مقالات رأي

الخميس,13 أغسطس, 2015
13 اوت حلقة من حلقات التزييف البورقيبي للتاريخ

الشاهد_لأكثر من نصف قرن، مثل تاريخ 13أوت تاريخا رمزيا بالنسبة للمرأة التونسية، التي تدين ل”أب الحداثة” ومحرر المرأة” “الحبيب بورقيبة” بخروجها من غياهب التحجر والانغلاق، وانعتاقها من قيود شيوخ التحجر و الجهل، الذين حكموا عليها بوضع العبودية. ذلك كان بعض محتوى ما تتناقله وسائل الاعلام وخطب المنابر في كل 13أوت من كل سنة، احتفالا بذكرى صدور “مجلة الاحوال الشخصية” الذي يعود الى يوم 13أوت 1956، أي بعد 5خمسة أشهر فقط من حصول البلاد على استقلالها، ويعتبر صدور هذه المجلة اول انجاز لدولة الاستقلال حتى قبل انجاز الدستور.

في مثل هذا اليوم من سنة 1956، كان اذا صدور “مجلة الأحوال الشخصية”، والتي هي عبارة عن مجموعة من القوانين المنظمة للأسرة التونسية، والتي اعتبرت مكسبا من مكاسب المرأة في تونس. واذا كانت “مجلة الاحوال الشخصية” تحمل تصورا جديدا لوضع المرأة مخالف لما هو سائد ومغاير لما قبله، من أفكار الفقهاء والمفكرين، فكيف لهذه المجلة أن يكون لها هذا القبول وهذا الصدى وهذا التفاعل مع ما حملته، اذا ما لم تكن هناك بذور لما تحويه في الفكر التونسي حينها؟ كيف لأفكار وقوانين ثورية تجديدية ان تتغلغل بمثل هذه السرعة اذا ما لم تكن لها جذور وهو ما يحملنا على البحث في الجذور التاريخية لمجلة الاحوال الشخصية التونسية لنصل الى احدى النتيجتين، هل كانت مجلة الاحوال الشخصية التي صدرت ذات 13أوت 1956، انجازا وابداعا بورقيبيا بحتا؟ أم أنها كانت جمعا لما أقره شيوخ ومفكري النهضة العربية في كل من مصر وتونس خلال القرن التاسع والنصف الأول من القرن العشرين؟

ما يلفت انتباه دارس المسألة، هو اختزال الجذور التاريخية لمجلة الاحوال الشخصية في شخص أول رئيس للبلاد التونسية بعد الاستقلال، “الحبيب بورقيبة”، الذي كان، حسب هذه المصادر، طرفا في معركة السفور والحجاب في تونس في فترة الثلاثينات، ثم تطور موقف هذا الشخص، وكانت “مجلة الاحوال الشخصية” المنبر الحاضن والعاكس لهذا التطور، الذي تجاوز شخص بورقيبة ليعم على الشعب التونسي. لقد كانت “مجلة الاحوال الشخصية” بهذا المعنى هبة بورقيبية لشعب كان يعيش في غياهب الجهل، ولامرأة طالما رزحت تحت ثقل العادات والتقاليد المكبلة لحريتها وابداعها وانخراطها الفاعل والواعي في المجتمع. تلك كانت الصورة التي سُوقت بها مجلة 13أوت 1956، وكذلك تم التسويق “لبورقيبة” “محرر المرأة”.

وما يجب الوقوف عنده هو ان مضمون “مجلة الاحوال الشخصية” أعمق بكثير من أن يُختزل في موقف وفكر ورؤية شخص، مهما كانت قيمته العلمية والفكرية. فنص قانوني بمثل أهمية “مجلة الاحوال الشخصية” وما كان لها من تأثير حاسم في تطوير وضع المرأة والتحكم في مصيرها وفي مصير الاسرة والمجتمع، وبالتالي صياغة أسرة ومجتمع بأكمله، لايمكن ان يكون نتاجا لفكر أحادي، لزعيم ملهم، كما سوقت لذلك جوقة التطبيل البورقيبي، لأكثر من نصف قرن. ان ما يجب التأكيد عليه هو ان ذلك النص القانوني كان وليد تراكم ممتد في الزمان تعود جذوره لأكثر من قرنين من الزمان، تراكم لوقائع اجتماعية سياسية متعلقة بالمرأة والأسرة وبصفة خاصة لمواقف فكرية حاسمة في هذا الأمر، وما صاحب ذلك من صراعات، بين مجدد ورافض، بين حداثي ومحافظ، لتكون هذه المجلة، تتويجا لكل هذا الزخم الفكري والفقهي الذي تراكم لقرون.

