مقالات مختارة

الجمعة,15 يوليو, 2016
براكاج لطيف ..

الشاهد_ توقّفت فجأة وأنا أسمع خطاه تتبعني في الطّريق الخالي وأمسكت بحقيبتي. كنت قد خرجت باكرا لقضاء بعض الشّؤون من محلّات قريبة لبيتي ووجدت المحلّ الأول مغلقا فقصدت البنك القريب عبر نهج هادئ لا يزال أهله يغطّّون في نومهم الصّيفيّ وكنت أنوي اختصار الطّريق. لكن حثيث سيره ورائي جعلني أرتاب فقبضت على حقيبتي حين ارتفع صوته الخشن قائلا: ماتخافش.. مانيش باش نبراكيك..

التفتّ إليه فوجدت شابا في مقتبل العمر عليه كلّ الملامح التي تؤكّد ريبتي: الوشم في زنده، المريول خلعة ( الدّارجة تعبر خير ههه) النّظرة الجاحظة من السّهر وأشياء أخرى لا يعلمها سوى اللّه.. خفق قلبي لكني قلت له: مانيش خايفة. ثمّ أضفت لتوقّي شرّه : لقد تعرّضت لبراكاج سابقا وافتكّت مني حقيبتي وصار الأمر انعكاسا شرطيّا لا غير.. أنا لا أتّهمك. وأضفت مازحة لتلطيف الجوّ وقد تتالت دقّات قلبي: وقد نصحوني إثرها أن أملأ الحقيبة ب ” الكاكي ” .

لكنّه لم يبتسم بل سارع في خطوه ليصير محايثا لي ثمّ قال: هل تعلمين؟ أنا راني نبراكي عادة.. هذي خدمتي.. أما مانبراكيش مرا.. الراجل يبراكي راجل.. قلت له وأنا أبلع ريقي: شكرا ونعم الرجولة! وخمّنت: لقد صار الأمر جدّا وظننته هزلا.. وها قد انفرد بي في النّهج الطّويل الخالي. وصار دماغي يشتغل بسرعة: إذا طلب الحقيبة سأفاوضه.. أعطيه المال وهو قليل ويترك لي أوراقي..

يا الهي! سأبكي لو أخذ بطاقات هويتي .. سأصير بلا هويّة.. لكنّه أضاف: في إحدى المرّات اعترضتني فتاة جميلة في مكان كهذا وكان بإمكاني أن أفتكّ منها بسهولة ما أريد لكن لم أفعل.. ويا للخزي لصديقي الذي شرم أذن امرأة وهو يجذب قرطها الذّهبي بقوّة! قلت له وأنا أتلمّس أذني هلعا: يعطيك الصحّة.. راجل والله راجل! فأضاف بصوت عال ولهجة صعلوك وهو يلوّح بيديه: الراجل يبراكي راجل ويلزم يكون راجل من البرجوازيّة.. ياإلهي هذا الشاب يتكلّم بلغة البرجوازيّة. ما مستواه التّعليمي؟ هل قرأ رأس المال لماركس؟ والصّراع الطّبقي؟ ولكنّه سبقني فسألني عن عملي فقلت له: أستاذة.. أستاذة فقط!.. وحمدت الله في سرّي أني لست مديرة بنك أو امرأة أعمال أو صاحبة مصاغة. يا لنعمة الفقر .. وتنبّهت إلى أني مربية فقلت له: لكن لم تفعل هذا؟ .

فأجابني: توة الواحد يشتهي سروال شنوّة يعمل وهو ما عندو حتى فرنك؟ .. قلت له وقد صرنا نسير معا في الطّريق ونتحادث كصديقين : تعمل.. لم لا تعمل؟ أجابني ببعض الحدّة: وين تشوف فيها الخدمة مدام؟ حبست أنفاسي دقيقة. يجب أن أكون حذرة.

هذا شاب يغضب بسرعة وتقوده الحمية والانفعال ويمكن أن ينقلب ضدّي. قلت له وأنا أختبر قدرتي البيداغوجيّة: من أيّ مكان أنت؟ فأشار بيده وقال: من حيّ بعيد هناك ( وذكر اسم الحيّ ) قلت له: تعرف؟ لديّ تلاميذ من هناك يدرسون شتاء ويعملون صيفا لجمع مصاريف العودة المدرسيّة. هل تعرف ماذا يعملون؟ إنّهم في الحضائر رغم هذا الحرّ الذّي يثقب الرّأس وقد بذلت معهم أقصى جهدي أنا وزملاء آخرين كي ينجحوا في دراستهم. ثمّ أضفت بلهجة حازمة ( لا أدري من أين داهمتني الشّجاعة ): اعمل وسيبارك لك اللّه. فقال: إلي ينجّم صحّة ليه.. أنا أغلب أولاد حومتي يوفرون ما يحتاجون إليه بالبراكاجات.. مجموعات تنتقي جيّدا ضحاياها وتستعمل الأسلحة البيضاء.

قلت له وأنا أبلع ريقي مرّة أخرى: هل أنت مسلّح؟ أجاب: طبعا. قلت في سرّي: مسلّح في مواجهة عزلاء بين أرض وسماء وليس لي سوى اللّه. وخمّنت مرة أخرى: المهم أن أحافظ على الأوراق.

ولكن كنّا قد دخلنا الشّارع الرئيسي حيث البنك الذّي تسبقه مقهى وكان ينوي أن يدلف إليها فاطمأنّ فؤادي وعلمت أني قد نجوت فقلت له بثقة: فكّر كما قلت لك في العمل. أجابني: وأنت.. إن أزعجك أيّا كان قولي له إنّك تعرفين اسكندر( أو هكذا خيّل إلي اسمه ) .. لن يقربك أحد. قلت له: اسمك هكذا؟ قال لي: لا هذا اسم الشهرة. وقال: أنا فلان قلت له: شكرا.. شكرا.. يعيش ولدي. وأسرعت إلى البنك. دخلت إليه ووقفت في الصفّ وأنا أكاد أقول لهم: افسحوا الطّريق فأنا من أتباع اسكندر وحين عدت كان ابني أوّل من رويت له الحكاية وقلت له مازحة: إن عصيتني سأستنجد باسكندر . أمّا أختي التي تقيم بجانبي فما إن سمعت الحكاية حتّى ولولت: كيف ولم وأين ومتى؟ وألم أقل لك لا تخرجي وحدك في الصباح وفي القيلولة وفي المساء؟ وألّا تدخلي الأنهج الخالية وألّا تحملي حقيبتك؟ ألم تسمعي ما جرى لفلان وفلتان وعلّان ..

ترشّفت قهوتي وأفكّر في اسكندر الذّي ذكّرني بالشّنفرى وتأبّط شرّا.. وكنت أبحث عن الخطأ في القصيدة.. وأفكّر في اسكندر الصّعلوك الصّغير بطلا لنصّ في عالم اللصوص الكبار..

ليلى حاج عمر