الرئيسية الأولى

الخميس,12 مايو, 2016
النهضة نحو “التخصّص”…من “الجماعة” إلى “الحركة” إلى “الحزب”

الشاهد_ما يسمّيه البعض “الفصل بين الدعوي و السياسي” و ما أطلق عليه زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي “التخصّص” باتت العناوين المضمونيّة الرئيسيّة التي تخيّم على النقاش و الجدل الدائر قبل إنعقاد المؤتمر العاضر لحركة النهضة بأيّام قليلة بعد أن تحوّل المؤتمر نفسه إلى مشغل عام بعد أن أصبحت كلّ الأحزاب و الفاعلين في المشهد السياسي يقدّمون أنفسهم من خلال العلاقة مع حركة النهضة.

 

“التخصّص” في أبعاده الإستراتيجيّة و في ضرورته التاريخيّة و السياسيّة و إن تناوله كثيرون بالتحليل و الدرس في الفترة الأخيرة إلاّ أنّه لا يزال بحاجة إلى التعمّق فيه و تقليبه على زوايا مختلفة لا فقط تحليلا و تدقيقا بل و بحثا عن الآليات و الوسائل و النصوص الكفيلة بتسهيل عمليّة تنزيله في صورة إقراره من قبل المؤتمر العاشر لحركة النهضة رغم أن التوجه العام داخل الحركة يذهب في هذا الإتّجاه، و للتدقيق في الموضوع الحسّاس جمعت “الشاهد” مواقف و آراء لعدد من المتابعين و المواكبين لمختلف المراجعات و المنعطفات التاريخيّة لحركة النهضة.

 

المحلل السياسي محمد القوماني إعتبر إن توجه حركة النهضة الى ما أسمته بسبل جديدة لإدارة المشروع ونزوعها على ما يبدو الى التخلي عن الشمولية في الحركة باتجاه التخصص السياسي للحزب والذي يطلق عليه البعض الفصل بين الدعوي والسياسي يعتبر في تقديره توجها ايجابيا ستكون له تداعيات ايجابية على حركة النهضة وعلى تونس عامة، كما لا يستبعد ان يكون له تأثير على الحركات الاسلامية واعتبر القوماني في تصريح لموقع الشاهد أن حركة النهضة تبدو جادة في انهاء الازدواجية على مستوى الافراد وعلى مستوى التنظيم وهي مستمرة فيما أتاحته الثورة من حرية التنظم، ولها على ما يبدو ثقة في المستقبل يساعدها على التحرر من رواسب الاستبداد والعمل السري، مؤكدا ان لكل هذه الاعتبارات يمكن القول إن هذا التوجه الذي تقرر في مجلس الشورى وينتظر تزكيته في المؤتمر العاشر سيساعد حركة النهضة بصيفتها حزب يجدد نفسه ويتأقلم مع المستجدات المحلية والاقليمية.

 

وأشار محدثنا الى ان تعبير فصل الدعوي عن السياسي ليس دقيقا لأن حركة النهضة طورت من معجمها الفكري والسياسي منذ مدة، وهي تتحدث اليوم عن اصلاح له أبعاد ديمقراطية ومدنية واجتماعية وترى نفسها ايضا جزء من مشروع وطني لا بد ان تشارك فيه مختلف الأطراف، معتبرا من جهة اخرى أن التوجه الى التخصص والتخلي عن الشمولية في التنظيم تخلص من ثقافة رد الفعل على الحزب الحاكم قبل الثورة الذي كان شموليا وحريصا على تسييج المجتمع والتدخل في كل تفاصيله وقد انتج معارضة شمولية على قياسه، ولذلك يعد التخلي عن النزعة الشمولية مطلوبا من حركة النهضة ومن سائر الأحزاب الاخرى لتحرير المجتمع أكثر وان يأخذ العمل المدني مسافة عن العمل الحزبي، وفق قوله كما اعتبر أن هذا التوجه الى التخصص الذي تتحدث عنه حركة النهضة يعتبر ايضا تجاوبا مع القوانين التي تفرض التميز بين الجمعية والحزب وتمنع تحمل القيادات الحزبية مسؤوليات بالجمعيات ولذلك فإن هذا التوجه الذي توخته حركة النهضة سيكون له تبعيات تنظيمية وإعادة بناء الحركة للتخفيف من شواغل عديدة مثل العمل الخيري والثقافي والعمل التوعوي الذي له صلة بتجديد فهم الاسلام وبالاصلاح الديني عموما.

 

رفيق عبد السلام، وزير الخارجية الأسبق و القيادي في حركة النهضة قال في تصريح خص به الشاهد أن رؤية الحركة الإستراتجية تقوم على ضرورة التكامل والترابط بين ثلاث حلقات رئيسية تتمثل في دولة قوية وعادلة ومجتمع مدني حر ومنظم وأحزاب قوية بما يوفر المناعة الكاملة للمجتمع وللخيار الديمقراطي الذي انتهجته تونس بعد الثورة، معتبرا أن ذلك يقتضي الانفتاح على كل الطاقات الخيرة وكل من له استعداد لبناء تونس المستقبل. واعتبر محدثنا أن حركة النهضة تطمح من خلال هذا التخصص والتجديد الى أن تكون عبارة عن خيمة جامعة لكل التونسيين ولكل من يحلم بتونس جديدة تقوم على الحرية والتقدم الاقتصادي والتنموي، مشيرا الى أن بعد تفرغ الحركة طيلة الخمس سنوات الماضية في ورشات العمل السياسي لارساء الدستور وبناء الهياكل والمؤسسات الدستورية، حان الوقت أن تنطلق القاطرة التونسية باتجاه التنمية والتقدم وهذا يقتضي تعبيئة كل الطاقات الوطنية في هذا الاتجاه حتى تترجم تطلعات الثورة في الحرية السياسية والنهوض الاقتصادي.

 

من جانبه قال الناشط السياسي نور الدين الختروشي إن المسألة ليست مسألة اختيار بالنسبة لحركة النهضة التي تحولت بها الثورة من حركة طريدة مطاردة شريده الى مكون من مكونات مجتمع الحكم ، معتبرا فالفصل بين الدعوي والثقافي عموما وبين السياسي هو اليوم وبالنسبة اليها ضرورة تاريخية حاجة سياسية ورافعة وظيفية واعتبر الختروشي في تصريح لموقع الشاهد أنه بالنظر للحاجة لتجاوزارت مرحلة الرسالية ببعديها النضالي والتبشيري وحاجة سياسية بالنظر الى تحول العلاقة بالدولة فالنهضة التي كانت ” عقدة الدولة ” وأصبحت اليوم تتحرك في ارضها باعتبارها مكون من مكونات مجتمع الحكم، فالنهضة اليوم مشروطة وجودا ومصيرا بموضوع الحكم بعد ان قطعت بسلام مسافة التحول الصعبة من الجماعة الى الحركة الى الحزب، والفصل اخيرا رافعة وظيفية باعتبار ضرورة احترام خط التماس بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي.

 

وأشار محدثنا الى أن السياسة في لحظتها ما بعد الحداثية تشهد نهاية تأميمها للمدني بل تنازلت مرغمة تحت الحاح النشاركية ومبادئ الحوكمة الرشيدة بمعاييرها الكونية تنازلت السياسة عن نزوعها الهيمني والاحتكاري والتأميمي للمدني وتحولت اكثر رهانات السلطة الرمزية للمجتمع المدني وحركة النهضة من هذا المنظور تعيش لحظتها ما بعد الحداثية بهذا الفصل الوظيفي بين السياسي والدعوي، على حد قوله.