كتّاب

الإثنين,4 أبريل, 2016
بعد خسارة راضية وخطاب رئيس الجمهورية هل تُراجع الجبهة حساباتها

محمد الحمروني

النتائج التي تحصّلت عليها الأستاذة راضية النصراوي، في انتخابات الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، إلى جانب تصريحات رئيس الجمهوريّة الأخيرة حول الجبهة الشعبيّة، إضافة إلى العديد من الانتقادات التي باتت توجّه للجبهة، حتى ممّن كانوا إلى وقت قريب من أصدقائها، يجب أن تكون محلّ قراءة معمّقة من قبل الجبهة. وعلى حمّة الهمّامي تحديدا، أن يقرأ جيدا هذه التطورات، باعتباره المعني مباشرة  بهذه النتائج من جهتين على الاقل:

الأولى، باعتباره زوج الأستاذة راضية، وهناك تقديرات تقول إنّ عدم التصويت لها كان بناء على الشروط التي وضعت مسبقا، وعلى رأسها الاستقلاليّة ومنع التسييس، ولا يمكن لأحد أن يقتنع بأن الأستاذة راضية مستقلّة سياسيّا.

الثانية، لكونه ناطقا باسم الجبهة، والكثير من المتابعين يعتبرونها معنيّة بالرسائل الأخيرة سواء منها المباشرة من قبل رئيس الجمهوريّة، أو غير المباشرة، التي عكستها نتائج انتخابات الهيئة الوطنيّة للوقاية من التعذيب.

ولن ينفع الجبهة اليوم التخفّى وراء خطاب سياسي توجه من خلاله مرّة أخرى حرابها إلى خصومها، والادّعاء بأنّهم يلهثون وراء الكراسي ويتشبّثون بالمحاصصة السياسيّة، فلا توجد كراسٍ للنهضة وللنداء في هذه الهيئة، وهذه المواقع أقلّ من أن يقع التزاحم من أجلها. أو الإيحاء بأنّ النهضة تحالفت مع جلّاديها الذين كانت الأستاذة راضية من أشدّ خصومهم دفاعا عن ضحاياه من الاسلاميّين، لمّا كانوا في السجون. فلا أحد ينكر علي الاستاذة تاريخها في النّضال ضدّ التعذيب والوقوف بوجه الاستبداد، ولكن لا يمكن للجبهة أن تنكر على النهضة ما بادرت هي بالقيام به بعد الثورة وخاصّة بعد انتخابات 2011 من تحالف مع رموز من النظام القديم. رغم أنّ الفرق واضح في اعتقادي بين هذا وذاك، فالنهضة تتحالف مع النداء من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الثورة، بينما تحالفت معه الجبهة بهدف إفشال الثورة والانقلاب عليها.

في جميع الحالات فإنّ التعويل على مثل هذا الخطاب الذي يتّهم الخصوم ويحاول في نفس الوقت أن يلعب دور الضحية، لن يكون مجديا، وعلى الجبهة أن تقرأ جيّدا نتائج التصويت، فــ 160 من جملة 190 نائبا، لم يصوّتوا للأستاذة راضية، بما يعني أنّ “الرفض” يشمل أطرافا أخرى غير النهضة والنداء، وما يعني أيضا أنّ الجبهة تتّجه أكثر فأكثر نحو عزلة سياسيّة، خاصّة وأنّ الاتهامات الموجّهة لها لم تعد من قبيل الغمز بل باتت “همزا”.

بُعيْد أحداث القصرين، تبنّت عناصر يساريّة وجبهويّة علنا عبر صفحات التّواصل الاجتماعي أعمال التخريب والعنف الذي وقع في القصرين. وكتب أحدهم، وهو قيادي بإحدى المنظّمات اليساريّة العريقة، على موقعه في الفايس بوك “المرّة هاذي ما تسألوش اشكون المخرّبين.. نحنا المخربين”، ثمّ قاد مسيرة إلى مقر ولاية تونس، وتزعّم رفقة عدد من رفاقه التحريض على العنف وعلى “الثورة الثانية”. ولمّا تحوّل مسار الأحداث إلى الهدوء وبان أنّ أحداث القصرين لن تسير كما خُطّط لها، واجهت الجبهة يومها حملة شعبيّة وإعلاميّة كبيرة. ما دفع بحمّة إلى عقد ندوة صحفيّة والحديث عن استهداف ممنهج له وللجبهة.

