مختارات

الجمعة,11 مارس, 2016
بنقردان سر المكالمة الأخيرة.. حسم المعركة وأحمر الشفاه

13515

 

بقلم:محمد الحمروني

 

الشاهد_نسمات الهجيع الأخير من اللّيل كانت تستعدّ لتوديع سماء بن قردان، وكانت الدّنيا تستعدّ لاستقبال يوم جديد، صاخب، ككلّ الأيّام التي تمرّ على هذه المدينة الحدوديّة، ولكن بعض المجرمين، كانوا يبيّتون أمرا، وقد اعدوا له عدّته.

مئات من القتلة والمجرمين، من الإرهابيّين، وكميّات كبيرة من الأسلحة والذخائر، ومخطّطات شرّيرة تقضي باقتحام المدينة مع آذان الفجر، والسيطرة على منطقة الحرس والأمن والثكنة العسكريّة، وإحكام السيطرة على المدينة والبدء في القيام بعمليّات إعدام ميدانيّة ضدّ عدد من رجالات الأمن وقياداتهم، قبل التحول الى السياسيّين والناشطين لاحقا.

كانت الساعة تشير إلى الرّابعة وعشر دقائق، رنّ جرس الهاتف بأحد المكاتب، وقع تبادل عدد من المكالمات، خلاصاتها أنّ عددا كبيرا من الإرهابيّين يعتزمون مهاجمة المقار الأمنيّة والعسكريّة في بنقردان، وأنّ على الجميع الاستعداد.

وقع اتخاذ قرارات سريعة وتنفيذ مناورة لم تكن في حساب الإرهابيّين، وما إن حلّت ساعة الصفر، وانطلق المجرمون في قصفهم للثكنة حتّى باغتتهم النيران من حولهم ومن خلفهم، وأُبيدوا في ثوان معدودات، وبدأت ملاحقة الباقين.

2

الخطّة، التي اتضح الآن أنّها كشفت منذ فترة، كانت تتضمّن، إدخال نحو 100 عنصر من الإرهابيّين على ثلاث دفعات إلى مدينة بن قردان، والتمركز بالمدينة، وحين تحين ساعة الصفر ينطلق هؤلاء للسيطرة على منطقتي الأمن والحرس وثكنة الجيش الوطني، قبل أن تلتحق بهم مجموعات أخرى، تبلغ نحو 100 عنصر أيضا من التراب الليبي.

ولكن الخطة لم تتوقّف على هذا فقط، فنحن نعلم منذ فترة أن معلومات متقاطعة كانت تشير كلّها إلى نيّة الدّواعش إقامة إمارة إسلاميّة، تمتدّ من قابس إلى مصراطة، ولذلك انتشرت خارطة الملاحقات وعمليّات التعقب لعصابات داعش إلى مدنين وبعض جهات قابس، ولعلّنا نكتشف مع مرور الوقت خلايا أخرى لعلّها عادت إلى حالة الكمون بعد فشل عمليّة بن قردان، وبعد تلك الملحمة الكبيرة التي سطّرها شعبنا يوم 7 مارس المجيد.

ولا نستغرب، أن تتضمن الخطة تحريك الخلايا النائمة بطول البلاد وعرضها، في محاولة تشتيت الجهود، وإثارة أكبر قدر من الرعب، بهدف إشغال قوّات أمنا وجيشنا عمّا يجري في الجنوب.

لذلك نتوّقع أن تتواصل عمليّات مطاردة بعض العناصر التي قد تكون جهّزت نفسها للتحرّك بعد وضع اليدّ على بنقردان.

3

وفيما كانت قوّات الأمن تتعقّب بقايا داعش وفلولها، وكانت جماهير شعبنا، تودّع بالزغاريد مواكب الشهداء، كانت مجاميع أخرى، من الذّكور، (يحتفلن) مع الإناث بعيد المرأة، ولكن بطريقة مختلفة هذه المرّة.

.. عدد من أصحاب اللّحى والشّوارب، غمسوا شفاههم في أحمر الشفاه، كما تفعل النساء، وأخذوا لهم صورا ونشروها على صفحات الفايس بوك ما أثار ردّة فعل مستنكرة وغاضبة.. مستنكرة لهذا التشبّه بالنساء، الذي هو في الحقيقة مخالف للطبيعة وفيه، كما يرى البعض، تخنّثا لا يتماشى مع “طبيعة المرحلة”.

ولأنّنا وفي الوقت الذي تواجه فيه بلادنا تحدّيات أمنيّة خطيرة، وباتت سلامة أراضيها مهدّدة، ينشغل البعض فينا، بوضع أحمر الشفاه تضامنا مع المرأة في عيدها.

الرسالة من حيث التوقيت لم تكن موفّقة، وكانت دلالاتها بسيطة وواضحة ومفادها أن هؤلاء الذين ينتصرون للمرأة بهذه الطريقة التي يعتبرها كثيرون خاطئة بل مخاتلة، هؤلاء لا يعنيهم وطننا ولا أمنه ولا استقراره، بل كأنّهم خارج التاريخ وفي غيبوبة تامة عمّا نواجه من تحدّيات، وكان افئدتهم مهلقة بما يجري في الضفة الاخرى من المتوسط.

الرسالة لم تكن موفّقة، ايضا، لأنّها تؤكّد ادّعاءات داعش بأنّ الشعوب الإسلاميّة ارتدّت عن دينها فتخنث رجالها وفسقت نساؤها، لذلك فإنّ محاربتها من وجهة نظرهم، والعمل على التصدّي لهذه الردّة واجب ديني ومطلب شرعي. إضافة إلى ذلك فإن عمليّة الخروج بلحى وشوارب مع أحمر الشفاه.

4

في خبر مفاجئ، والأكيد أنّه سيقلب الموازين ! وسيفتح آفاق أرحب للتحليل والتفسير، وسعة الخيال، لفهم سرّ الانتصار العظيم الذي تحقّق في بنقردان ضدّ الإرهابيّين، تبيّن أن الذي حسم المعركة، فرقة قنّاصة مكوّنة من النساء فقط. أي نعم، فرقة قنّاصة من النساء هي التي حسمت المعركة.

ولا غرابة في ذلك، فنحن في غمرة الاحتفالات بعيد المرأة، ولا بدّ أن يكون لها نصيب في أهمّ حدث تشهده البلاد، ونحن بلد الكاهنة وعليسه، ولا غرابة أن تكون المرأة في هذا البلد قائدة وتدخّلاتها حاسمة في بعض المعارك.

ولكن الطريف واللافت في الأمر، أن رجال ونساء الأمن والجيش الوطنيّين، وهم جزء من رجالات هذا البلد العظيم، ودورهم كبير، بغضّ النظر عن “حكاية” القنّاصة، سواء في معركة بنقردان أو معركتنا ضدّ الإرهاب ككلّ، وهاته النسوة، لعلهن، أفضل بكثير من الذكور الذين “غمسن شفاههن” في أحمر الشفاه.

هذا الدور لا ينكره أحد، ولكن الحديث عن أنّهنّ حسمن المعركة قد تكون فيه شيء من المبالغة، أو الحماسة الزائدة الناجمة عن أجواء الاحتفال بعيد المرأة.

ويبقى التساؤل قائما عن العوامل التي قلبت الموازين فعلا، وغيرت مجرى الاحداث؟ ولماذا حاول أحدهم افتعال قصة النسوة القناصة اللاتي حسمن المعركة؟



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.