أهم المقالات في الشاهد - كتاب - كتّاب

الإثنين,21 مارس, 2016
بعيدا عن فلسطين.. دحلان يتمدد ويشكل تيار”الغد” بالمنطقة!

الشاهد_افتراضيا هو زعيم فلسطيني، وفي عالم الواقع هو قائد شاسع المسافة، ومترامي الأطراف مثل صحراء ضاربة في العمق، فهو يتمدد ويتحرك في فلسطين وسوريا ومصر وليبيا والإمارات العربية المتحدة، ويلعب قليلا في بعض الملاعب العربية، خصوصا في المخيمات من خلال بعض الإعلاميين وفئات أخرى..!

فلسطين عنده ليست هي الغاية ولا هي الهدف إلا حين يشتد ويعلو صوت الحديث عن بديل لمحمود عباس، الذي يبدو بلا بديل واضح المعالم ولا توافق حول خليفته حتى الآن.

 

لا يتحرك في فلسطين، ويبدو غائبا عنها، ويقتصر وجوده هناك على بعض مساعديه ومؤيديه، ومناكفته مع محمود عباس، ومن خلال “المركز الفلسطيني للتواصل الإنساني” (فتا) الذي ترأس مجلس إدارته عقيلته السيدة جليلة دحلان، والذي يوسع عمله في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين خصوصا في غزة، منجم غالبية أصواته الانتخابية في حال ترشحه للانتخابات، بحسب زوجته جليلة.

 

أينما حل تلاحقه علامات الاستفهام والتعجب ولائحة طويلة من الاتهامات ومن المدائح أيضا.

تاريخه مثير للجدل، فهو عند أعوانه مناضل وقائد ومستقبل فلسطين، وعند أعدائه قاتل وفاسد وعميل لـ”إسرائيل”.

 

وذات مساء قال وزير العدل الإسرائيلي الأسبق يوسي لبيد: “نتطلع إلى أن يتولى محمد دحلان قيادة السلطة في غزة ، لكن يتوجب علينا ألا نقوم بمعانقة دحلان عناق الدببة، حتى لا تظهر حركته كما لو أنها كانت فيلما إسرائيليا”.

 

صعد محمد يوسف شاكر دحلان، المولود في مخيم خان يونس، بغزة عام 1961، وأصلا من قرية حمامة، سلم المناصب في “فتح” بسرعة مدهشة.

 

بدأ دحلان الطفل ينضج في ظل واقع نكسة جوان عام 1967 وساعد على تشكل ميوله الوطنية، أن أخواله قضوا على أيدي القوات الإسرائيلية ما بين عامي 1969 – 1971، وكان عمه قد سبقهم واستشهد عام 1947، الشيء الذي جعل من علاقة الأسرة مع الاحتلال علاقة عدائية شخصية وثأرية.

لم يكن يبلغ سن التاسعة عشرة، عندما حزم حقيبته واتجه إلى مصر، للالتحاق بكلية التربية الرياضية بين عامي 1979-1980.

 

و ما أن وصل الطالب دحلان للقاهرة، حتى بدأ في التعرف على الطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون في الجامعات المصرية، دون أن يدري أن هؤلاء الطلاب سيأخذونه فيما بعد إلى لقاء مع أحد كوادر ” فتح” ومنظمة التحرير الفلسطينية، فذهب معهم وإذ به يجلس ليس ببعيد عن الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)، وبدأ حينها الاهتمام والتحول الحقيقي له نحو السياسة، قرر بعدها العودة إلى قطاع غزة، والعمل في خان يونس بعد أن انتمى إلى ” فتح”.

 

وقبض عليه الاحتلال وقضى خمس سنوات في السجون الإسرائيلية في الفترة ما بين عامي 1981-1986 قبل ترحيله إلى الأردن عام 1988.

 

مبكرا تقرب من الراحل ياسر عرفات في ظروف غامضة حين نفته تل أبيب خارج فلسطين، فوجد نفسه في رعاية “أبو عمار” الذي قربه إليه.

 

وخلال “مفاوضات أوسلو” عام 1993، اطلع بدور غير واضح المعالم في “المفاوضات الأمنية”، وروى رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) السابق يعقوب بيري، في مذكراته، أنه هو من اختار دحلان وزميله جبريل الرجوب ليكونا المسؤولين الأمنيين في الطرف الفلسطيني، وأنه أقنع إسحق رابين بذلك.

 

اختارته السلطة الفلسطينية عضوا في فريق التفاوض الفلسطيني في مرحلة ما بعد توقيع “اتفاق أوسلو”، بدءا من “مفاوضات القاهرة” عام 1994، ومرورا بـ”مفاوضات طابا” والمفاوضات على إطلاق سراح الأسرى. و “واي ريفر” و”كامب ديفيد الثانية “، وانتهاء بقيادته للمفاوضات التي أفضت إلى ما يسمى بـ”بروتوكول العبور والحركة” في سياق الإعداد لمرحلة ما بعد تطبيق خطة الإخلاء الإسرائيلي لقطاع غزة عام 1995.