الشيء نفسه يتكرّر اليوم على ألسنة قيادات جبهويّة مختلفة، والغريب أن الجبهة تتناسى، وهي تروج لمثل هذه الخطاب، أنّها أكثر من استهدف خصومها السياسيّين وأكثر من سخّر الآلة الإعلاميّة الموروثة عن عبد الوهاب عبد الله للنيل منهم واتهامهم بالمسؤولية عن اغتيال شكري بلعيد ومحمّد البراهمي والسلسلة لا تنتهي إلى الآن.

ولكن هذه الطّريقة في التعاطي مع التحدّيات الحقيقيّة التي تواجه الجبهة لن تنفع في المستقبل، وكما قلنا سابقا فإنّ المزايدات، واستعمال لهجة تصعيديّة دائما في محاولة للتأكيد على “عذريّة نضالية” لا تملكها إلّا الجبهة، هذا الخطاب السياسي وهذا النهج في التعاطي مع الأوضاع التي تمرّ بها البلاد، دفع ويدفع بالجهة أكثر فأكثر إلى “أطراف” الحياة السياسيّة وابتعدت كثيرا عن الوسط، وعن المواقف الأغلبيّة للشعب التونسي.

فسياسات الجبهة وزعيمها، الرافضة لكل شيء، لنتائج الانتخابات ولمخرجات الحوار الوطني وللمشاركة في الحكومة، ولقانون الماليّة، ولمواقف الخارجيّة التونسيّة ولما اتفقت عليه جامعة الدول العربيّة… هذا الخطاب الذي يحاول بناء شرعيّة ثوريّة من خلال منطق عدمي لا يقبل بأيّة توافقات أو اتفاقات، والذي يعتمد قاعدة “ما أريكم إلّا ما أرى”، والذي يعتبر العالم كلّه مخطئا إلّا المجموعة الصغيرة التي تمثّلها الجبهة، هذا النهج وهذا الخطاب جعل الجميع – بما في ذلك أصدقاء الجبهة – ينفرون منها، ويعاقبونها على خطّها المتطرّف يسارا، عبر نتائج التصويت في اختيار أعضاء الهيئة الوطنيّة لمقاومة التعذيب. وبالنّسبة إلى أصدقاء الأمس – ومنهم رئيس الجمهورية – وبعد أن كان يلمّح إلى الأدوار التي لعبتها الجبهة خلال أحداث القصرين مرّ إلى التصريح والإشارة بوضوح إلى أن الجبهة لا تمثّل إلّا أقليّة قليلة جدّا، وإلى كونها تمارس الإرهاب الفكري أو الذهني كما قال.

كثيرون يعتقدون أن الوقت حان بالنسبة للجبهة كي تراجع خياراتها، وأن تُعدّل من خطابها باتجاه المزيد من الاعتدال، والقبول بالتوافقات التي أجمع عليها التونسيّون. ولا أحد يطلب من الجبهة أن تتخلّى عن صوتها المعارض القوّي، بل المطلوب منها أن تتخلّى عن منطقها العدمي الذي جعلها على هامش الحياة السياسيّة في البلاد. وإذا أصرت على هذا النّهج ستتحوّل إلى مادّة للتندّر السياسي، ولعل الصّور الكاريكاتوريّة التي بدأت تُنشر في بعض المواقع والصحف التي كانت إلى وقت قريب صديقة لحمّة، وبعض الأغاني التي تصوّر بشكل هزلي المنطق العدمي للنّاطق الرّسمي باسم الجبهة، لعلّها مجرّد بدايات فقط.

أما عن الأستاذة راضية وخسارتها في انتخابات الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، رغم تاريخها النّضالي الكبير في الدفاع عن ضحايا التعذيب، فهي ليست إلّا ضحيّة من ضحايا حمّة وسياسات الجبهة، وهذا في حدّ ذاته دافع إضافي للجبهة كي تقوم بالمراجعات اللازمة .. وفي أسرع وقت.

 

 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.