الرئيسية الأولى

الثلاثاء,8 مارس, 2016
بنقردان التونسية: إنتصار عسكري وتساؤلات سياسية

الشاهد _ يُمكن في ضوء الحصيلة الأخيرة التي خلّفتها عملية بنقردان، أمس الإثنين، التأكيد أن تونس حققت انتصاراً عسكرياً ذا دلالة، بينما في المقابل تبدو الطبقة السياسية مضطربة، ولا يُعرف ما إذا كانت قادرة هذه المرة على هضم دروس المرحلة السابقة أم لا.

في تونس عقدة لم يتم تفكيكها حتى الآن، تتشكّل من حالات تتكرّر باستمرار، كلما وقع اعتداء خطير. في البداية يهتزّ الجميع عندما تحدث ضربة ما من الحجم الثقيل، تسفر عن سقوط ضحايا في صفوف العسكريين أو الأمنيين، وأحياناً يكونون من المدنيين، فيتمّ تبادل الاتهامات وتحميل أطراف محددة مسؤولية الثغرات التي تم رصدها. كما يكثر الحديث خلال هذه المرحلة، عن أهمية التضامن بين التونسيين والوقوف صفاً واحداً ضد الإرهاب. بعد ذلك بفترة وجيزة، يعود الجميع إلى مواقعهم السابقة لينشغلوا من جديد باهتماماتهم الصغيرة، وإعادة إنتاج الصراعات الدائرة منذ خمس سنوات بين الأحزاب أو بين الأشخاص أو بين المعارضة والحكومة، لأسباب معيشية واجتماعية وغيرها. وفي لحظة ما، يستفيق الجميع من غفوتهم ويتكرّر السيناريو من جديد تحت وقع الأخبار السيئة، عندها يتم إعادة إنتاج نفس ردود الفعل.

ما يخشاه الرأي العام التونسي هو أن يتكرر نفس السيناريو بعد تطورات بنقردان، إذ باستثناء المؤسستين الأمنية والعسكرية اللتين أظهرتا جاهزية عالية خلال الأيام القليلة الماضية، ما جعلهما تنجحان في توجيه ضربات استباقية لعدد من الخلايا النائمة، إلا أن معظم الأطراف الحزبية والمدنية لم تستوعب بشكل جيد، أن ما يحصل في تونس اليوم، هو حرب حقيقية تتّخذ أشكالاً تصاعدية من حيث أهدافها أو وسائلها الأكثر خطورة.

وفي تفاصيل عملية بنقردان، يظهر أنها عملية هجومية أقدمت عليها مجموعة منظمة من المسلحين، يتجاوز عددهم الأربعين عنصراً. وقد كان هدفهم المركزي السيطرة على ثكنتي الجيش والحرس، إضافة إلى عدد من المباني الحكومية. وهو ما كشف النوايا الخفية لهذه العملية، لناحية السيطرة على المدينة ومحاولة عزلها عن باقي المدن التونسية.

اقرأ أيضاً: أحداث بنقردان التونسية:صور “الإرهابيين” تنتشر.. ومهنية الإعلام محط تساؤل

وفي ضوء النتائج الميدانية، وبربطها بما يجري داخل ليبيا، خصوصاً في ضوء تداعيات عملية صبراتة وقرار “كتيبة الصاعقة” بالهجوم على تونس، يبدو أن الخطة التي استهدفت مدينة بنقردان، قد فشلت هذه المرة، بعد تصفية معظم المسلحين، رغم أن الخسائر البشرية في صفوف الأمنيين والمدنيين ليست بسيطة. هذه الحصيلة من شأنها أن تحال إلى الجوانب التالية: أولاً، اعتبار مدينة بنقردان وما حولها منطقة مستهدفة من قبل الدواعش، وهو ما سيترتب عنه إعطاء الأولوية لها في الخطة الجديدة التي ستعتمد من قبل مجلس الأمن القومي، فبنقردان تُعتبر بوابة العبور الأساسية لعناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش).

ثانياً، تعزيز المراقبة على البوابة الحدودية بين تونس وليبيا، التي تُعدّ أحد الشرايين الاقتصادية الأساسية لضمان الحدّ الأدنى من استمرار الدورة التجارية، سواء لسكان المدينة أو عدد واسع من المواطنين بالجنوب أو الشمال التونسي، إلى جانب الليبيين. بالتالي فإن اللجوء إلى إغلاق البوابات الحدودية، يستوجب التنسيق الفعال بين التونسيين والليبيين، إلى جانب الأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر الأطراف التونسية المعنية.

ثالثاً، يتوجب تعزيز نجاعة تدخّل الحكومة وأجهزة الدولة، وهي مسألة لا تزال مثار خلافات بين الأطراف الحزبية، فالبعض يتعامل بكثير من الحذر والشكّ في أداء حكومة الحبيب الصيد، ويدعون إلى تشكيل حكومة وطنية واسعة، في حين يعتقد آخرون بأن المساس برئاسة الحكومة قد يحدث هزة قوية ويفتح الباب واسعاً للصراع والتنافس بين الأحزاب.

في هذا السياق، يرى مراقبون ضرورة في التوصل العاجل لهدنة اجتماعية بين الاتحاد العام التونسي للشغل وأصحاب المؤسسات الاقتصادية، لأن المناخ الاجتماعي المتوتر من شأنه أن يزيد من إرباك الحالة العامة بالبلاد، وتغذية ظاهرة الإضرابات التي ساهمت في هبوط نسبة النمو إلى حدود الصفر.

بالتالي، وفقاً للمراقبين، لا بدّ من بذل جهود ضخمة في سبيل بناء ثقة المواطنين في نخبهم السياسية وفي المشروع الوطني، فالرأي العام لم يعد يخفي شكوكه في قدرة هذه النخب على حسن إدارة المرحلة الانتقالية، وهو ما عكسته عمليات سبر الآراء. في المقابل، إن ثقة التونسيين في الجيش والشرطة لا تزال قوية، وهي مسألة في غاية الأهمية دفعت بالرئيس الباجي قائد السبسي إلى استثمارها من خلال النداء الذي وجّهه أمس إلى المواطنين بالمناطق الجنوبية والحدودية، لطمأنتهم وإقناعهم بأن الدولة تقف إلى جانبهم.

صلاح الدين الجورشي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.