 

كُلف دحلان عام 1994 بتأسيس جهاز “الأمن الوقائي” في غزة، وهو الجهاز المتهم بشكل مباشر بممارسة التعذيب ضد معارضي “أوسلو” من أبناء “حماس” و”الجهاد الإسلامي”. وقد أقر نائب وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق زئيف بويم بمسؤولية “رجال” دحلان عن قتل أربعين من معارضيه في لقاء سجل عام 2004. 

 

في عام 1997 نُشرت تقارير عما عرف بفضيحة “معبر كارني” عندما تم الكشف أن 40% من الضرائب المحصلة من الاحتلال عن رسوم المعبر، والمقدرة بمليون شيكل إسرائيلي شهريا كانت تحول لحساب “سلطة المعابر الوطنية الفلسطينية”، التي اتضح فيما بعد أنها حساب شخصي لمدير جهاز الأمن الوقائي، وفقا لادعاءات من أطراف عدة لكن دون أدلة مؤكدة.

 

وفي نوفمبر عام 2001 كانت المرحلة الفاصلة سياسيا في حياة دحلان، حيث قدم استقالته للحكومة الفلسطينية من منصبه كمسؤول لـ” الأمن الوقائي الفلسطيني”، ولكن هذه الاستقالة رفضت من قبل عرفات مما أدى إلى نشوب خلاف بين الطرفين.

 

وبدأت الحرب الصامتة بين دحلان وعرفات، عندما رفض عرفات في البداية مطلب “أبو مازن” بتعيين دحلان وزيرا للأمن الداخلي في حكومته التي شكلها في ماي عام 2003، لكن مع إصرار ” أبو مازن” ووصول الأمر لحد الأزمة وافق عرفات على هذا المطلب.

 

ورغم تقلد دحلان وزارة الأمن الداخلي، فقد باتت هناك حالة من القطيعة بينه وبين عرفات حتى رحيله.

لكن علاقة دحلان مع غزة و “حماس” كانت أكثر تعقيدا من طموح دحلان السياسي، فقد خسرت قوات الأمن بقيادته معركة مختصرة مع “حماس” عام 2007. وعززت تلك الهزيمة الشرخ السياسي في فلسطين، وتركت حكومتين واحدة تديرها “حماس” في غزة وأخرى يديرها محمود عباس في رام الله، وكانت تلك الهزيمة لدحلان أكبر وصمة في سجله.

 

كان على دحلان، أن يواجه الانتقادات من ” فتح” التي اتهمته بالمسؤولية عن أحداث غزة.. سيل جارف من التوبيخ، أكثرها عمقا في العظم تصريحات مستشار رئيس السلطة الفلسطينية الإعلامي آنذاك نبيل عمرو، الذي قال إن فتح: “أعطت غزة مقاولة لمحمد دحلان ليفعل ما يريد.. النتيجة كانت فوز حماس”. أما عضو اللجنة المركزية لـ” فتح ” هاني الحسن، فقد قال بأنه يجب “التخلص من دحلان” وكل ما أسماهم بـ”المتورطين والمتساوقين مع المشروع الأمريكي”.

 

أدرك دحلان ومعه محمود عباس بعد رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، بأن مرحلة قديمة طويت، وأن مرحلة جديدة بدأت، فعملا لتحديد معالم المرحلة الجديدة، وحاول دحلان تقديم نفسه كممثل لجيل الشباب في”فتح” ومناهضا للحرس القديم في الانتخابات التشريعية، التي جرت في جانفي عام 2006، وتمكن من الفوز بمقعد في المجلس التشريعي عن دائرة خان يونس.

 

وبعد تشكيل “حماس” للحكومة، وتعثرها نتيجة الحصار الدولي، تعهد دحلان بأن يجعلها “ترقص على وحدة ونص” حسب تعبيره وكما نشر بوسائل الإعلام ، وأخذ ينظم صفوف “فتح” في قطاع غزة لمواجهة ما وصفها “عصابة حماس”، لكنه ترك جنوده في غزة وذهب إلى رام الله لإدارة معركته مع “حماس” التي دفعته إلى “الرقص على الوحدة ونص”.

 

وواصل إدارة معركته مع “حماس” وذهب في حديث لمجلة “نيوزويك” في أوت عام 2004 إلى القول إن “غزة يمكن أن تكون مثل كابول، ويمكن أن تكون مثل دبي”، مضيفا :” علينا أن نغير كل شيء”.

 

غادر فلسطين إلى مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة عام 2010، وبقيت علاقاته بعباس وببعض قيادات “فتح” متوترة؛ تركد أحيانا ثم ما تلبث أن تشتعل نارها.