لقد ابرزت الساحة الفكرية في تونس ومنذ القرن التاسع عشر وتحديدا في ما يتعلق بالنظرة الى المرأة وموقعها في الأسرة والمجتمع، موقفين متعارضين كان لتلاقيهما وتصارعهما صداه في “مجلة الاحوال الشخصية”، حيث برز تياران، تيار تقليدي محافظ موغل في الماضوية، وتيار مجدد حداثي مندفع قدما نحو التجديد والابداع.

الاتجاه الأول: الاتجاه المحافظ
يمثل هذا التيار مجموعة من المفكرين ومشائخ الزيتونة لعل ابرزهم المؤرخ “أحمد بن أبي الضياف” الذي جمع في رسالته عن المرأة مختلف الاحكام الفقهية السائدة خلال عصور الانحطاط.
الى جانب موقف المؤرخ “ابن ابي الضياف” نجد ضمن هذا الشق الفقيه “محمد السنوسي” الذي لم يستطع في رسالته عن المرأة التحرر من النظرة الفقهية التقليدية للمرأة.
يمثل هذا التيار كذلك الشيخ الزيتوني “محمد الطاهر بن عاشور” الذي برز موقفه في كتابيه “مقاصد الشريعة الاسلامية” و”أصول النظام الاجتماعي في الاسلام” بالاضلافة الى مواقفه المعادية لاجتهادات الطاهر الحداد في كتابه “امراتنا في الشريعة والمجتمع”.

