تحاليل سياسية

السبت,14 مايو, 2016
“النهضة” التونسية تتجدّد

الشاهد_لحظة سياسية فارقة في تاريخ حركة “النهضة” وتونس عامة، هكذا يمكن توصيف الفترة ما بين 20 و22 ماي الحالي، موعد انعقاد المؤتمر الوطني العاشر لحركة “النهضة” الإسلامية التونسية، في القاعة الأولمبية في مدينة رادس، إحدى ضواحي العاصمة التونسية، والذي سيشهد حضور حوالي 1200 مشارك، بالإضافة إلى قائمة طويلة من المدعوّين، إذ وُجهت الدعوة إلى أغلب الأحزاب العربية وشخصيات من تونس وخارجها. وسيشهد المؤتمر مشاركة 1070 حزبياً، سيكون بينهم 20 في المائة من النساء والنسبة نفسها من الشباب.

 

هذه اللحظة الحاسمة، قد يمتد تأثيرها إلى كامل المنطقة، بحكم القضايا الهامة والأسئلة الجوهرية التي سيطرحها هذا المؤتمر على مسار الإسلام السياسي ككل. وسيشكّل هذا المؤتمر منعطفاً جديداً في مسيرة هذه الحركة، بعد شبه الإجماع الحاصل فيها على تغيير هوية الحزب السياسية، والتخلي نهائياً عن الجوانب الاجتماعية والثقافية بما فيها الديني، أي القطع نهائياً مع ما يُسمى في الأحزاب الإسلامية بـ”الدعوي”، وليس مجرد الفصل بينهما كما يتردد، أو كما فعلت بعض الأحزاب الإسلامية في تجارب عربية أخرى. غير أن المؤتمر سيطرح أيضاً تغيير اسم مجلس الشورى وانتخاب أعضائه، وهو السلطة الأكبر في هيكلية الحركة بعد المؤتمر الوطني، كما يطرح أيضاً جملة من التغييرات الهيكلية الكبيرة في الحركة، بالإضافة إلى انتخاب رئيس الحركة.

 

رئاسة الحركة:

 

يبدو رئيس الحركة الحالي وزعيمها راشد الغنوشي، من أبرز المرشحين والأوفر حظاً لرئاسة الحركة في المؤتمر العاشر، غير أن أصواتاً أخرى نادت في وقت سابق بضرورة ألا يتقدم “الشيخ” (لقب الغنوشي) وحده لهذا المنصب، تكريساً للديمقراطية وقطعاً مع تقليد المرشح الوحيد. وللتذكير فإنه لا يتم ترشح الأشخاص الراغبين في تقلّد هذا المنصب بصفة فردية، وإنما يتم ترشيحهم من قبل أعضاء المؤتمر، ويمكن لأي مشارك أن يرشح أكثر من شخص واحد للمنصب، ما يعني أن اللائحة الأولية للمرشحين قد تكون بالعشرات وربما أكثر، ثم يتنازل الأشخاص الذين جرى ترشيحهم تباعا، إلى أن ينتهي الأمر بانتخاب رئيس جديد.

 

ولا تُخفي بعض الأصوات داخل الحركة أن السؤال ليس حول نجاح الغنوشي من عدمه، وإنما حول النسبة التي سيحصل عليها، لأنها ستعكس حقيقة التغييرات التي قادها داخل الحركة أو التي ينادي بها، وستعكس أيضاً مدى قوة التيار الذي يقوده الرجل داخل حزبه، إذ إن الحركة شهدت في السنوات الأخيرة محطات هامة، اتخذ فيها الغنوشي جملة من القرارات الفردية، وقاد فيها حزبه إلى لحظات تاريخية، لم تكن وقتها تحظى بالإجماع داخل الحركة، وربما كانت تلقى معارضة شديدة.

 

وسيكشف المؤتمر عمق تأثير الرجل في قواعده الوسطى ونُخب الحركة، وسيكشف أيضاً عن حقيقة التيارات الموجودة داخل الحركة، ومدى تجانسها مع خيارات مفكرها وزعيمها. وكان الغنوشي قد كشف بنفسه عن اتخاذه أحياناً قرارات مصيرية في تاريخ الحركة، مثلما حصل قبيل الحوار الوطني، الذي انتهى بخروج “النهضة” من الحكم، وقال الغنوشي في حوار سابق مع ” العربي الجديد” إنه وضع الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما، إما القبول بقراره الدخول في الحوار أو استقالته.

