مقالات مختارة

الإثنين,15 فبراير, 2016
بشرى بلحاج أحميدة لـ”العربي الجديد”: “نداء تونس” انتهى

الشاهد_بشرى بلحاج أحميدة، برلمانية وناشطة نسوية، لكنها، أيضاً، عضوٌ مؤسس في حزب “نداء تونس”. وبعدما أعلنت، أخيراً، عن استقالتها من الحزب، تشرح في حوار لـ”العربي الجديد”، من وجهة نظرها، خفايا وأسباب الأزمة التي أضعفت الحزب وساهمت في تفككه.

* ما هي الأسباب الحقيقية والعميقة التي جعلت حزب نداء تونس عاجزاً عن معالجة أزمته الداخلية؟

 

– السبب الأساسي يكمن في كونه حزباً بني بدون هيكلة واضحة ومحددة. لم يعقد الحزب عند تأسيسه مؤتمراً يحدد مفاصله الأساسية ويضبطها. كان هناك مدير للهياكل يتصرف فيها بمفرده، وهو ما جعل الحزب غير مهيأ لمعالجة حتى المسائل البسيطة، فما بالك بأزمة في مثل هذا الحجم. كل ما حصل أننا أعلنا عن تأسيس الحزب واخترنا مكتباً تنفيذياً بدأ بـ 32 عضواً قبل أن يتوسع لتجاوز 200 عضو بشكل توافقي، ثم خضنا الانتخابات التشريعية والرئاسية. وانبثق عن ذلك مكتب سياسي لتسيير الحزب، لكن لا يوجد أي مسؤول تم انتخابه بشكل قانوني ووفق آلية متفق عليها. عندما حاول “الندائيون” اختيار قيادة كانت النتيجة أن شقاً منهم رفض الاعتراف بالقيادة الجديدة فانطلقت بذلك الأزمة، ولم نجد حتى لجنة نظام لتقوم بدورها من أجل معالجة هذا الخلاف في بداياته.

*كيف خضتم هذه المغامرة في حين أن الحزب يعجّ بشخصيات لها تجربة واسعة في العمل الحزبي والجمعياتي؟

 


تشكّل “نداء تونس” كان ضرورة لملء الفراغ الذي تركه القرار القضائي الخاص بحل حزب التجمع


– هي ليست مغامرة، وإنما كان هناك فراغ سياسي كبير في البلاد نتيجة هيمنة حزب وحيد ألا وهو “النهضة” التي تعتبر حزباً محافظاً، وذلك لأسباب يطول شرحها. هذا الأمر أخاف أوساطاً واسعة من التونسيين الذي عبروا عن مخاوفهم من أن نجاح النهضة سيغير أشياء كثيرة من نمط المجتمع. وبناءً عليه يمكن القول إن تشكّل “نداء تونس” كان ضرورة لملء الفراغ الذي تركه القرار القضائي الخاص بحل حزب التجمع. يمكن القول إنّ “التجمع” حزب استبدادي، ولكن ما لا يمكن إنكاره هو أنه كان يجمع عدداً واسعاً من التونسيين الذي وجدوا أنفسهم بعد حزبهم بدون هيكل حزبي يوحدهم ويجعلهم يساهمون في الشأن العام.

الخطأ الفادح الذي يتحمل مسؤوليته الجميع هو عدم إنجاز مؤتمر. ويعود سبب تأجيل عقد المؤتمر إلى أنّ الكثير من الأعضاء، ومن بينهم نحن، كانوا متخوفين من أن يفرز المؤتمر قيادة لا تمثل جميع الأطراف. وهو من شأنه أن يؤدي إلى تقسيم الحزب والقضاء على وحدته بحكم أن “النداء” تأسس على عدد من التيارات أو الروافد. أي أننا كنا نتوقع حصول الأزمة، ولا سيما أن هناك طرفاً داخل الحزب كان يعتبرنا جزءاً من الديكور لا بد من استغلاله لتجاوز المرحلة.

