الرئيسية الأولى

الأربعاء,29 يونيو, 2016
بزنس تشكيل الحكومة التونسية

الشاهد _هو نوع من البزنس، تزدهر سوقه وترتفع أسهم بورصته، كلما نادى المنادي بتشكيل حكومةٍ جديدةٍ نتيجة انتخاباتٍ أو أزمةٍ حادة تعيشها البلاد. عرفت تونس تنامي هذا النوع من البزنس السياسي، بعد انهيار حكم بن علي وأفول نظامه، وبروز الأنوميا السياسية، بما تحيل عليه من فقدانٍ للمعايير، الناتجة عن الأزمات والتغيّرات الكبرى والثورات، في انتظار رسوخ نظامٍ سياسيٍّ جديد مازالت تتجاذبه قوى محافظة قديمة، وأخرى جديدة تبحث لنفسها عن مكان يؤويها.

بدأت ظاهرة البزنس تغزو مجال السياسة، مع تشكيل حكومتي محمد الغنوشي الأولى والثانية، ومع مجيء فريق الباجي قائد السبسي سنة 2011 إلى قصر الحكومة في القصبة، ونمت مع الحكومات المتتالية المنبثقة عن انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وظهور الترويكا سنة 2012 -2013. ومع تشكيل حكومة التكنوقراط التي ترأسها مهدي جمعة، القادمة من دهاليز الحوار الوطني، بقيادة الرباعي الراعي وكواليسه، وحكومتي الحبيب الصيد المنبثقة عن انتخابات 2014 التشريعية والرئاسية، حقّقت بورصة السياسة أعلى حجمٍ في تعاملها في التداول، بشأن أصحاب السير الذاتية الموعودين بولاية الأمر والوزارة.
في سوق السياسة التونسية، لم تظهر الأحزاب السياسية والشخصيات المشتغلة بالشأن العام، فقط، مؤتمنةً على ممارسة السياسة والمشاركة في الانتخابات، وتشكيل الحكومات وتولي أمر الناس، كما هو منصّص عليه في القانون الأساسي للدولة التونسية لسنة 2014، وإنما طفت على السطح، وبالتوازي مع ذلك، شريحةٌ طفيليةٌ، تعرف من أين تُؤكل الكتف، تحترف السمسرة والبيع والشراء والتسويق، والإعلاء من شأن هذا الشخص والتقليل من شأن آخر أو تحقيره، جاعلةً من السياسة سوقاً للنخاسة. وهذه الفئة التي يبدو أن دورها غير ظاهرٍ لعيان الجميع، وغير مدوّنٍ في النصوص الكبرى أو الصغرى للدولة التونسية، تساهم في رسم ملمح المجتمع السياسي التونسي، أو هي التي تحدّده أحياناً بعد أن تقوم بوظيفتها، لا شكلياً، وبصورةٍ خفيةٍ ضمن صراع اللوبيات ومراكز القوى من أجل السيطرة على مقدّرات الدولة التونسية، التي تمتلك كثيرا من مفاتيح مداخلها.

هي فئة، على الرغم من عدم تجانسها، قادرة على اختراق الأحزاب، والمنظمات الكبرى، العريقة، والعتيدة، وحتى المناضلة منها، وعلى علاقة بالأجهزة الداخلية للدولة العتيقة، ومراكز نفوذها التاريخية، وقواها الفاعلة، الأمنية والاقتصادية والمالية والدعائية، مرتبطة بسفارات الدول الكبرى النافذة والمحدّدة لكثيرٍ من تفاصيل المشهد الوطني، وظيفتها تسويق أشخاص بعينهم، لتولي الوظائف الكبرى في الدولة، بدايةً من رئيس الحكومة، مروراً بالوزير وكاتب الدولة، وصولاً إلى السفير والقنصل، من دون أن تغمض عينها عن الوظائف المفتاحية الأخرى في الإدارة التونسية والمؤسسات العمومية. وهؤلاء الوسطاء والسماسرة يشتغلون لفائدة فئة أصحاب المصالح والأعمال، أو هم جزءٌ من هذه الجماعة التي أيقنت أن الطريق الأمثل لحفظ مصالحها، والغلبة في رهاناتها وتحقيق استمراريتها، لا يمكن ضمانه إلا بالولوج إلى هذا العالم المعقّد الفاقد أدنى أخلاقيات الفعل السياسي، وزرع الرجال والنساء المناسبين، لخدمة خياراتهم، ورعاية مصالحهم، وتنفيذ مخططاتهم، والتمكّن من صفقاتهم في مختلف أسواق الدولة.

وبالتوازي مع الإعلان عن تشكيل كل حكومةٍ جديدة، تشهد مكاتب سماسرة السياسة ومقرّات شركاتهم وأحزابهم، ودبلوماسيتهم، واتصالاتهم المعلنة والخفية، ومجالسهم ومقاهيهم، ومنتدياتهم المقامة في غالبها في منطقة ضفاف البحيرة الأرستقراطية، وما جاورها من أحياء الاحتراف السياسي، في حاضرة تونس، حراكاً لافتاً، وديناميكية ملحوظة، ومزاداً علنياً حول السير الذاتية لرجال الدولة الجدد المرتقبين، لا سيما من خريجي المدارس الكبرى الفرنسية والأميركية. فهذه المدارس ودولها كانت تعدّ لنا حكوماتنا على نارٍ هادئة، وترسم لنا ملامح وزرائنا ومسؤولينا وتكنوقراطنا، ونحن في غفلةٍ من أمرنا، وإلا فما مبرر أن يكون كثير من أسماء وزراء الحكومات التونسية، على اختلاف ألوانها السياسية وحتى الأيديولوجية، من جمعيات خريجي المدارس الكبرى؟

