حواء

الجمعة,19 فبراير, 2016
انتبهي لصحّة أبنائك.. هكذا حوّلت أم تونسية الفيسبوك من نقمة إلى نعمة على أطفالها..

الشاهد_تحاول السيدة مريم أم لثلاثة أطفال ( محمد 13 سنة مهند 9 وسارة 6 سنوات ) أن تراقب نشاط أبنائها عبر الشبكات الاجتماعية، وتحديداً فيسبوك، وهي التي أنشأت لابنها البكر محمد حساباً شخصياً سنة 2013 على الموقع بعد إلحاح منه، قبل أن تتفاجأ بعد مدة بتمكنه من اختراق الحساب بمعية أحد أصدقائه الذي يكبره سناً وتغيير كلمة السر من دون علمها ثم الإبحار فيه بكل حرية بعد أن نجح في الإفلات من عين والدته التي كانت تراقبه.

 

وفي هذا الصدد تقول مريم  أنها تعلمت من خلال التجربة التي مر بها ابنها درساً لن تنساه قط، “فمحمد الذي كان نشطاً وحيوياً ومرحاً وعودنا أنا ووالده كل صباح على إلقاء التحية والسلام لم يعد ابني الذي أعرفه والذي ربيته؛ سلوكه صار يميل للعزلة أكثر، وتنامى لديه طابع العنف ونزعة الكراهية كلما طلبت منه أن يترك من يديه فأرة الحاسوب والالتفات قليلاً لدروسه أو حتى عند دعوته للطعام معنا على ذات الطاولة”.

 

 

ما الحل؟

 

مريم تقول أنها عانت الأمرين بسبب إدمان ابنها على فيسبوك وإبحاره لأشهر دون رقيب، حيث تراجعت علاماته في المدرسة، وقل تركيزه في الفروض المنزلية التي كانت تكلفه بها المعلمة، كما فقد كلياً الشهية للأكل حتى اللحظة التي استشارت فيها أحد أقاربها، وهو مهندس في علوم التكنولوجيات الحديثة والثغرات، الذي نصحها بتمكين ابنها من دخول حسابه عبر فيسبوك من خلال هاتفها الشخصي وتتمكن بعد ذلك من تسجيل كلمة السر الخاصة به من دون علمه ومن ثمة مراقبة نشاطه وشبكة علاقاته الاجتماعية الافتراضية.

 

وعبرت الأم عن حجم صدمتها من كم الرسائل التي وصلت لابنها على “الإنبوكس” وأغلبها من أشخاص يحملون أسماء وحسابات وهمية يقومون بإرسال روابط وصوراً تحرض على الكراهية بين الأديان أو صوراً لنساء عاريات أو فيديوهات صادمة لجماعات إرهابية، فما كان منها إلا أن قامت بحظر هذه الصفحات وإلغاء عشرات من الأصدقاء الوهميين لابنها.

 

وتشدد مريم في ذات السياق أنها إلى حين هذه اللحظة تقوم بشكل شبه أسبوعي بدخول حساب ابنها، لكن هذه المرة بعلمه، وبعد أن جلست معه طويلاً لتفسر له مخاطر استعمال فيسبوك وتحذره من قبول طلبات صداقة لأشخاص وهميين أو دخول صفحات مشكوك في أمرها.

 

ولا تخفي أم محمد سعادتها الآن بعد أن تمكنت ولو نسبياً من فك عزلة ابنها وامتصاص سلوكه العنيف بعد جلسات نقاش طويلة معه وتوعيته بمخاطر الشبكات الاجتماعية، وإمكانية أن يقع فريسة سهلة لأشخاص وهميين، بل إن الأم أنشأت بدافع حماية ابنها من مخاطر الفضاء الافتراضي حساباً لها عبر فيسبوك وصارت هي ذاتها صديقة لمحمد عبر الموقع، حيث أصبحا يتشاركان في تنزيل الفيديوهات أو صور الرسوم المتحركة ويتبادلان النقاش مع أصدقائه عليه.