الاتجاه الثاني: اتجاه حداثي تنويري
يتزعم هذا التيار الشيخان الزيتونيان “الشيخ عبد العزيز الثعالبي” و”الشيخ “الطاهر الحداد”، لكن ما يجب التأكيد عليه ونحن بصدد الحديث عن زعماء هذا التيار الحداثي ان الماكينة الاعلامية لبورقيبة عملت بكل قواها على طمس ملامح هذا الشق، بل وتشويه من يمثله .لقد غيبت كتب التاريخ بصفة ممنهجة وفي اطار حملات منظمة، هدفها تضخيم وتلميع المشروع البورقيبي، الأفكار التنويرية لعلماء ومشائخ الزيتونة في مجال الأحوال الشخصية، حتى خلنا أن الزيتونة لا تنتج سوى الافكار الرجعية المنغلقة. ولئن اتخذ بعض علماء الزيتونة في خصوص حرية المرأة وخروجها للتعليم موقفا محافظا موغلا في الماضوية، مثلما بيننا سابقا، الا أن اللافت للانتباه هو هيمنة التيار التجديدي الحداثي الذي تزعمه الشيخين “عبد العزيز الثعالبي” و”الطاهر الحداد الذين كانت لهما مواقف جريئة في مسألة تعليم المرأة ودورها في المجتمع، في مجتمع تقليدي محافظ كالمجتمع التونسي في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين. لقد أعلن الثعالبي في كتابه “روح التحرر في القرآن” متناولا مسألة نقاب المرأة المسلمة ” من الخطأ أن تستر المرأة المسلمة وجهها وأن تنزوي في عقر دارها وتبقى منعزلة تماما عن الحياة والحضارة” وبالتالي فالثعالبي يعتبر أن خروج المرأة سواء للتعلم او للعمل والمشاركة في الحياة الاجتماعية وحتى السياسية أمر ضروري تفرضه ضرورات الحياة والحضارة . وبخصوص تعليم المرأة فقد كان موقفه واضحا، حيث ربط الثعالبي بين التعليم والتحرر والتمتع بالحقوق الذي هو جوهر التحرر حيث يقول “لو كان التعليم الاجباري واقعا مكتسبا لتمتعت المرأة بكامل حقوقها…” اذا فشرط تمتع المرأة بكامل حقوقها هي تعلمها وفي ذلك دعوة صريحة لضرورة تعليم المرأة حتى تتمتع بكامل حقوقها على قدم المساواة مع الرجل. هكذا يبرز لنا الشيخ الزيتوني الثقافة والمنشأ، شيخ حداثي الفكر والمنهج، على خلاف ما يخيل لدارس تاريخ تونس الرسمي الذي أطنب في الحديث عن الخلاف بين بورقيبة المجدد وشيوخ التقليد والماضوية، خلاف في مظهره سياسي ولكن في باطنه ثقافي، خلاف بين مدرستين، مدرسة حداثية تنويرية تنهل من التراث الاسلامي والفكر الاصلاحي التجديدي لمفكري القرن التاسع عشر أمثال الشيخ “محمد عبدة” والمصلح التونسي “خير الدين” ومدرسة حداثية تغريبية شوهت الحداثة بمفهوميها الغربي والعربي الاسلامي تزعمها بورقيبة. بالاضافة الى المواقف التقدمية للشيخ الثعالبي فقد عرفت البلاد التونسية في ثلاثينات القرن العشرين مفكرا ومحدثا جريئا وهو الشيخ “الطاهر الحداد”، الذي تناول بعمق قضية حرية المرأة في كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” وركز خاصة على مسالة المساواة بين المراة والرجل في جميع مجالات الحياة، بما في ذلك الإرث، حيث يعتبر ان “الاسلام لم يقرر نزول ميراث المرأة عن الرجل كأصل من أصوله التي لا يتخطاها” كما نفى الحداد أن يكون تعدد الزوجات أصل في الاسلام واعتبره “سيئة من سيئات الجاهلية” وأبرز ان الموقف الذي اتخذه الاسلام من التعدد ليس للترغيب فيه بل للتبغيض منه. اضافة الى هذه المواقف الجريئة، فقد قنن الحداد مسألة الطلاق، ورأى ضرورة اخضاعه لسلطة القضاء عوضا عن أهواء الزوج. من خلال هذه المواقف التنويرية لشيوخ الزيتونة يبرز لنا بورقيبة كمتبع وليس مبدع، مقلد وغير مجدد، على خلاف ما روجت له أبواق بورقيبة كل 13اوت من كل سنة .

ان ما اعتبر انجازا تاريخيا لبورقيبة والمتمثل في “مجلة الاحوال الشخصية” يلحظ وبصورة جلية أن المجلة لم تخرج عن كونها اقرار لأفكار ومواقف كانت تروج في الساحة الفكرية التونسية قبيل الاستقلال، بل ان المجلة وفي عدة محاور وأهمها محور المساواة في الارث بين المرأة والرجل، تعتبر ردة الى الوراء مقارنة بما طرحه التيار الحداثي في تونس، متمثلا في مشائخ الزيتونة وأهمهم الشيخين “عبد العزيز الثعالبي” والشيخ “الطاهر الحداد.

هكذا اذا يتضح لنا أن “انجازات بورقيبة الحداثية” المتمثلة في “مجلة الاحوال الشخصية” ، لم تكن في الحقيقة سوى انعكاس لأفكار معاصريه من المفكرين والمناضلين الوطنيين. ولم تكن اضافة بورقيبة سوى تشويه أصحابها الأصليين ومحو آثارهم من كتب التاريخ عمدا، في محاولة يائسة للتأسيس لفكرة ان التونسيين كانوا بلا تاريخ قبله. هذا هو اذا “المشروع البورقيبي” الحق، مشروع استئصالي، يؤسس للزعيم الأوحد وينبذ التعدد والاختلاف ولكن اذا كان التاريخ بالمفهوم البورقيبي هو تاريخ “الأب الروحي” وتاريخ “حبيب الأمة” و”المجاهد الأكبر” فان تاريخ تونس بعد 17ديسمبر 2010 هو تاريخ شعب كتب ويكتب انجازاته بالدماء.

بقلم: لطيفة شعبان، بنزرت



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.