وطني و عربي و سياسي

الخميس,31 مارس, 2016
بروكينغز: النهضة من الداخل: الإسلاميون أو “الديمقراطيون المسلمون”؟

في تقرير مطول لصحيفة بروكينغز نقلته الشاهد إلى اللغة العربية، كتب المحرر أن “الإسلاميون على الإسلام اليوم” هو عبارة عن سلسلة جديدة ضمن مشروع مؤسسة بروكينغز تحت عنوان “إعادة التفكير في الإسلام السياسي”.

في هذه السلسلة، سوف نسمع مباشرة من النشطاء والزعماء الإسلاميين أنفسهم، وهم يدخلون في نقاش مع أصحاب المشاريع وتقديم وجهات نظرهم الخاصة بشأن مستقبل تحركاتهم.

وسيكون لدى الإسلاميين الفرصة للاختلاف (أو الاتفاق) وتحدي الافتراضات والحجج من بعض كبار العلماء من الإسلام السياسي، بروح من الحوار البناء.

كنائب عن حزب النهضة في البرلمان في تونس، كنت دائما مهتما بكيفية تصويرنا من قبل كل من الأكاديميين الذين يدرسوننا، فضلا عن وسائل الإعلام. وكثيرا ما شعرت بوجود تناقض قوي بين ما كنا نقرأ عن أنفسنا، كحزب إسلامي، ومن وما نحن عليه في الواقع.

وفي هذا المقال، أود أن أتطرق إلى بعض القضايا التي أثارتها مونيكا ماركس، وآفي شبيجل، وستيفن بروك التي أثيرت في مساهماتهم في مبادرة بروكينغز “إعادة التفكير في الإسلام السياسي”.

الأولى هي الهوية الحقيقية للنهضة ولماذا من المهم مواصلة مناقشة أبوة الإخوان المسلمين المفترضة لحركتنا.

ثانيا، أود التركيز على ما يعني فشل النهج “القانوني” للجيل القادم لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وآثاره على بقية العالم العربي.

وسيكون هذا أيضا مناسبة لإعادة تفسير التأثير الحقيقي للانقلاب المصري في 3 جويلية 2013 على الانتقال التونسي. والقسم الأخير يعيد التفكير في كيف يمكننا تسمية حزب مثل حزب النهضة، ويسأل عما إذا كان “المسلم الديمقراطي” قد يكون وصفا أكثر دقة لتوجه الحزب، بدلا من التسمية التقليدية ل”الإسلاميين”.

النهضة: الإخوان المسلمين أو بورقيبة الطفل التونسي غير الشرعي؟

أعتقد أن الوقت قد حان للاعتراف بأن النهج التقليدي الذي يربط بين جميع الأطراف السياسية المعاصرة المبنية على القيم الإسلامية لجماعة الإخوان المسلمين كنوع من “الشركة الأم” قد وصل إلى حدوده القصوى، لا سيما في ضوء القرارات الأخيرة التي اتخذتها هذه الأطراف. علاوة على ذلك، فإن سياق تأسيس حزب النهضة هو أكثر تعقيدا من محاولة استيراد أيديولوجية حسن البنا في تونس من قبل راشد الغنوشي. ثم إن المسار الوطني جدا على الأرض لمؤسسي حركة الاتجاه الإسلامي (الذي أصبح فيما بعد النهضة) يقول الكثير عن الخصائص المحلية للحركة الإسلامية التونسية.

وهناك الكثير مما يمكن استخلاصه في هذا الصدد من خلال دراسة الأصول الفكرية والدينية للحركة الإسلامية في تونس. على سبيل المثال، اثنين من المؤسسين الرئيسيين لحزب النهضة، عبد الفتاح مورو وراشد الغنوشي، كلاهما من خريجي جامعة الزيتونة، وهي أول جامعة إسلامية في العالم العربي. وقد تأسست في عام 737، واكتسبت سمعة لكونها استجابة لاحتياجات المجتمع المتغيرة. إن فهم هذا هو أمر مهم، فكما الأب الروحي عبد الفتاح مورو هو الشيخ حمد بن ميلاد، الزيتوني، بدلا من سيد قطب كما العديد قد يفترض بشكل خاطئ. وقد لعب بن ميلاد دورا رئيسيا في حركة التحرير الوطني في تونس. وقد انخرط بشكل كبير في النضال من أجل الدولة التونسية الحديثة ومؤيد لمؤسسات الدولة الذي شكل حجر أساسها. وهناك صورة مشهورة لميلاد مع مجموعة من العلماء من الزيتونة أمام مبنى البرلمان، يشارك في المشاورات التشريعية خلال نظام بورقيبة.

