الرئيسية الأولى

الثلاثاء,17 مايو, 2016
“النهضة” وصخرة الاقتصاد

الشاهد _ من البديهيات أن يكون لكل حزب برنامجه السياسي الذي يعرضه على مواطنيه، لإقناعهم بأنه الأولى بقيادتهم. وهذا ما قامت به حركة النهضة في تونس، هذه الأيام، عندما دعت اقتصاديين ورجال أعمال لتقديم ما توصلت إليه من تشخيص للحالة الاقتصادية، وما تقترحه من توجهات وحلول. ولوضع هذا الحدث في سياقه، يجب التوقف عند النقاط التالية:

ـ على الرغم من تأكيد بعض قادة “النهضة” أن حزبهم لا يمكن إدراجه ضمن ما تسمى بحركات الإسلام السياسي، إلا أن استمرار النقاش بين أعضاء الحزب، إلى حد الآن، بشأن العلاقة بين السياسي والدعوي ليس سوى أحد المؤشرات الدالة على أن “النهضة” لم تغادر بعد مربع هذه الحركات، وإن كانت تسعى إلى أن تطوّر خصوصيتها، وتبني لنفسها مساراً مختلفاً. ما يهمنا، في هذا السياق، أن مختلف تجارب هذه الحركات أثبتت أن الاقتصاد هو في مقدمة التحديات التي تواجهها، عندما تجد نفسها في موقع السلطة. \

جرى حديث طويل عن “الاقتصاد الإسلامي”، في محاولةٍ للتميز النظري عن الرأسمالية والشيوعية والاشتراكية، لكن المحصلة النهائية بقيت بسيطةً، وغير ناضجة، ولم تبتعد هذه الحركات عن منطق رأسمال وآليات اقتصاد السوق.

ـ سبق لحركة النهضة أن مارست الحكم، مباشرة بعد الثورة، لكن التجربة لم تكن موفقة، وإن كانت نسب النمو التي تحققت خلال حكم الترويكا أفضل بقليل مما تحقق في ظل حكومة التكنوقراط، أو حكومة الحبيب الصيد التي تشترك فيها أيضا “النهضة” مع “نداء تونس” إلى جانب حزبين آخرين. ولكون الحركة لم يكن لديها وعي حقيقي بعمق الأزمة الاقتصادية، صاغت برنامجاً سياسياً طموحاً شمل 365 مشروعاً، لكنها بعد أن أدارت شؤون الدولة لم تتمكن من تحويل تلك الوعود إلى إنجازات فعلية.

ـ بالنظر إلى ما أوردته حركة النهضة في وثيقة “اللائحة الاقتصادية والاجتماعية” من خيارات وإجراءات، فالسؤال الذي لا مفر من طرحه يتعلق بكيفية تطبيق هذا البرنامج، فالحركة جزء من ائتلاف حكومي مهدّد بالانهيار، لأسباب متعدّدة، من أهمها استمرار أزمة الحليف الرئيسي، أي حزب نداء تونس، والمهدّد حاليا بانقسامٍ جديد، قد يفرز حزباً ثالثاً، يخرج من الرحم نفسها. وحتى لو افترضنا أن الائتلاف بقي متماسكاً، فإن المقترحات الاقتصادية لحركة النهضة تبقى في حاجة إلى نقاش وتوافق مع الأحزاب الثلاثة الأخرى. فإذا أضفنا العامل الخارجي، ممثلاً في مؤسسات التمويل الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد، تصبح المعادلة صعبة ومعقدة، وهي، في النهاية، لن تتجاوز السقف الذي تحدّده وتضبط شروطه المؤسسات الساهرة على حماية الاختيارات الليبرالية، أو النيوليبرالية، ورعايتها.

ـ نظرياً، تعلن حركة النهضة رفضها اقتصاد السوق. ولهذا، أكدت، في وثيقتها الجديدة، أنها تتبنى ما سمته “خيار اقتصاد السوق الاجتماعي”. وإذ لم يفهم اقتصاديون عديدون الدلالة العلمية للمصطلح، شرحته بقولها إنه النمط القائم على “مبدأ الحرية الاقتصادية وحرية التملك والإنتاج والإدارة من جهة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص من جهة أخرى”. ولكن إيمانها بحرية المبادرة لا يعني أن يتولى القطاع الخاص قيادة الحركة الاقتصادية، وإنما يبقى للدولة “دور استراتيجي في التنمية عبر التوجيه والاستشراف والتحفيز وتعديل السوق وضبط السياسات العامة”.

هذا طموح شرعي ينبثق جزء منه من القيم الأخلاقية للإسلام، لكنه لا يعكس، بالضرورة، وضوحاً كافياً يسمح بمواجهة تحديات المرحلة الانتقالية بشكل فعال وملموس. وبما أن الشيطان يكمن في التفاصيل، لا يكفي الحديث عن العدالة واقتصاد السوق الاجتماعي، وإنما الذي ينتظره التونسيون من الأحزاب السياسية، ومن حركة النهضة، هو رسم أهداف عملية، ووضع آليات وبرامج تفصيلية قادرة على تحقيق نتائج سريعة، يمكن أن يقيسها ويدركها المواطنون. لأنه بدون ذلك سينهار النظام السياسي برمته، وسيجد الإسلاميون أنفسهم في مقدمة من سيحاسبون حساباً عسيراً.

صلاح الدين الجورشي