إقتصاد

الأحد,11 سبتمبر, 2016
الميزانيّة التونسيّة…مختلّة رغم صيحات الفزع

الشاهد_تواجه المالية العمومية ضغوطات جمّة وصفها المراقبون بالحادة ، نظرا للأزمة المتفاقمة على مستوى السيولة النقدية التي ذهب البعض إلى اعتبار أنها غير كافية لتغطية أجور الموظفين وعديد النفقات الأخرى في الفترة القادمة بعد أن سجلت نقصا بحوالي 8 آلاف مليار وهو رقم قياسي غير مسبوق وصف بالكارثي .

و هو ما جعل تونس مقيدة بقرارات الإصلاح التي يطالب بها صندوق النقد الدولي لسدّ ميزانية الدولة .

أزمة اللإقتصاد الوطني المنجرّة عن تدهور جل قطاعاته من سياحة ، و فلاحة ،و مواد منجمية و طاقية ، و في ظل التحركات الإحتجاجية التي تسببت في وقت من الأوقات إلى إيقاف عجلة الإقتصاد بل و في دحرجتها إلى الخلف .

و هو ما قلّص في حجم مداخيل الدولة أمام تفاقم مصاريفها ، و هو ما خلف عجزا في الميزانية العامة ، مما أجبر الحكومات على الإقتراض المكثف ، و بالتالي تنحدر الدولة إلى جرف المديونية لتجد نفسها تتخبط في “دوامة مفزعة” بين العجز و القروض و المديونية التي بلغت في السنة الحالية 56 مليار دينار مقابل 25 مليار دينار عام 2010 أي ما يمثل نسبة 62% من الناتج المحلي الخام ، و إلى ارتفاع بـ 21 نقطة مديوينية في خمس سنوات ، وفق ما ورد على رئيس حكومة الوحدة الوطنية يوسف الشاهد في افتتاح جلسة منح الثقة إلى حكومة الوحدة الوطنية بمجلس نواب الشعب الجمعة 26 أوت 2016.

العجز المالي الذي بلغته تونس اليوم ، هو نتاج عوامل عدّة أبرزها الإخفاقات المتواترة و الأزمات الي عاشتها البلاد على مرّ الحكومات التي تعاقبت على تونس ما بعد الثورة و لم تحكم التصرّف في الميزانية لتحقيق التوازن بين المداخيل و المصاريف .

بالعودة بعجلة الزمن إلى الوراء، قدّرت ميزانية الدولة لسنة 2011 قيمة 21330 مليون دينار ، معتمدة في جزء كبير من ميزانيتها على مواردها الذاتية إذ يستقطب العنوان الأول 70 بالمائة من الموارد في حدود 14961 م د وهو يضم المداخيل الجبائية والمداخيل غير الجبائية.

وتقدر موارد العنوان الثاني (موارد استرجاع أصل القروض ومورد الاقتراض الداخلي والخارجي …) ب5152 م د (أي 24 بالمائة) فيما تم ضبط موارد الحسابات الخاصة في الخزينة بقيمة 1217 م د (6 بالمائة). أما ما تبقى من ميزانية الدولة ، و هو ما قدر بقيمة 12518 مليون دينار ،خصّص لـنفقات التصرف.

و كان قد صرّح وزير المالية في حكومة السبسي أن “تونس ملزمة بتسديد ديونها للمحافظة على السمعة الطيبة التي تتمتع بها في الساحات المالية الدولية باعتبار حاجتها الماسة إلى الاقتراض خلال المرحلة القادمة ” مشيرا إلى أن نسبة الاقتراض قدرت ب43 بالمائة سنة 2011.

ثمّ بالمرور إلى سنة 2012 ، فقد بلغت ميزانية الدولة 25.4 مليار دينار.

و قد أكد حسين الديماسي، وزير المالية آنذاك ، أن ان الاعتمادات المالية المضافة وزعت مناصفة بين نفقات التصرف ونفقات التنمية.

و الجدير بالذكر أنه تم طرح إمكانية مساهمة المواطنين في دعم موارد الدولة من خلال الترفيع في المعاليم الموظفة على بطاقات شحن الهاتف الجوال و الترفيع في أسعار المحروقات ، على سبيل المثال . و هو ما يفسر العجز الذي كان قد بدأ يمدّ جذورة في المالية التونسية ، مما استدعاها لمحاولة ردعه بشتى السبل حتى بتشريك المواطن في دعم الميزانية رغم ما يمرّ بدوره من أوضاع متأزمة في ظل الوضع العام للبلاد.

