الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

الجمعة,10 يونيو, 2016
ايران والعرب ، أربع اقليات وأغلبة ..

الشاهد _ لعبت العديد من العناصر في إنهاك ثورات الربيع العربي وطحن البعض الآخر ، والتقت أجندات متباينة إلى حد العظم على وأد هذه الثورات وتقاطعت مصالح ربما لم يسبق لها أن تقاطعت أبدا ، روسيا امريكا ايران الامارات ، دول يجمع بينها التنافر و متباينة في جميع الخصائص ، لديها من التوترات ما تعجز مداد من الدبلوماسيات وحيز من العقود عن حله ، لكنها التقت رغم كل ذلك وتعاونت ورفعت من مستوى تنسيقها إلى درجات أذهلت المختصين وأحدثت في مفهوم العلوم السياسية. فالعداء والمنافسة بين موسكو و واشنطن لم يمنع من إقترابهما إلى حد الإلتحام في سوريا والعمل سويا على الأرض في شكل تنسيق وتفويض وتبادل أدوار . وبينما تحتل طهران جزر أبو ظبي تلتقي إيران مع الإمارات في وأد الثورات كما التقت القوة الفارسية المتعاضمة مع أمريكا ليشكلا علاقة متميزة نحتها الثنائي بأعجوبة وانتزعها من بين أكوام من المشاكل وعقود من التوتر ! إنها الثورات العربية تلك هي كلمة السر التي لمت شمل دولة الكووباوي على دولة الفرس على إمارة النفظ على دولة القياصرة . الكل لديه أجندته ودوافعه ، والكل يحسب ويطرح ويجمع ويمضي في لعق الدم العربي ويقضم الارض العربية ويلجم الطموح العربي ويبطل احلام الشعوب العربية بمساعدة بعض العرب ، بعضهم بدافع الغباء وأكثرهم بدافع الخيانة التي ورثوها وتعاطوها كما يتعاطون المنكر من الشم إلى الفم .

تبدو الإمارة النفطية عابرة في مشهد الرداءة ولا تملك مقومات البقاء وأغلب الظن أن أطنان الإسمنت والحديد التي كومتها في الصحراء ستذهب إلى ورثتها الذين لا نعلم يقينا من أي جهة وبأي خلفية وعلى أي فكر ، لكن و في كل الحالات القائم أفضل لأن السوء بلغ منتهاها مع “المكاتمة والمناهية” ، أما روسيا وامريكا فهما بعض عناوين المصالح المتنقلة ، وإن طال إقتتالهم وإقتسامهم لـــثروات الأرض العربية فالإنصراف حتميا مع تطور الطاقة البديلة وانتهاء عصر النفط أو انحصاره بشكل كبير . تبقى إيران الوحيدة المشدودة إلى المنطقة جغرافيا ومذهبيا وعرقيا إضافة إلى جملة من المصالح الأخرى التي تجعلها أزلية البقاء وتُغضع التعامل معها لخيارات محدودة إما الإستسلام لسلطانها أو دحرها او إفراغها من شحنتها المذهبية القاتلة وهو ما يبدو مستحيلا في المنظور القريب . ما يؤكد أن المرحلة القادمة ستلعب فيها إيران داخل وحول الوطن العربي أدوار لعبتها بريطانيا وفرنسا وايطاليا وامريكا سابقا ، باعتمادها على قوة عسكرية واقتصادية لا يستهان بها مع تعويلها في حربها على ثورات الربيع العربي على أربع أقليات وأغلبية ، أقلية حاكمة وأقلية نافذة وأقلية نشطة وأقلية خاملة .

*الأقلية الحاكمة

لا شك أنها الأقلية العلوية التي هيمنت على الحكم وصنعت مراكز نفوذها بعناية وشكلت في سوريا حالة حكم وحالة مال وحالة نفوذ ، متنت هيمنها على السلاح ومقرات الحكم بصناعة بؤر مالية قوية ومتشعبة يمكنها تمسيك سلطان العائلة العلوية وتدثير حكمها وتأمينه من الهزاب . تطورت سطوة الأقلية العلوية على سوريا بسرعة كبيرة قياسا لبقية الأقليات وأسهم تحالفها مع الحماية أو الإستعمار الفرنسي ضد الملك فيصل الحاكم العربي لسوريا في دفع فرنسا إلى اعتمادها كورقة تساهم في إستقرار سلطانها على سوريا ، وبفضل هذا التعاون مكنت فرنسا العلويين من اول دولة خاصة بهم في اللاذقية سنة 1922 ، ساعدتهم تجربة اللاذقية كثيرا في بناء حالة حكم أخرى بعد أن تمكنوا من الجيش وتدفقوا بقوة على حزب البعث ليتمكنوا من إحكام قبضتهم على محوري الحكم والسلاح ، ولما وقع حزب البعث العربي والجيش العربي السوري تحت قبضة العلويين انتهت قصة الحكم في سوريا وانصرفت بقية القوى إما إلى السجون أو للإسترزاق والإنقطاع عن السياسة وما حولها ومن حولها .

