أهم المقالات في الشاهد

الجمعة,22 يناير, 2016
بعد وفاة محافظ الامن تحديد المسؤوليات وضرورة الاعتبار

الشاهد_حادثة وفاة محافظ الأمن، سفيان البوسليمي، الذي قضى خلال مواجهات فرنانة، سيكون لها ما بعدها من حيث ردود الفعل، ومن حيث التحاليل أو القراءات أو تحميل المسؤوليّات. لأنّنا اليوم، وبعد أن اتخذت الأجهزة الأمنيّة قرارا بعدم التعرّض للمحتجّين وسمحت لهم بحق التظاهر، لا نفهم السرّ وراء إصرار البعض على استعمال العنف، والدفع باتجاه الفوضى وحرق المؤسّسات العموميّة والامنية على وجه التحديد.

 

 

لا يفهم المتابع والمراقب سبب قيام بعض المجموعات بالتظاهر ليلا، والاعتداء على الأملاك الخاصّة والعامّة، واللجوء إلى حرق المؤسّسات، في الوقت الذي تتوفّر في بلادنا كل الإمكانيّات والضمانات لممارسة الحقّ في التعبير والتظاهر، دون قيد أو شرط. لا يمكن ان نفهم هذا الاصرار إلّا على انه مقدمات للسرقة والنهب، او فسح المجال للعناصر الارهابية كي تتحرك وتنقل السلاح، او انها مداخل لبعض الاطراف للإرباك والفوضى.. على حد تعبير احد النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

اللافت أن الأطراف التي تريد ركوب الأحداث وأعلنت عن ذلك مسبقا وقالت إنّها لا تؤطّر الاحتجاجات ولكنها تشارك فيها، تريد التفصّي الآن من المسؤوليّة عن وفاة البوسليمي رحمه الله، وتحاول عبر العديد من الطرق الادعاء بأنّ عون الأمن قضى في حادث مرور عادي، بينما المعلومات التي توفّرت حول الحادثة تؤكّد أنّه قضى بعد استهداف السيارة التي كان يستقلّها هو وزملاؤه بالحجارة والزجاجات الحارقة من قبل بعض المندسّين بين المحتجّين.

 

 

وفي هذا السياق نقلت بعض المواقع الإعلاميّة شهادة “أحد الأعوان الحاضرين خلال أحداث الشغب التي شهدتها مدينة فريانة من ولاية القصرين ليلة الأربعاء، والذي أكّد أنّ زميله سفيان البوسليمي توفّي خلال خروج دوريّة تابعة لمنطقة الأمن بالجهة وتوجّهها نحو مركز البريد لحمايته من السرقة، وعند وصول الدوريّة حيث يتجمّع المتظاهرون قاموا برشقها بالزجاجات الحارقة ورميها بالشماريخ مما أدّى إلى ارتباك السائق وانقلاب السيّارة ما أدّى إلى وفاة سفيان البوسليمي على عين المكان بالإضافة إلى إصابة أربعة أعوان آخرين”. وأكّد شاهد العيان أن وفاة الأمني على عين المكان لم تثن المتظاهرين عن مواصلة رميهم بالحجارة والزجاجات الحارقة وفق ما نقل من تصريحاته لإذاعة إكسبراس أف أم.

 

الآن لا بدّ من وضع النقاط على الحروف، وعلى الذين يركبون الاحتجاجات المطلبيّة العفويّة، المحقّة والمشروعة ويريدون تحويلها إلى عنف وفوضى وحرق للمؤسسات الخاصّة والعامّة، أن يتحمّلوا مسؤوليّاتهم. لا يمكن لأي جهة أن تعلن اليوم مشاركتها في الاحتجاجات ثم تتملص من النتائج. وإذا لم تتحمل الجبهة وكل الأطراف التي وقفت وراء الاحتجاجات، مسؤوليّاتها القانونيّة، فعليها أن تتحمّل المسؤوليّة الأخلاقيّة على الأقلّ.

 

 

لا يمكن أن نقبل اليوم باستهداف الأمنيّين بحجّة المطالبة بالتشغيل، في الوقت الذي نجدهم في الصفوف الأولى في مواجهة الإرهاب، يتصدّون لمحاولات اختراق رهيبة من مجموعات تريد النزول من الجبال واستغلال ما يجري لنقل الأسلحة والعناصر بين المدن، وفكّ الحصار عن المجموعات المحاصرة في الجبال.