هو عرس كتابة السيرة الذاتية، وتزويقها، وتنميقها، وحتى حشوها بما لا تحتوي، من دون حسيبٍ أو رقيب، وترويجها، لكي تشهد على تفوّق صاحبها العلمي والمهني وخبرته ومعرفته، وقيمة ما تحصل عليه من شهاداتٍ علمية، وما أجراه من تربّصات، قبل أن يلتحق بإحدى الشركات الكبرى، العابرة للجنسيات أو المنظمات الدولية، لاسيما المالية ليشتغل موظفاً سامياً، على ما في ذلك من مفارقةٍ مأتاها أن يبلغ مرشح لخطةٍ كبرى في الدولة التونسية من المجهولية لدى الرأي العام الوطني، الذي سيتولى شأنه كليّا أو جزئيا، ما يجعله يقدّم سيرته الذاتية للمشاركة في مناظرة بالملفات لتولي خطة وزير.

وبهذه الطريقة، وصل أشخاصٌ كثيرون إلى هرم الوزارات والوظائف القيادية، بعد 14 جانفي 2011، ونفذوا حتى إلى رئاسة الحكومة، المنصب الأهم في الدولة التونسية منذ بدء العمل بالنظام البرلماني المعدّل. فقد انطلت الحيلة على الطبقة السياسية الوطنية، بما في ذلك الأحزاب المولودة من رحم النضال التاريخي، ورجال الاتحاد العام التونسي للشغل المنظمة العريقة، حينما زكّوا حكومةً، كانوا يعتقدون أنهم الذين يحدّدون ملامحها ورجالاتها، ومنهم رئيسها، ليكتشفوا بسرعةٍ أن سماسرة السياسة وعرّابي السفارات الأجنبية زرعوها بأيديهم، إلا ما قلّ فيها وندر.

مئات الوزراء وكتّاب الدولة (وكلاء الوزارات) عدّهم بعضهم في حدود الثلاثمائة، عرفتهم تجربة الحكم التونسية الجديدة، في ظل الحكومات المتعاقبة، وتم ترويجهم باسم الكفاءة والعبقرية والقدرة والخبرة، لكن أغلبهم استحال نسياً منسياً في لمح البصر، وبعد أن غادر وزارته مباشرة، وعاد إلى وظيفته الأولى موظفاً في هذه الشركة، أو مدير قسم في تلك المؤسسة، حتى أن بعضهم لا يذكره الناس بخير أو بسوء، لأنه غير عالق بذاكرتهم ألبتة.

بيّنت التجربة الديمقراطية الفتية في تونس أن بزنس السياسة أفسد على التونسيين ثورتهم التي انتظروها عشرات السنين، ليصلحوا ما أفسدته أنظمة الاستبداد ومافيا الفساد التي تمكّنت في البلاد، ونهبتها نهباً نهماً شرسا قلّ نظيره، فإذا بهم يجدون أنفسهم بين براثن “سماسرة المسؤوليات السامية” من جديد، والذين جادوا بما لديهم من وزراء وخبراء، تبين بسرعة أن أحدهم تحوم حوله شبهات فسادٍ بإقرار هيئات مكافحة الفساد. وثمّة آخر منشورة في حقه قضايا في المحاكم، من دون أن يشكل له ذلك حرجاً يُذكر. وثالثٌ أبدى وفاءً للشركة العابرة للجنسيات التي قدم من مكاتبها في باريس أو لندن، أكثر من ولائه للدولة التونسية، ورابعة دمّرت القطاع الذي تولّته تدميراً، وحوّلته قاعا صفصفاً، وفقّرت أهله وذويه بعد سنوات عزّهم ورخائهم، من دون أن تبدي أي إشارةٍ تدلّ على مسؤوليتها في الفشل. وخامس ينطق الشيء ونقيضه، متخذاً من منهج غوبلز في البروباغندا والدعاية الدائمة والكذب وسيلةً للإقناع والتغطية على الخراب الذي خلفه وراءه، بسبب الجهل بنواميس التسيير والحكامة. وسادس عقد صفقات دولية بالمراكنة. وسابع يرقص على مزمار حزبه، والمشافي تعج بأشلاء المصابين في حادث القطار الشهير ..إلخ.

وهذه التجارب الفاشلة التي بلغت أوجها مع حكومة الائتلاف الرباعي الحالية، واضعة البلاد موضع البلدان والدول الفاشلة التي تعيش على حافة الإفلاس والتفكّك، بعد أن بلغ الفساد فيها أعلى المراتب، حسب مقياس منظمة الشفافية الدولية، وبعد أن أنهكها التهريب والاقتصاد الموازي، والعجز عن إصلاح القطاعات الاستراتيجية، الموعودة بالإصلاح، وإعادة هيكلتها، من صحة وتعليم وإدارة وأمن ومالية عمومية وديوانة. وفي ظل الحوار الجاري بين أغلب الأطراف الاجتماعية، والقوى السياسية، لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية المبشّر بها، وجب إبعاد “بزانسة” السياسة وسماسرتها، ومنتجاتهم التي يروّجونها، عن هذا الحوار، للحفاظ على نقائه ومصداقيته، على قاعدة أن التكنوقراط والخبراء في المكاتب الخلفية، والسياسيين في المواقع الأمامية، من دون الغفلة عن أهمية الحس والولاء الوطنيين ونظافة اليد والقدرة التواصلية والمصداقية مع الشرائح الشعبية والرجولية السياسية التي باتت عملةً نادرةً في مدوّنات ساسة اليوم.

سالم الابيض