*من أنتم؟ ومن هم؟

 

– أقصد بذلك اليسار والتقدميين والنقابيين في مقابل المجموعة التي تعتبر نفسها ماكينة التجمع (الحزب المنحل). وهنا لا بد أن أشير إلى أن الخصومة ليست في الأصل بين التجمعيين واليسار كما هو شائع، وإنما الصراع قام ضد التجمعيين الذين كانوا مرتبطين بصخر الماطري ومحمد الغرياني، وممثلي هذا الخط يعتبروننا مجرد ديكور.

*لكن في المقابل أنتم اعتبرتم من جهتكم أن التجمعيين الذين معكم مجرد قوة ظرفية تم استعمالها من قبلكم للوصول إلى السلطة؟

 

– ليس صحيحاً. كنا نعتبر أن الحزب يسع الجميع، لأننا كنا نرفض كل أنواع الاقصاء. وبالتالي لم نعتبرهم مجرد ماكينة انتخابية. كنا نردد أن البلاد أمام اختيارين إما الديمقراطية أو العودة إلى الاستبداد.

*لكنكم في مرحلة التأسيس أبديتم حرصاً شديداً على عدم بروز وجوه “تجمعية” خشية حصول رد فعل من التونسيين ضد حزبكم.

 

– هذا ليس فقط رأينا نحن، ولكن حتى الرئيس، الباجي قائد السبسي، كان مقتنعاً بذلك لأن الرأي العام لا يزال رافضاً لهم. وما كان للحزب أن ينجح لو أنهم كانوا في صدارة المرشحين. لكن بعدما تمت معالجة عقدة التجمعيين، وبدأ الحنين يعود لدى بعض التونسيين إلى الرئيس السابق، زين العابدين بن علي، أخذ هؤلاء المرتبطون برؤوف الخماسي، يعبرون بوضوح عن رفضهم اليساريين والتقدميين داخل الحزب. ويؤسس الخماسي رأيه على الاعتقاد أنه في إطار التحالف الاستراتيجي مع “النهضة” يجب على “النداء” التخلص من الجناح اليساري، كما على قيادة حركة النهضة التخلص من الجناح الموالي للقيادي النهضوي الحبيب اللوز، وعندها يمكن للحزبين تسخير جهودهما من أجل العمل المشترك لفترة قد لا تقل عن خمسة عشر عاماً بدون أي إشكال.

*لكن في المقابل ألم تكونوا كتيار يساري تخشون عقد مؤتمر خشية أن تخسروا وجودكم بحكم كونكم تمثلون أقلية داخل الحزب؟

 

– لا، هذا ليس صحيحاً، والدليل أنه عندما نظمت انتخابات داخل الحزب نجحنا نحن وليس الآخرون. وعندما عقدوا مؤتمر سوسة كانت النتيجة أنه حتى الذين كانوا معهم انقلبوا عليهم. إلقاء نظرة على الذين استقالوا أو جمدوا عضويتهم يظهر أن الكثير منهم “تجمعيون” وهو ما يؤكد أن المعركة ليست بين تجمع ويسار، وإنما هي بين محافظين وبين تقدميين.
*هل يفهم من كلامك أنكم تعتقدون بوجود تجمعيين تقدميين؟

 


هناك من يريد أن تصبح تونس محكومة بحزبين قويين يتوليان قسمة السلطة بينهما


– نعم هناك تجمعيون تقدميون، وهناك تجمعيون يؤكدون أنهم دفعوا ثمن أخطاء النظام بدون أن يتحملوا مسؤولية في ذلك. المحافظون من التجمعيين وأصحاب الأموال المشبوهة والمتطرفون في توجههم الليبرالي هم الذين يريدون تقديم الخلاف على أساس كونه بين تجمعيين ويساريين. هناك من يريد أن تصبح تونس محكومة بحزبين قويين يتوليان قسمة السلطة بينهما. وبالرجوع إلى التجمعيين الذين انسحبوا يتبين أنهم الأفضل داخل الجناح التجمعي، وهو ما يقرّ به “النهضويون” أنفسهم. وبالتالي فالمعركة الدائرة حالياً هي معركة الديمقراطية داخل حزب النداء وفي البلاد. هناك رفض أن يقاد الحزب عن طريق الانقلاب عليه وافتكاكه. وهناك تساؤل إن كنا سنبني ديمقراطية في تونس أم سنلتف عليها ونعود إلى مرحلة الاستبداد؟
*إذا كانت المسألة بهذا الوضوح، كيف تفسرون موقف السبسي؟