 

 

والأخبار التي تردّدت يوم أمس أكدت أن عناصر الجيش صدّت عشر شاحنات محملة بالمسلحين كانت تحاول الدخول عبر الحدود التونسيّة الليبيّة، فيما ألقي القبض على 7 أشخاص كانوا يحاولون الصعود إلى الشعانبي، والأرجح أنّهم كانوا ينوون الالتحاق بالمجموعات الإرهابيّة المتمركزة هناك، استجابة لدعوة النفير العام التي أطلقتها داعش بُعيْد انطلاق احتجاجات القصرين.

 

 

اليوم من يستهدف الدولة في مقارّها الرّسميّة، ويريد إحياء برنامجه لسنة 2013 القاضي بافتكاك الحكم وتنصيب لجان شعبية مكان الجهات الرسميّة، ومن يستهدف الأمنيّين والمقارّ الأمنيّة والأجهزة الرسميّة هو يستهدف استقرار تونس وأمنها، يستهدف الدولة، ويفتح طرقا سيارة للإرهابيّين كي يرتعوا في البلاد طولا وعرضا.

 

 

على الجهات الرسمية وعلى الأطراف المشكلة لحكومة التوافق أن تخرج على الناس وتبرز قوتها ووحدتها، وتماسكها ووقوفها إلى جانب الجهات الرسمية، لا أن ينأى كل طرف بجانبه، ويترك الجهات الرسمية وكأنها دون ظهير شعبي.

 

 

الأمر الثاني، إضافة إلى السند الذي يجب أن نقدّمه للحكومة، هو تحميل الجهات التي وقفت وراء الاحتجاجات وأشعلت الفتيل ونفخت فيه بالمال المشبوه وبالإشاعات، المسؤولية كاملة وتعريتها أمام الشعب حتى يعلم حقيقتها وحقيقة الأدوار التي تقوم بها.

 

 

نحن أبناء الثورة، ولن تخيفنا مجموعات الشبه شبه، وسنعود إلى الشوارع إن لزم الأمر والى الحارات لنحمي بلادنا كما فعلنا بعد 14 جانفي، ونحن مع الأمنيّين الذي لم يتدخّلوا بالقوّة تجاه المحتجّين، وفقدوا في هذه الاحتجاجات أحد أبنائهم.

 

 

أما الذين يحلمون، شهوة أو رغبة، في ثورة ثانية، نقول لهم، الثورة الثانية لا تكون بالتخريب والعنف وإحراق المؤسسات العامّة والخاصّة، الثورة الثانية لا تكون بركوب احتجاجات المفقّرين والمعدمين، لأنه لا فرق في النهاية بين من جوّع هؤلاء مدة 50 سنة، وهمّشهم، لأسباب سياسيّة بحتة، ومن يريد أن يركب على مآسيهم وأحزانهم لتحقيق أهداف سياسيّة بحتة.

 

 

الأكيد أنّ الذين خرجوا للاحتجاج لم يكن يدور بخلدهم أن تصل الأوضاع إلى حدّ قتل عون أمن، حتى وإن كان الموت غير مقصودا، ولكنّه في النهاية مات بسبب الاحتجاجات وإلقاء زجاجات حراقة على سيّارته. لم يكن يدور بخلدهم أن تصل الأوضاع إلى هذا الحد، ولكن محاولات الاختراق والدّفع بالمحتجّين إلى أقصى درجات العنف هو الذي تسبّب في هذه الحادثة. وهذا في حدّ ذاته مدعاة للاعتبار والتوقّف عنده، ولعلّ هذا ما دفع أهالي القصرين و”كباراتها” إلى الدعوة الى التهدئة، خشية أن يُستعملوا وقودا لمعركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

بعد الأحداث لا بدّ من تحديد المسؤوليّات، ولا بدّ إن لزم الأمر من لجان تحقيق في ما جرى في القصرين ومن وقف وراءه، ولا بدّ من أن يتحمّل كلّ طرف مسؤوليّاته.

 

محمد الحمروني