سنة 2013 ، قدّرت ميزانية الدولة بـ26692 مليون دينار أي بزيادة تقدر بـ 4.4 بالمائة مقارنة بسنة 2012. و أكد وزير المالية بالنيابة سليم بسباس (2013) ، أن رهانات الحكومة انذاك ترتكز على “تقليص العجز في ميزانية الدولة وخاصة التحكم في المديونية لتتراجع من نسبة 46 بالمائة سنة 2013 إلى مستوى 2.5 أو 3 بالمائة في أفق 2017” وفق تقديره .

بالنسبة لسنة 2014 ، بلغت ميزانية الدولة قيمة 28125 مليون دينار ، و قد شهدت نصيبا هاما في كل من وزارة التربية و وزارتي الدفاع و الداخلية .

وتفسر رغبة الدولة في الترفيع من ميزانيتي وزارتي الدفاع والداخلية بشكل ملحوظ بعزم الدولة، في مفهومها الشامل والحكومة في بعدها الزمني باعتبارها مؤقتة، إعلان الحرب على الارهاب للقضاء عليه إلى جانب عزمها على القضاء على ظاهرة العنف والجريمة المنظمة بعد تفاقم ظاهرة التهريب .

على التوالي، قدٍّ حجم ميزانية الدولة لسنة 2015 قبضا وصرفا بـ29000 مليون دينار باعتبار القروض الخارجية المحالة اى بزيادة بنسبة 1ر6 بالمائة بالمقارنة مع النتائج المحتملة لسنة 2014 . وقد سجلت ميزانية رئاسة الجمهورية لسنة 2015 ارتفاعا بنسبة 8.7 % مقارنة بميزانية 2014 حيث رفعت الميزانية من 81,389 مليون دينار سنة 2014 الى 156. 88 مليون دينار لسنة 2015 وفي المقابل سجلت ميزانية رئاسة الحكومة تراجعا هاما بنسبة 42 % لتصبح 2 .147 مليون دينار عوضا عن 8. 253 مليون دينار سنة 2014. وقدرت ميزانية مجلس نواب الشعب بـ 714ر21 مليون دينار مسجلة ارتفاعا بنسبة 3 % مقارنة بميزانية المجلس لسنة 2014 والتي قدرت بـ (014ر21 م د ).

أي زيـــــــادة بـ 800 مليــــون لـ«الرئاسـة» وبـ 500 مليـون للبرلمان.

ميزانية 2016 بلغ حجمها نقدا و صرفا 29 ألف مليار و250 مليون دينار . وقد استأثرت ميزانيتا وزارتي الدفاع الوطني والداخلية بنحو 20 بالمائة من ميزانية تونس للعام المقبل اذ تم رصد 4785 مليار لكلتيهما، و بررت حكومة الحبيب الصيد هذا الترفيع في حجم ميزانيتي الدفاع والداخلية بحرصها على مقاومة الارهاب والتهريب والجريمة المنظمة من خلال توفير الاعتمادات المالية واللوجستية اللازمة.

و كحصيلة لما نتج عن عجز في الخزينة منذ اندلاع الثورة إلى يومنا هذا، ارتفع عجز ميزانية الدولة سنة 2016 من 3600 مليون دينار إلى 6500 مليون دينار بفارق لم يكن مبرمجا في الميزانية .

 

و قدد أدى العجز الذي يشهده ميزان الدفوعات الخارجي إلى تراجع قيمة الدينار التونسي إلى 25% في الخمس سنوات الماضية ، و هو ما فرض اللجوء إلى الإقتراض لتسديد العجز و المديونية التي ناهزت الـ8 مليار دينار تونسي و تمويل المشاريع و نفقات الدولة و لا سيما التوجه إلى صندوق النقد الدولي .

و هو ما يضع الحكومة وجها لوجه قبالة تحديات كبرى لعلّ أبرزها رفع نسبة النمو الاقتصادي و خفض المديونية و انعاش قطاع السياحة و اصلاح الوظيفة العمومية و خلق فرص عمل للشباب .

و لعل أبرز مقترح تم طرح على كتب رئيس الحكومة يوسف الشاهد ، هو تغيير الأوراق النقدية المتداولة حاليا كحل من الحلول العاجلة لمحاصرة التهرب الضريبي وتوفير سيولة مالية للبنك المركزي والبنوك التونسية تقدر بمئات المليارات٬ وبالتالي التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي تمر بها تونس٬ومن غير المستبعد أن يتم تدارس نجاعته الاقتصادية خلال الأيام المقبلة..

فهل يكون تغيير العملة حلّا فعالا لدرإ إشكال المالية ، و خلق متنفّس في خزينة البلاد و إخراجها من جرف المديونية ؟