 

– الرئيس التونسي يؤمن بموازين القوى، وهو يعتقد أن الجناح الآخر عرف، كيف يعمل وكيف يصل إلى ما وصل إليه. لكنه اليوم يدرك أن هذا الجناح فشل على الرغم من أنه يعتبر أننا فشلنا في كل المراحل ووقعنا في رد الفعل، في حين يؤمن هو بالتخطيط المرحلي. فالعبرة عنده بالنتيجة. ولعله يدرك اليوم أن التخطيط الذي اعتمده الآخرون، وعلى الرغم من الأموال التي دعمت ذلك التوجه أدت في الأخير إلى الفشل. مع العلم أن الرئيس رفض أن يُتَحَدَّثَ باسمه، ولعله يدرك اليوم، أن الجناح فشل حتى في إدارة الخلاف بين مكوناته الداخلية. فحتى القائمة التوافقية التي وضعوها فيما بينهم انقلبوا عليها. لقد ازدادت صورة الحزب سوءاً، وعلى الصعيد الدولي ومؤسسات التمويل العالمية لاحظ الجميع أن الحزب فرغ من كوادره وازداد فقراً على هذا الصعيد. حتى الهياكل الداخلية التي نصبوها اختلفوا حولها وكسروها.

*هل يعني هذا أن رئيس الدولة فشل في إنقاذ الحزب؟

 

– الحقيقة نحن جميعاً فشلنا في ذلك. هو فشل جماعي سواء بالنسبة للذين غادروا الحزب أو الذي حاولوا إصلاحه من الداخل. لكن مع ذلك فالانقلابيون هم الأكثر مسؤولية.

*لماذا تريدون، أنتم أو (الأمين العام السابق للحزب)، محسن مرزوق، تحميل المسؤولية حركةَ النهضة عن هذه الأزمة؟

 


حركة النهضة ليست مسؤولة
عن الأزمة داخل النداء

– من وجهة نظري حركة النهضة ليست مسؤولة. النقد الأساسي الذي يوجه إلى النهضة في كون قيادتها تعاملت مع شق دون آخر، ولكن المثل الشعبي يقول “الذي يحسب وحده يظن أنه قد بقي له الكثير”. المسؤولون الفعليون هم الذين يجرون وراء النهضة ويعتقدون أنها أقرب إليهم من شركائهم في “النداء”.
تجد النهضة نفسها، اليوم، في أحسن وضعية، وما تريده هو المشاركة في الحكم بدون تحمل مسؤوليات أساسية، فهي لا تريد أن تبدو وكأنها صاحبة القرار. وليس من مصلحتها أن تتشتت قوة “النداء”. لومي الوحيد على النهضة أن تبني مع الجناح الحالي في الحزب علاقات متميزة.

*هل تعتقدون أن مبادرة محسن مرزوق لبناء حزب جديد هو “نداء 2” لها مستقبل؟

 

– بالنسبة لي لن تنجح مبادرة بناء حزب نداء آخر. فـ”النداء” الأول تأسس في سياق آخر، وتمتع بشروط نجاح لم تعد متوافرة حالياً ومن أهمها كاريزما الباجي قائد السبسي، وكذلك الكراهية المفرطة لحركة النهضة. اليوم نحن في حاجة لحزب يحمل مشروعاً واضحاً قائماً على بدائل مقنعة للتونسيين. من ناحية ثانية، التونسيون يحبون الزعيم، واليوم بعد السبسي لم يعد هناك زعماء. وفي غياب أب روحي في مستوى السبسي أصبح لا مفر من وجود قيادة جماعية. التونسيون اليوم ليسوا مستعدين للسير وراء أي شخص يظهر طموحه، وهو ما قلته مباشرة إلى محسن مرزوق.

*كيف يبدو لكم مستقبل حزب “نداء تونس”؟

– لقد انتهى الحزب وتبخر المشروع.

حاورها صلاح الدين الجورشي

 

 

العربي الجديد



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.