في السنوات الأولى للحركة، كانت الدوائر الدينية في حركة النهضة موجهة نحو تدريس الشيخ الطاهر بن عاشور والأحكام القانونية. رئيسا لجامعة الزيتونة ومتمسكا بمدرسة الفقه المالكي، بن عاشور كان أحد الآباء الحديثين لنهج أكثر عقلانية تجاه تفسير القرآن الكريم (التفسير) الذي شدد على أهمية مقاصد الشريعة، وبعبارة أخرى الأهداف أو الغايات بدلاً من وسائل الشريعة الإسلامية. والعدو اللدود للتقليديين، تم طرد بن عاشور من الجامعة في عام 1960.

وقد شارك العديد من قادة النهضة، مثل راشد الغنوشي نفسه أيضا في إعادة تأهيل الباحث المثير للجدل الطاهر الحداد ضد النكسة التقليدية لأفكاره. كتب حداد ضد الأجنحة العلمية الأكثر تحفظا للزيتونة في كتابه ‘المرأة في الشريعة والمجتمع’. كما شغل مناصب متقدمة سياسيا في النقابات العمالية والرعاية الاجتماعية. وهذه ليست سوى بعض من الشخصيات الذين صاغوا النهج التدريجي والعقلاني التونسي بوضوح تجاه النصوص المقدسة، وتوفير أرضية خصبة للحبيب بورقيبة للمضي قدما في تحديث قوانين الدولة، وخاصة فيما يتعلق بالقوانين الاجتماعية والشخصية.

وهدفي هنا ليس إنكار تأثير المفكرين الذين سافرت أفكارهم خارج حدودها، مثل أفكار حسن البنا، أو أفكار المحافل فوق الوطنية حيث تجتمع الأحزاب الإسلامية، تناقش وتبادل الأفكار، بل نلاحظ أن تأثير هذه العوامل ليست حاسمة كما قد يتصور المرء. وقيل، إن هذه العوامل بالتأكيد مهمة على المستوى الفكري، وقد كان عدد كبير من منشورات جماعة الإخوان المسلمين المصرية “غذاء الفكر” الرئيسي الفلسفي للحركة التونسية، التي نحتت في وقت لاحق إعادة تفسير أن الأدب في سياق بيئته الأيديولوجية المحلية الفريدة من نوعها.

وفي اعتقادي أن “غراند سوار” للحركات الإسلامية هو أكثر من ذلك بناء بعد خاص بدلا من أن يكون الهدف الحقيقي (والقابل للتحقيق) للفاعلين السياسيين الذين، في الواقع، أظهروا البراغماتية أكثر بكثير مما تنبأ في الأصل. وحتى يمكن للمرء أن يذهب إلى حد القول بأن الجيل المؤسس لحركة النهضة كان الأطفال غير الشرعيين لبورقيبة، بقدر ما أنه يؤيد فكرة النضال من أجل الاستقلال الوطني، وضرورة وجود النهضة الاجتماعية، وأهمية أدوات الحكم الحديثة.

وكما تلاحظ مونيكا ماركس في ورقة العمل التي أعدتها “حزب النهضة في تونس: إعادة التفكير الإسلامي في سياق تنظيم داعش والانقلاب المصري” أن أعضاء النهضة يعتبرون أنفسهم مختلفين عن جماعة الإخوان المسلمين على المستوى الفكري والسياسي على حد السواء. وعلى الرغم من هذا، وبعد ثورة عام 2011، لا يزال هناك ميل بين مجموعة من المحللين إلى اعتبار النهضة بأنها مجرد فرع تونسي لجماعة الإخوان المسلمين.

وقد أدى هذا إلى إساءة تفسير المسار الذي اتخذه الحزب منذ عام 2011. وعلاوة على ذلك، فإنه في حالة النهضة، أن تكون قادرة على تجربة أربع سنوات من الحكم السياسي الفعلي له تأثير أكبر على هويتها والخطاب السياسي من عقود من النشاط تحت الأرض.

النهج والهدف من الإدماج داخل الدولة هو تأمين وجود الحزب ليس فقط باعتباره كيانا قانونيا، “طبيعيا” ولكن أيضا كقوة سياسية شرعية قادرة على حد سواء تصميم السياسات العامة وتنفيذها. ولتغيير أشياء من خارج النظام، كان ضربا من الوهم أن معظم الأحزاب السياسية، إسلامية أو غير ذلك، لم يعودوا يصدقون. إن عملية الملكية طويلة وضرورية. أما بالنسبة لحزب النهضة، بدأت هذه العملية في عام 2011 مع إضفاء الشرعية على الحزب وتجربته الأولى في قيادة حكومة ائتلافية مع حزبين علمانيين.