 

وتعتبر لجان الإعداد للمؤتمر أن “توقيع الغنوشي يوم 5 أكتوبر 2013 على وثيقة الحوار الوطني من دون تحفّظ، كان موقفاً محدداً وتحوّلاً حاسماً في انطلاق الحوار”، وقد جرت عملية التوقيع في “تجاوز لقرار مؤسسات الحركة، وكان التوقيع مفاجئاً ولا يوفر أية ضمانة، ومورست فيها ضغوطات على الغنوشي، ولم يُمنح خلالها حتى حق التحفظ الجزئي على بعض بنوده”. وتضيف أنه “على الرغم من أن التوقيع كان مخالفاً لرأي مجلس الشورى، غير أنه أسقط كل ذرائع الأطراف المقابلة ووضعها في موقف محرج”.

 

وتقول بعض قراءات الحركة للحوار الوطني، إنها برزت في البداية “مرتبكة وغير قادرة على تحديد موقف واضح من الحوار، وبدت كأنها خضعت، وجاءت تحت ضغط الحوار، ولكنها نجحت في المراحل الأخيرة في أن تبرز كطرف وطني مسؤول يضحي بمصلحته الحزبية من أجل المصلحة الوطنية، وظهرت أمام الأطراف الخارجية كطرف واقعي يحظى بقدر مهم من المرونة السياسية والسلوك المسؤول”.

 

وليس هناك اختلاف لدى متابعي حركة “النهضة”، في أن الغنوشي يقف وراء قوة دفع إصلاح الحركة وحسمها لأسئلة كبيرة، وحيداً أحياناً، إلا من بعض الأصوات القليلة التي تدفع نحو ضرورة تحديث الحركة وتحويلها إلى حزب عصري، على الرغم من المعارضة الشديدة من الداخل.

ولكن الغنوشي كسب كل معاركه الحزبية، وأثبت للتيارات المعارضة، أو الطامحة في خلافته، صحة خياراته، بدءاً بلقاء باريس مع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، والخروج من الحكم، والحوار الوطني، وتعديل الدستور، وإسقاط قانون العزل السياسي، والتحالف الحكومي، وفلسفة الوفاق، والتقارب مع اتحاد الشغل، وصولاً إلى التخلي عن الجانب الدعوي والتخصص في العمل السياسي دون سواه، والمصالحة الشاملة وغيرها من القضايا التي خاضها الغنوشي بنفسه وفرض نسقها على قواعد “النهضة”.

 

وعلى الرغم من أن موضوع خلافته يعتبر أمراً محسوماً، إلا أن المراقبين للمشهد التونسي في الداخل والخارج يفضلون من دون شك أن يبقى الغنوشي في إدارة الحزب، باعتباره ضامناً لسير الاستقرار العام في تونس، على الرغم من بروز أصوات في “النهضة” بدأت تستعد من الآن لمرحلة ما بعد الغنوشي، وتفكر في التأسيس لذلك عبر آليات تنظيمية جديدة تهيئ للمرحلة المقبلة.

 

التغييرات الهيكلية:

 

أفرزت تجربة “النهضة” خلال السنوات الماضية، جملة من الخلاصات الهامة، حول شكل إدارة الحكم وإدارة الأزمات وتحديد الخيارات الكبرى. ووُضعت الحركة أمام اختبارات صعبة للغاية، إبان انتخابات المجلس التأسيسي أو مجلس النواب، وخريطة التحالفات بعد الانتخابات الأولى والثانية، ولحظة الحوار الوطني وضرورة الخيار بين التمسك بالحكم أو الخروج منه، وعند اغتيال السياسيَين محمد البراهمي وشكري بلعيد، وطريقة المشاركة في الحكم زمن الترويكا ومن بعده مع “نداء تونس”، وغيرها من القضايا التي فرضت على مؤسسات “النهضة” اتخاذ قرارات حاسمة بشكل سريع.

 

وخلّفت كل هذه المحطات جملة من الخلافات بين مكوّنات الحركة، وفرضت على القيادة العليا اتخاذ هذه القرارات، أحياناً بالرجوع إلى المؤسسة الأولى، مجلس الشورى، وأحياناً من دون ذلك، ما طرح سؤال التجانس بين مختلف هياكل الحزب.

 

وسيطرح التخلي عن إدارة الشأن الثقافي والاجتماعي والدعوي، ضرورة إدخال تغييرات هيكلية أخرى على الحركة. وتذهب بعض قراءات الإعداد للمؤتمر، إلى اعتبار أن الحزب “لم يتمكّن في السنوات الماضية من بناء مؤسسات واضحة المهام والصلاحيات”، وتعتبر أن هناك “مركزية مفرطة في ما يتصل بالقرار في القضايا المصيرية، مما أضعف معنى الشورى في الحركة، وخلّف قلقاً في المزاج العام القيادي، وتوتراً في المناخات الداخلية للحزب، وكان من نتائج ذلك ضعف التشاركية بالنسبة لأبناء الحركة، ما إدى إلى عزوف عن المشاركة والإقبال على الحزب”.

