت امتداداته، وتضاعفت مخاطره على الدولة التونسية، وها هو، اليوم، ينتقل إلى درجةٍ متقدمةٍ، بعد أن كثف تنظيم الدولة الإسلامية جهوده من أجل افتكاك بنقردان، وتحويلها إلى إمارةٍ أو قاعدةٍ لتنفيذ خطة التوسع الترابي، والهيمنة على بقية البلاد. هذه الخطة التي أعدها من قبل تنظيم أنصار الشريعة، قبل أن تصبح داعش رقماً صعباً داخل ليبيا، والتي تقوم على بناء “جيش” قوي، يستعد لتنفيذ سلسلةٍ من الهجمات، ترمي إلى كسر الحدود بين البلدين، والتمركز في الجنوب التونسي، في انتظار إسقاط نظام الحكم، من خلال تحرك بقية المجموعات المتمركزة في الجبال، وفي مقدمتها جبل الشعانبي، والاستعانة بمختلف الخلايا النائمة الموزعة لإدارة حرب استنزاف.

على الرغم من أن بناء هذا الجيش لا يزال يحتاج مزيداً من الوقت، حتى يصبح قادراً على خوض المعركة الحاسمة، إلا أن تسارع الأحداث في ليبيا، ودخول الغرب على الخط مع الضربة الموجعة التي تلقاها الدواعش التونسيون في عملية سبراطة، وخوفاً من قرب لحظة تنفيذ الحلف الأطلسي ضرباته الجوية، هذه العوامل وغيرها دفعت، فيما يبدو، قيادة التنظيم إلى تغيير الخطة، والبدء في توجيه ضرباتٍ متكرّرةٍ ضد مواقع عسكرية وأمنية تونسية.

لا شك في أن أجهزة الدولة في تونس لا تزال قادرةً على الرد، وهو ما جعل الأوضاع بشكل عام تحت السيطرة، لكن من شأن ما حصل، في الأيام الأخيرة، أن يؤشر على أن مشروع تنظيم الدولة الإسلامية لا يملك مستقبلاً في بلد مثل تونس، على الرغم من القدرات العسكرية التي يتمتع بها. فعندما تم اكتشاف الخلية التابعة لهذا التنظيم، قبل أسبوع، وحوصر عناصرها في أحد المنازل التي اقتحموها عنوة في مدينة بنقردان، هب الآلاف من المواطنين، وخصوصاً الشباب منهم، وساندوا قوى الجيش والحرس التي حاصرت المكان. وقد غطت بعض شاشات التلفزيون التبادل الكثيف للطلق الناري بين هذه القوات والمسلحين التابعين لداعش، في حين أن المدنيين العزل كانوا مختفين وراء العسكريين، يرددون النشيد الوطني، ويشجعونهم على مقاومة الإرهابيين. وقد شوهد ذلك المواطن، صاحب الثلاثين عاماً ونيف، يتقدم في اتجاه المنزل المحاصر، رافعاً صوته بالنشيد “نموت نموت ويحيى الوطن”، وذلك قبل أن يهوي على الأرض شهيداً، مخلفاً وراءه زوجة وابنين في عمر الربيع.

أعاد هذا المشهد المؤثر الذي بدا وكأنه لقطة من فيلم خيالي ترتيب عديد المسائل المبعثرة في أذهان التونسيين، وحتى المراقبين.

تقع بنقردان على خط التماس مباشرة بين حدود البلدين، تونس وليبيا. وهي مدينة تعاني كثيراً من غياب سياسة تنموية عادلة وحقيقية. ولهذا، يعيش سكانها، بالأساس، من تجارة التهريب. وقد سبق لمواطنيها أن تمرّدوا على نظام بن علي، قبل سنتين من سقوطه، وذلك عندما أغلقت الجهات الليبية الحدود. وتكاد الاحتجاجات في هذه المدينة، وما حولها، لا تتوقف، بسبب استمرار المأزق الاقتصادي والاجتماعي. وهو ما كانت الجماعات الإرهابية ترصده بدقة، وتسعى إلى توظيفه، من أجل تعميق الفجوة بين السلطة والمواطنين، عساها أن تُحدِث، بفضل ذلك، أرضية صالحة لإنشاء حاضنة اجتماعية، موالية لتنظيم القاعدة، بمختلف مجموعاتها أو لتنظيم داعش. ولا شك في أن قيادات هذه المجموعات قد صدمها بقوة استمرار النزعة الشعبية العدائية لهم.

ستستمر محاولات خلخلة مؤسسات الدولة التونسية، في الأيام والأشهر المقبلة. لكن، هناك حقيقة واضحة ومؤكّدة، مفادها بأن المجموعات التي تبنت الإرهاب، على الرغم من نجاحها النسبي في استقطاب عدد كبير من الشبان والفتيات التونسيين، إلا أنها لم تنجح، حتى الآن، في توفير حاضنة شعبية في أي جزء من التراب التونسي. وهذا ليس أمراً هيناً، فالعمق التونسي لا يزال محصناً ضد المشروع المجتمعي لهؤلاء.

صلاح الدين الجورشي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.