العديد من الأحزاب السياسية الإسلامية (كما هو الحال في حالة حزب العدالة والتنمية المغربي) تقوم بإعداد مجموعة من الأنشطة والاستراتيجيات الجديدة، مما يدل على نوع من رؤية طويلة الأجل هذه التشكيلات السياسية التي ترغب في التطور، بعيدا عن ردود الأفعال المضادة التي لا يمكن التنبؤ بها لنظام الذي يمر بمرحلة انتقالية.

خلال منتدى بروكينغز للعالم الأمريكي الإسلامي الذي انعقد في الدوحة في جوان 2015، أتيحت لنا الفرصة للبحث والمناقشة مع ناشطين إسلاميين آخرين من الشباب من مختلف أنحاء الشرق الأوسط (مصر، المغرب، تركيا، المملكة العربية السعودية، الكويت، الأردن)، سواء في السلطة أو في المعارضة.

وقد تم إبراز الفروق الدقيقة المحلية للمواقف والخطط في كل بلد. وحتى لو كنا لا نبحث دائما عن أمثلة للمتابعة من خارج السياقات الوطنية الخاصة بنا، يمكن لنماذج أخرى أن تكون مفيدة كأمثلة مضادة، معالم لتجنب المزالق.

ولكن بعض هذه التجارب يمكن أن تلهم أيضا. على سبيل المثال، تراكمت لدى حركة النهضة، وحزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، وحزب العدالة والتنمية المغربي خبرة كبيرة في مجال التنمية الاقتصادية الناجحة التي تحركها الدولة.

أنا دائما أجد نفسي مندهشا عندما يعرب المحللون عن دهشتهم من براغماتية هذه الأحزاب. ويبدو أن هناك توقع ضمني بأن هذه الجماعات سوف تتصرف مثل جماعة الإخوان الدينية السرية والتي عفا عليها الزمن، حتى ذلك الحين هذا هو الغرض كله المعرب لهذه الجماعات للحكم والمشاركة في صياغة السياسات العامة. على سبيل المثال، عملية تزكية حركة النهضة (التى بموجبها “يشهد” أعضاء الحزب لمقدمي الطلبات المحتملين) قد تتحول أكثر أو أقل إلى مجرد توصية غير ملزمة. والعديد من نوع “إدارة” الاستراتيجيات الأخرى يتم تحديثها في الوقت الذي تشهد فيه عملية الفصل بين الحزب والحركة تقدما.

لقد حان الوقت للنظر بشكل أعمق في إضفاء الطابع المهني على الأحزاب السياسية في الشرق الأوسط، وخصوصا في البلدان الانتقالية مثل تونس. وداخل حركة النهضة، نعتبر أن المناقشات حول هوية الدولة، ومشروع المجتمع الوطني، والعلاقة بين الدين والسياسة (بما في ذلك مكان الشريعة في التسلسل الهرمي للقواعد) قد تم حلها خلال المسار الدستوري من 2011 إلى 2014. والدستور الناتج، هو واحد من بين الدساتير الذي يفتخر به التونسيين جدا، هو النص الذي من غير المرجح أن يتم تعديله بشكل كبير في أي وقت قريب، خاصة بعد أربع سنوات من النقاشات المشحونة والشاملة حول أحكام الوثيقة.

وفي الواقع، فإن الأحزاب السياسية التي كانت لا تزال تطالب بهذه الموضوعات التي يمكن أن تكون حاسمة في الانتخابات البرلمانية لعام 2014 قد هزمت بشدة. حتى حمة الهمامي، المرشح عن الحزب اليساري المتطرف، الجبهة الشعبية، وجد أنه من الضروري طمأنة الناخبين بأنه مسلم، وأنه يحب النبي محمد خلال مقابلة تلفزيونية من دون أن سئل عن ذلك حتى من بعد. ومن المثير للاهتمام، أن نداء تونس -حزب معروف بمعاداته للإسلام – اعتمد بشكل كبير على الخطاب الديني خلال الحملة الانتخابية التشريعية والرئاسية على الرغم من خاصيته “العلمانية”.

أتذكر واحدا من أعضائها الشباب، بعد ظهور سياسي في النقاش معنا في قناة ‘فرنسا 24’، وقال لي أن الصحفيين الفرنسيين يجب أن يتوقفوا عن وصفهم بأنهم “لائكيين” (دعم فصل الدين عن السياسة) لأنهم ليسوا ولا يريدون أن ينظر إليهم على هذا النحو من قبل التونسيين.

إن نضج الأحزاب مثل حزب النهضة يتضح أيضا من خلال أنواع الموضوعات التي تثيرها في النقاش العام. إنها لم تعد مسألة العلاقة بين الإسلام والدولة بعد الآن، أو تقليديا القضايا “الإسلامية”، وإنما هو التزام بإيجاد حلول للفساد، والتنمية الاقتصادية، والقضايا الاجتماعية، وحقوق الإنسان ..

ترجمة خاصة بموقع الشاهد

أخبار تونس اليوم



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.