مقالات مختارة

الثلاثاء,15 مارس, 2016
النظام وداعش والنصرة

بقلم فاطمة ياسين

الشاهد_تراجع التحشيد الإعلامي الذي اعتمده تنظيم الدولة الإسلامية لإبقاء نفسه على رأس قائمة الأخبار، وتناقصت الإصدارات المرئية التي كانت تَعرض ممارسات التنظيم الفظيعة، وصورا ومقاطع، نشرها دعاية له من نوع خاص، لكن الخبر “الداعشي” بقي حاضراً على المواقع والصفحات، فسمعنا، أخيراً، عن تسريب كمية ضخمة من الملفات التي تحتوي عدداً كبيراً من أسماء منتسبي التنظيم، وانتشر خبرٌ صادم عن حيازة داعش أسلحة كيميائية، واستعماله لها في العراق، والخبر الأخير الذي لم ترافقه صورة أو فيديو، كان عن إعدام داعش الشاعر بشير عاني مع ابنه في دير الزور، بتهمة الردة.

 

يوحي هذا السلوك الإعلامي المهتز بانكفاء التنظيم إلى حالة من الدفاع، لكن هذا لا يعني بأنه تخلى، ولو جزئياً، عن أفكاره وتطلعاته، ولا حتى عن ممارساته، أو رصيده المليء بالسلوك المتطرف.. فخبو التنظيم الإعلامي لم يؤثر على سمعته السيئة، ولا على مساحات الرعب التي زرعها في كل مكان يجثم فوقه.. بدليل أنه لم يسمح، أخيراً، بقيام مظاهرة واحدة في أماكن وجوده، ولم يتساهل حيال أي طريقةٍ لإظهار المعارضة، أو حتى الامتعاض، وفي حوزته تهمة ضخمة، بحجم منصة الإعدام، وهي الردة، أو الوقوف في وجه التعاليم الدينية.
أسلوب التنظيم “الوقائي” جنَّبه مواجهة المظاهرات الكبيرة، وحافظ على الساحات التي يسيطر عليها هادئةً يلفها الرعب.. وفي لحظات انحساره، لم يتردّد في قتل شاعر ومعه ابنه، في تأكيدٍ على ثبات فكره الذي لا يتزعزع تجاه أيٍّ من مظاهر الرفض.

 

اشترك تنظيم داعش مع نظام الأسد في مبدأ القمع، وتقدّم عليه بإظهار مشاهد وحشية، بينما بقيت للنظام خاصية الأسبقية، فقد قدّم شبيحة الأسد أدلة عملية وحية عن طريقته الخاصة في معالجة المعارضين، كانت حينها شاشات العالم كله شاهدةً على أساليب تعامل مليشيات بشار مع المظاهرات الخالية من أي قطعة معدن.. نستردّ، ونحن نعيش الذكرى نفسها للمرة الخامسة، كيف كانت قوات الأمن تطلق الرصاص الحي، ومن مسافات قريبة جداً، على الرؤوس والصدور بقصد القتل، لوأد المظاهرات، ومن ثم أمعن صاحب شعار “الأمن والأمان” في تغوّله، حتى تمزّق الوطن، وتحوّل إلى مجموعة كبيرة من الحواجز، حفَّزت الدول الراعية للحرب السورية على اقتراح تقطيعه إلى أشلاء، تحت عنوان الفيدرالية.

 

تَبدَّت جبهة النصرة، في الأسبوعين الأخيرين، بشكلها الحقيقي الخالص غير البعيد عمن ذكرناهما، فكشفت المكشوف، وهاجمت بوحشيةٍ المظاهرات ذات الأعلام الخضراء، إذ لم يحتمل أفرادُها نشوة الجماهير السورية التواقة إلى الحرية، والتي ما أن تنسمت ثغرةً سانحةً، حتى خرجت مستعيدةً نداءها الأول الذي خرق سكون القمع في الخامس عشر من مارس/آذار قبل خمس سنوات. لم تَقبل الجبهة التي تتبنى أحلاماً أشبه بالكوابيس، وأساليبَ تحاكي ممارسات أخوة المنهج في داعش، ففرّقت الجموع المتظاهرة في معرّة النعمان، بالطريقة نفسها التي اعتمدتها أجهزة القمع التابعة لجيش النظام في بدايات الثورة، لتتكرّر، في الشمال “المحرّر”، مشاهد الضرب والاعتقال وحتى القتل.. عرفت الجبهة، كما عرف من قبلها تنظيم الدولة، والنظام نفسه، أن الكيان الذي بنته لن يستمر أمام مطالب الحرية، فقرّرت اليوم المضي في محاربته، وإنْ بشكل واضح للجميع.

 

قد تتباين التنظيمات الثلاثة، بحسب الأسلحة التي تستخدمها، وبحسب الأرض التي تحتلها، وربما بحسب الأزياء التي ترتديها، لكنها جميعاً رضعت من المورد نفسه، حيث استوت جهازاً للكبت، نَهِماً للسلطة، وشرهاً للدماء، لكن الجمهور الذي خرج، منذ سنوات خمس، بقي على مبادئه، يحمل حلمه المكتوب على لافتاتٍ يرفعها في أثناء محاولاته تفادي زخات الرصاص الغادر، على طريق الوصول إلى نظامٍ يمثله ويشبهه، ويعبر عنه بعيداً عن أشكال الاستبداد المتنكرة بعمامةٍ دينيةٍ أو ربطة عنق أنيقة.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.