*الأقلية النافذة

يعتبر حزب الله في لبنان أكبر أقلية شيعية نافذة ويعتمد في نفوذه بشكل واسع على قوته المسلحة ، وأيضا على بنية إقتصادية مرنة وقوية شيدتها إيران على مدى 3 عقود ، كما يعتمد الحزب على إسمه الذي احتكر عبارة المقاومة في لبنان بعد أن وقف في وجه الإحتلال الإسرائيلي وأسهم بقوة في إنسحاب الكيان الصهيوني إلى حدود مزارع شبعا ، ويلقب حزب الله في العديد من الدوئر الغربية بفيلق إيران في لبنان ، حتى أن مراكز الدراسات “الإسرائيلية” تتعامل مع حزب الله كعينة من الجيش الإيراني وتخضعه للدراسة على هذا الشرط ، بما أن العتاد والهندسة القتالية وتركيبة الحزب كلها إيرانية الصنع والتشكّل ، ولا دخل للبنان ولا أي من الدول الأخرى بالأمر بل لا دخل لسوريا التي لا تعلم شفرة الحزب وتضع لها إيران أدوار محدودة في التعامل معه ، وقد أُطلق على الدول السورية “الجسر الاصم” المكلف فقط بلعب دور الوسيط بين الأم الإيرانية والإبن المدلل في الضاحية الجنوبية .

*الاقلية النشطة

الحوثيون هم بلا منازع أحد أكبر الأقليات النشطة والناشئة التي تراهن عليها إيران في عملية التوسع المذهبي وصولا إلى تحقيق حلم “الأمة” الشيعية ما يسهّل وفق رأيهم خروج المهدي المنتظر ، وقد ربط البعض رجال الدين خروج المهدي بنجاح المشروع النووي وإزالة إسرائيل وأكدوا أن إسرائيل لن تزول إلا إذا أحاط بها أهل البيت واقتلعوها من منبتها ، ما يعني حتمية وصولهم إلى المحيط العربي ليتحقق الزوال وبموجبه يتحقق الخروج .

ضخت إيران مقدرات كبيرة لتجعل من صعدة واحدة من المناطق المستقلة عن اليمن يمكنها العيش دون مساعدة الدولة المركزية ، وضاعفت مجهوداتها بعد ثورات الربيع العربي حيث تمكنت من بناء قوة عسكرية حديثة من قبائل كانت إلى وقت قريب تستعمل الأسلحة بشكل عشوائي ، قبائل تحولت سريعا إلى فيالق منظمة تمكنت من إجتياح العاصمة اليمنية بمساعدة القواة الموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح .وبينما تصر الحركة الحوثية على أنها متمسكة بالمذهب الزيدي تؤكد مصادر في قم أن التحول الكبير الذي طرأ على علاقة إيران بالجماعة ناتج عن تحول جميع قياداتها العسكرية والروحية إلى المذهب الإثني عشري و ما كان لرجال الدين والمرشد نفسه أن يلقي بإحمال إيران في اليمن لولم يحدث ذلك .

*الأقلية الخاملة

أكثر الأقليات المدعومة من إيران خمولا “نتيجة حظر النشاط السياسي” هي الأقلية الشيعية في المملكة العربية السعودية ، والتي تشكل ما يناهز %15 من مجمل سكان المملكة البالغ 32 مليون ” ثلثهم أجانب”، حاولت إيران العمل على تحقيق إمتيازات للأقلية هناك عن طريق التنظم لكن لم يسعفها القانون الذي يمنع تعدد الاحزاب ويلجم الحياة السياسية ويعتبر التعددية تهديدا لوحدة البلاد وتجانسها ، لذلك لم تراهن ايران كثيرا على إحداث اختراق كبير على الجبهة السعودية في الوقت الراهن ويعتبر الكثير من كتابها الذين أوغلوا في المذهبية ، الجهة الشرقية بمركزية ورمزية القطيف بوابة الشيعة التي ستقودهم نحو الحرمين ، لكنهم يراهنون على ذلك في المنظور المتوسط ويحاولن اليوم الاحتفاظ بالخصائص المذهبية للمنطقة التي تحتوي على أكبر مخوزن نفطي في العالم .

*الأغلبية الشيعية

حتى مع تباين الإحصائيات التي اعتبرت فيها دوائر أن الشيعة يشكلون 75% من سكان المملكة واعتبرت دوائر أخرى أن النسبة لا تتجاوز 60% حتى مع هذا التباين يبقى غالبية سكان البحرين من الشيعة ، لذلك تعتبر السلطة هناك أي إنفتاح سياسي جدي تهديدا لتواجدها ، ولأن الشيعة فشلوا في قيادة ثورة شعبية بعيدة عن المذهبية فقد ألبوا عليهم المحيط العربي ، حين اعتمدوا خلال الإنتفاضة التي أعقبت ثورات الربيع العربي شعارات مذهبية ورفضوا التنسيق مع بقية المكون البحريني أو أصروا على فرض خياراتهم ومعاملة الشركاء كأتباع ، وما كان لغير الشيعي أن يهتف في شوراع المنامة بشعارات مذهبية .

في البحرين معادلة مقلوبة على خلاف بقية دول الربيع العربية ، هناك تصر إيران أن لا بديل عن الديمقراطية والخيار الوحيد لحل الإضطرابات في المملكة هو الاعتماد على ثقافة الصناديق ، بينما تخشى السلطة من أي محاولة لحلحلة الأمر سياسيا وتعتبر أي إنفتاح في هذا الإتجاه بمثابة القنبلة الموقوتة ، لتظل الديمقراطية تتأرجح بين سلطة مرعوبة تخشى على عرشها وبين قوة فارسية شيعية لا ترى الثوة ولا تحدق في الديمقراطية إلا بأعين بحرينية ، فالديمقراطية جميلة حيث الأغلبية الشيعية ومنبوذة حيث الأقلية، وفق طهران جنة البحرين تحت إقدام الديمقراطية وجنة سوريا تحت أقدام القائد والعائلة .. أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس .

نصرالدين السويلمي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.