 

وسيدعو المؤتمر إلى مراجعة بعض المسائل التنظيمية والهيكلية، تبدأ من القاعدة وصولاً إلى أعلى هرم الحزب، تتعلق بعضوية الحزب، ومراجعة النظام الأساسي لمجلس الشورى، واقتراح تغيير اسمه، إلى المجلس الوطني أو مجلس الشورى الوطني، أو الإبقاء على التسمية الحالية.

 

وهناك أيضاً دعوات لتغيير اسم المكتب التنفيذي إلى المكتب السياسي، واقتراح أن يتم انتخاب أعضائه كلياً أو جزئياً من مجلس الشورى، مع الإبقاء على حق اعتراض الرئيس، أو الإبقاء على الوضع الحالي أي بتعيين الرئيس للمكتب وتزكية مجلس الشورى. وعلى الرغم من أن الاتجاه يسير نحو إبقاء الوضع على ما هو عليه، فإن مجرد الدعوة إلى انتخاب أعضاء المكتب التنفيذي تهدف إلى التقليص من صلاحيات الرئيس، وسيؤدي ذلك بالتأكيد، إن حصل الانتخاب، إلى غياب التجانس بين أعضائه، ولكنه سينتج نزعة رقابية على قراراته وشكل إدارته للحزب، على الرغم من أن الداعين لذلك يبررونه بإدخال نَفَس ديمقراطي في كل أُطر الحزب، والتقليص من مركزية القرار.

 

وسيقترح المؤتمر أيضاً استحداث “ندوة وطنية” أو “مجلس وطني” ينعقد سنوياً ويجمع أصحاب الصفات الشوروية والتنفيذية المركزية والمناطقية والمحلية. وكذلك إنشاء مركز للدراسات الاستراتيجية، وأكاديمية للحزب، بالإضافة إلى تركيز أقاليم للتنسيق بين المناطق، ووضع آليات واضحة للتنسيق مع الكتلة النيابية، بالإضافة إلى وضع أُطر للمحاسبة وتحميل المسؤوليات. وعموماً ترى هذه الدعوات أنه “ينبغي اتخاذ خطوات أكثر وضوحاً من حيث الرؤية وأكثر جرأة في مراجعة القانون الأساسي وإصلاح النقص في الهيكلة والسياسات التنظيمية”.

 

الأسئلة الصعبة:

 

يطرح المؤتمر العاشر للحركة جملة من المواضيع الهامة على جدول أعماله، تبدأ بقراءة تاريخية لمسار الحركة منذ تأسيسها، وأهم المحطات التي مرت بها. ومن خلال ما اطّلعت عليه “العربي الجديد”، سيتميز المؤتمر بشجاعة فكرية واضحة في تقييم تحالفات “النهضة” وأدائها الحكومي، وبحث نقاط الضعف، وكشف أبرز نقاط الوهن في تعاطيها كحزب مع الشأن الوطني، بالإضافة إلى جرد حصيلة هذه السنوات، منذ خروج الحزب إلى العلن، وتحوّله إلى مشارك في الحكم.

 

وتشكّل مسألة التخلي، وليس الفصل، عن العمل الدعوي أبرز محطات تحوّل الحركة، وانعطافاً جوهرياً في مسارها التاريخي. وأكد الغنوشي نفسه في تصريحات صحافية، أنه ينبغي أن تتحوّل الحركة “من جماعة غلب على منهجها الاحتجاج، إلى حركة تقود الدولة وتؤسس فكر الدولة، ونريد لهذا المؤتمر أن يقدّم رسالة واضحة أن تاريخ الصراع مع الدولة قد انتهى”. وأضاف: “نحن بصدد التحوّل إلى حزب يتفرغ للعمل السياسي، ويتخصص في الإصلاح انطلاقاً من الدولة، ويترك بقية المجالات للمجتمع المدني ليعالجها، ويتعامل معها من خلال جمعياته ومنظومة الجمعيات “المستقلة” عن الأحزاب بما في ذلك النهضة”.

 

وتذهب دراسات الحركة الخاصة بالمؤتمر إلى التأكيد أن هناك “اتفاقاً عاماً أقره مجلس الشورى بضرورة إحداث تطور حقيقي في حزب/حركة النهضة، حتى تكون قادرة على النهوض بالمهمات الجديدة التي تقتضيها المرحلة، في اتجاه مزيد من الوضوح والتخصص السياسي الوظيفي. ويقتضي هذا التطور، الخروج من المراوحة بين الحزب والحركة، إلى حالة حزب سياسي ديمقراطي ذي مرجعية إسلامية، مفتوحاً على العمل السياسي بملء الطاقة”. وعلى الرغم من شبه الإجماع الحاصل داخل المؤتمرات المحلية والمناطقية التي سبقت المؤتمر، فإن قضية التخلي عن العمل الدعوي تطرح جملة من الأسئلة المهمة.

 

وليد التليلي- العربي الجديد