الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

الإثنين,22 أغسطس, 2016
بعد الإعلان عن تشكيل الحكومة ..ماذا ربحت النهضة وماذا خسرت ؟

الشاهد  _ وفق المعطيات الحالية وما يحدث على الأرض لا يمكن الحديث عن خسارة نهضاوية ولو باعتماد الإحتمال والحسابات الماورائية ، ثم إنه و دون الاستغراق في التحليل المسكون بالمؤامرة والفزع يمكن القول إن النهضة حققت أكثر من المأمول ونجحت في ترقية مشاركتها في الحكومة الحالية نسبة إلى الحكومة السابقة كما نجحت في جر خصوم بدرجة أعداء إلى شراكة محفوفة بالإكراهات ، لتكون بذلك قد دثرت تواجدها في منصات القرار وبالقرب منها وفتحت ثغرات في الجدار اليساري الراديكالي الأصم .

بتجاهل أسطوانة الكفاءات والحكومة الرشيدة والصيد الضعيف والشاهد العبقري الشمشون ..بتجاهل التعلات الواهية التي أطلقوها واعتماد الحجج والبراهين يمكن الجزم بأن الإقالة والتكليف وما حولهما وما بينهما وما قبلها وما بعدهما كانت نتيجة لسلوك اعتمدته مكينة ما قبل سبعطاش قررت بموجبه عدم فك الخناق عن مكينة ما بعد أربعطاش ، وتسعى السلطة الحاكمة وأصحاب النفوذ والأوتاد المالية الشاهقة إلى تصنيع ترضيات مركبة توزع على الفرقاء كل وقدرته على البطش والتنكيل بالدولة ، وكل وعقيرته ومواهبه في الصراخ المزعج ، مقايضة المناصب بفك الحصار عن تونس ، وإلا فإنه من العيب الحديث عن إقالة الصيد على شرط الضعف والفشل وتكليف الشاهد شريطة النجاح والإقلاع بينما تونس تقدم المشهد الرياضي برمته لأخت الشهيد في شكل دية تجبر الدم .. دم الأخ ، ثم وأي حكومة رشيدة تلك التي جعلت من دكاكين ومستودعات حزب المسار مستقرا لحبوبنا وغلالنا وبقلنا وقثّائنا وثومنا وعدسنا وبصلنا.

وبما أن الأمر يتعلق بكسر الحصار على الدولة وفك الخناق عن مؤسساتها ولا يتعلق بالإختصاص والكفاءة، وبما أن النهضة تعتمد على الأعراف التي عادة ما تصاحب المراحل الإنتقالية أكثر من اعتمادها على القانون وفصوله الحرفية ، يمكن القول أن الحركة مازالت تلعب في ملعبها وتتحرك داخل أجندتها ، فهي تعلم جيدا أن البلاد ليست بصدد مرحلة بناء الدولة الديمقراطية العادلة والحرة ، وإنما بصدد ترويض العقل الإنقلابي وإذابة طوفان الحقد بين المكونات وامتصاص شهوة السلطة المجانية المجانبة للصناديق الباحثة عن ممرات الثعالب والضباع الضيقة الملتوية ، تلك مقدمات لا بديل عنها كأسس سليمة لإنطلاق مشروع الدولة الحلم ، والواضح أن أهداف النهضة المرسومة سلفا لم تتأثر بتعاقب الحكومات وهي ماضية في الاقتراب من الدولة بشكل لين وغير مسقط ، وبعد أن تعطلت لغة الكلام بينها وبين القوى الراديكالية وفشلت الأوعية الحزبية في تحريك الركود وحلحلة الموقف ، تسعى الحركة لسحب خصومها إلى داخل الدولة ومن ثم إيجاد تسويات معهم بحكم الإحتكاك الإجباري الذي تفرضه إكراهات السلطة.

أما الخسائر فلا يمكن حصرها لأنها مازالت في حكم الإفتراض ، وإنما يمكن الإشارة إلى الثغرات التي قد تتسرب منها ، وحتى نقف على الخسائر المحتملة لابد من الإجابة عن سؤالين إثنين ، الأول هل النداء وأركانه بصدد إنتاج قوة قابلة للتأقلم مع الديمقراطية الناشئة وتسعى إلى الهيمنة على مرحلة الإنتقال الديمقراطي دون الإجهاز عليها ، أم أنها بصدد إعادة إنتاج المنظومة القديمة وتُجهز لديمقراطية شكلية يقتل فيها الحاكم خصومه بشكل أنيق ، يذبح كما ذبح ، غير أنه يريح ذبيحته ولا يعذبها كسلفه .

أما السؤال الثاني فيتعلق بتماسك الحركة وقدرتها على تحجيم الخسائر الداخلية في مرحلة الفعل الضيق والبطالة الواسعة ، مرحلة تتحرك فيها الأقطاب والنخب ويدخل السواد في خمول مبهم ، خمول قد يكون بمثابة استراحة تؤهل للقادم ، وقد يكون بمثابة الموت السريري ، حين تجذبه الحركة وتندبه للفعل تجده هيكلا خاويا غادرته الروح إلى مسارب أخرى ، ولعل الشيء الإيجابي المحفوف بالسلبية أن النواة الصلبة للحركة وقوتها النضالية السميكة والكثيفة لديها من الإنجازات والمحن ما يجعلها عازفة عن التعلق “المبهر” بالرموز السالفة أو الوافدة ، وما عدا رئيسها الذي تشبع بالرمزية ومكنه السبق والتبكير كما مكنته المزاوجة بين الديني والسياسي من إقتلاع إعجاب القواعد الممتحنة الضالعة في النضال ، ماعدا ذلك يصعب تركيز الفعل ولمدة طويلة في يد نخبة محصورة على أمل أن تتابع البقية الواسعة المشهد عن بعد وفي لهفة وتتطلع بشوق إلى نجاحات الرموز . كانت حركة النهضة ومازالت ونحسب أنها ستضل حركة خلايا نشطة فاعلة متحمسة تؤثثها الآلاف ممن نامت أعمارهم في جوف المحن ، وليست حركة نخبة انفصلت على الكوكبة لتسحب السباق وتحسن من شروطه ، هناك قد تتداخل الأروقة وتختلط البوصلة وتتضارب الأقوال حول خط الوصول .

نصرالدين السويلمي