 

وبدأ الصراع المرير بين عباس ودحلان في غالبه شخصيا، ولكنه يعكس أيضا الخلل في “فتح” التي تشلها الصراعات الداخلية وعدم استعداد عباس لتقبل الانتقاد ولصعود الجيل الجديد من القيادات.

وجاء تصاعد حدة التراشق الإعلامي والتلاسن بين عباس ودحلان، ليكون الفصل الأخير في المواجهة الأخيرة بين الطرفين بعد الهجوم الشديد الذي شنه عباس على دحلان، ولمح لمسؤوليته عن وفاة عرفات، وضلوع دحلان في اغتيال القيادي في حماس صلاح شحادة عام 2002.

 

وألمح عباس إلى معلومات تضمنها التحقيق حول علاقات دحلان بقيادات إسرائيلية وتخابره مع “إسرائيل”، منها وجود خلية تابعة له تتجسس على “حزب الله” في الجنوب اللبناني، وأخرى في سيناء للتجسس على “حماس”.

 

في المقابل، أعلن دحلان حربا مفتوحة علنية على عباس، معلنا أنه سيكشف ملابسات اغتيال عرفات قريبا، في تلميح منه إلى ضلوع عباس في الأمر.

وأطلق دحلان وعدا في تصريح له على صفحته في “فيسبوك” بأن يكشف لماذا أطلق أبو عمار لقب “كرزاي فلسطين على عباس”.

 

واعتبر دحلان خطاب عباس “وصمة عار في تاريخ حركة فتح، وقد أهان الحركة ودمرها ولا يمثلها”. وطالب بتشكيل لجنة تحقيق “لفحص سلامة عباس النفسية والعقلية والمهنية”.

ويتهم كثيرون دحلان بتآمره على العديد من الدول العربية ووضع المخططات الانقلابية في مصر وليبيا وتونس واليمن.. ويتهم أيضا بأنه وراء تحريك عناصر “جهادية” في سيناء.

 

الاتهامات المنسوبة له اتهامات كبيرة وخطيرة وربما تكون أكبر من قدرته وسلطته، وربما يكون بعضها نكاية وكيدية، لكن كما يقال “لا دخان من غير نار” فالرجل يجهز لمرحلة ما بعد عباس بهدوء.

وربما يكون انشغاله عن الشأن الداخلي في فلسطين، بسبب حمله لأكثر من ملف عربي نتيجة لمنصبه كمستشار أمني لولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد.

 

وآخر هذه الملفات إعلان رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض السابق أحمد الجربا،عن تيار “الغد السوري”، وذلك في مؤتمر صحفي عقده في العاصمة المصرية القاهرة، في مقاربة مع اسم فضائية محمد دحلان ” الغد”.

 

وأفاد الجربا بأن التيار الجديد” هو تيار ديمقراطي تعددي متحالف مع المجلس الوطني الكردي في سوريا”.

 

ومكان الانعقاد والأسماء الحاضرة كانت تعبر عن رسالة واضحة لوجهة هذا التيار، فقد كان أبرز الحضور زعيم إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني وممثلين عن قادة “قوى 14 آذار” اللبناني، ومحمد دحلان،كما حضر ممثل عن السفارة الروسية في القاهرة.

 

وأكد الجربا أن مطالب التيار ” هي أن تكون سوريا ليس فقط دولة “لا مركزية”، بل دولة “فيدرالية”. ويتماهى هذا الطرح مع الرؤية الروسية والغربية والإيرانية للصراع في سوريا…وهي رؤية التقسيم والكنتونات الطائفية والعرقية.

 

ونقل عن نشطاء ليبيين أنه يوجد فترات طويلة في بنغازي، وأنه يدير العمليات السياسية بنفسه هناك..

 

ربما لن يبقى دحلان قائدا فلسطينيا افتراضيا، فهو في نهاية الأمر لن يترك السلطة هناك في رام الله تفلت من يديه، وهو ما تؤكده زوجته السيدة جليلة التي تسكن في خان يونس، وتشير إلى أنه سيترشح للانتخابات الرئاسية في حال إجرائها، وتضيف نيابة عنه “ربما سيترشّح بصفته مستقلا أو كمرشّح عن فتح أو من ضمن قائمة”.

 

محمد دحلان المعروف بـ”أبو فادي” يعتزم العودة إلى غزة..لكنه لن يعود دون توافق بين “فتح” و”حماس” وضمن صفقة تقارب محتملة بين “حماس” ومصر المقرب منها.

 

دحلان البعيد عن رام الله، القريب من عواصم عربية أخرى، ينتظر أن يجني ثمار أدواره الغامضة والمتشعبة في عدة بلدان عربية، فلسطين الهدف النهائي له، هل يجهز نفسه لمكان ما فيها؟!

علي سعادة



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.