 

وتشدد مريم على ضرورة مراقبة الأمهات والوالدين بشكل عام لنشاط أبنائهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي يصعب تماماً التحكم في محتواها وتقول أن أهم شيء هو الحوار معهم ومشاركتهم هواياتهم وأقرب الأنشطة لقلوبهم حتى يطمئن بال الأسرة ويحمى الطفل من أي سلوك شاذ.

 

 

جرائم إلكترونية في حق الأطفال

 

ويحذر الباحث في علم الاجتماع التربوي طارق بلحاج محمد من مخاطر إبحار الأطفال في الفضاء الافتراضي دون مراقبة الأهل، “مما يجعلهم فرائس سهلة للجرائم الإلكترونية بالنظر لهشاشة بنيتهم النفسية والجسدية”.

 

ويضيف قائلا: “تمثل الشبكات الاجتماعية مصيدة مثالية للإيقاع بالأطفال واستدراجهم بأي وسيلة، وذلك من خلال استخدام الوسائل والبرامج المتوافرة في أجهزتهم على الشبكة مثل برامج الدردشة الصوتية والفيديو وسكايب وواتس آب وفايبر، وفي مقدمتها فيسبوك الأكثر شيوعاً في تونس وهي مواقع وخدمات يقبل عليها الأطفال من باب التسلية وإشباع الفضول ثم تتحول فيما بعد إلى الرغبة في الممارسة والاكتشاف”.

 

ويذهب بلحاج إلى ضرورة رفع أقصى درجات التأهب والحيطة سواء من قبل الأسرة أو الهياكل التربوية الرسمية المعنية بحماية الطفولة من خطر “الإرهاب الإلكتروني”، كما يصف، والذي من شأنه أن “يعبث بأمن وصحة الأطفال على الصعيد النفسي والجسدي والأخلاقي من خلال المواد التي يروج لها عبر الشبكات الاجتماعية”.

 

 

الأمن النفسي للأطفال

 

ويدعو بلحاج إلى ضرورة الوقاية من مخلفات الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي لدى الأطفال، والتي تصل لحد الإدمان وما تجره من أذى نفسي وفكري “عبر التطبيع مع ثقافة مدمرة وشاذة ليس فيها أي احترام لعالم الطفولة وحرمتها وتؤدي حتماً إلى عقد نفسية قد تستمر مع الطفل مدى الحياة”.

 

ويحذر من “بعض الصفحات المشبوهة عبر فيسبوك والتي تحض على الكراهية والقتل ونشر ثقافة الموت وتهدد فعلياً الأمن النفسي والثقافي لجيل برمته”، وما يزيد في خطورة هذه الجرائم حسب قوله “صعوبة تتبعها خصوصاً وأن هناك العديد من المشكلات والصعوبات العملية والإجرائية التي تظهر عند ارتكاب إحدى جرائم الإنترنت “.

 

ويخلُص بلحاج إلى أن الإنترنت والشبكات الاجتماعية في عصرنا الحالي “صارت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نمنعها على أطفالنا، لكن يكمن الحل في توجيههم ومراقبتهم ومشاركتهم ما يحبون حتى تكون هذه الوسائل نعمة لا نقمة لهم.

 

 

حملة تحسيسية موجهة للأطفال

 

من جانبها أطلقت الوكالة التونسية للسلامة المعلوماتية) مؤسسة حكومية (حملة تحسيسية مطلع السنة الدراسية الحالية حملت شعار: “على الواب (الويب) اليقظة لها أسباب” دعت خلالها الأولياء وأفراد المجتمع المدني إلى ضرورة الانتباه للمخاطر التي يُؤدي لها الاستعمال غير المراقب للشبكات الاجتماعية ومواقع الإنترنت من قبل الأطفال.

 

ووضعت الوكالة في خدمة الأولياء والأطفال على حد السواء وسائل تواصل للإبلاغ عن الطوارئ المعلوماتية أو جرائم الإنترنت، فضلاً عن رقم أخضر مجاني.

 

هافينغستون بوست عربي