مقالات مختارة

الأربعاء,1 يونيو, 2016
المنصف المرزوقي ومقاربته حول انحسار الموجة الإسلامية .. التعميم الظالم المنطلق من خلفية ذاتية

الشاهد_ يجزم الرئيس التونسي الأسبق محمد المنصف المرزوقي في مقاله الأخير المعنون:((الموجة الإسلامية: هل بدأ الجزر)) بانحسار ((الموجة الإسلامية)) كما سماها مثلما انحسرت موجات:((الوطنية والقومية والشيوعية))، ورغم حدوث بعض مظاهر تراجع ((التيار الإسلامي)) فعلا في عدد من الأقطار، لكن في معظمها ليست للأسباب التي حاول من خلالها الرئيس المرزوقي أن يدلل بها على النتيجة التي سعى أن يثبتها بمنطق تعميمي يحمل الكثير من الظلم ـ للأسف ـ وفق مقاربة تبسيطية ومقارنة غير دقيقة بالمطلق بين ظروف تمكّن كل موجة من الموجات التي ذكرها، وأسباب تراجعها أو انحسارها، ويمكن إبداء الملاحظات التالية حول المقال ونتيجته ومقاربته:

1 ـ يظهر بوضوح البعد الشخصي والخلفية الذاتية التي انطلق منها الرئيس المرزوقي في إصدار حكمه القاضي بانحسار الموجة الإسلامية على غرار الموجات الوطنية والقومية والشيوعية، ممثلة في طبيعة علاقته بحركة النهضة في تونس وما أصاب هذه العلاقة من جزر وفتور وقطيعة بعد مد وتنسيق وتواصل، فأسقط موقفه الشخصي من خيارات حركة النهضة وتحالفاتها ورد فعله الذاتي، وأصدر حكمه وفق ذلك، ولا أدل على ذلك قوله

((فعوض أن يوثق الإسلام السياسي المدني تحالفاته مع القوى الحاملة لمشاريع المستقبل، نراه في أكثر من بلد عربي يسعى ليقبل به شريكا داخل المنظومة التي انتفضت ضدها شعوب الربيع العربي، وذلك بعد أن سلّم بعجزه عن أن يكون لها بديلا))، لو لم يكن البعد الذاتي حاضرا فأي بلد من بلدان ما يسمى بالربيع العربي الأخرى غير تونس يمكن أن ينطبق عليها بعض التوصيف سالف الذكر؟ وتقوي ذلك الكثير من تصريحاته الأخيرة ضد حركة النهضة وخياراتها وموقفه من الحضور إلى مؤتمرها.

2 ـ الراصد الموضوعي للأحداث يجد أن استعمال مصطلح ((الانحسار)) أو((النهاية)) أو ((الأفول)) في توصيف ماحدث ويحدث للتيار الإسلامي خاصة في دول الربيع العربي غير دقيق ولا يعبر عن حقيقة ماحدث ويحدث ومازال الوقت مبكرا لإطلاقه، ويمكن المصطلح الأدق والأكثر واقعية الذي يعبر عن ذلك هو ((التراجع)).

3 ـ يدلل الدكتور المرزوقي على صحة قياسه في انحسار الموجة الإسلامية على انحسار وأفول الموجات الوطنية والقومية والشيوعية كما يقول بالحرف أن:((الإسلام السياسي الحاكم في جل البلدان التي تخضع له، مجرد غطاء أيديولوجي للاستبداد، لا يقل قمعا وفسادا وعدم فعالية عن أي نظام آخر حكم أو يحكم باسم الوطنية أو القومية أو الشيوعية))، وهو تجني كبير، فليخبرنا فخامة الرئيس أين حكم الإسلام السياسي؟ وفي أي قطر ترك له المجال ليحكم، ويتم عهدته الانتخابية، من غير سنة الرئيس مرسي ـ فك الله أسره ـ أو سنوات حكم الترويكة القليلة في تونس التي كان هو شريكا أساسيا فيها بحلوها ومرها، ومن المفروض أنه يدرك حجم التحدي والفرملة والعرقلة التي واجهتها؟ وحتى في السنة الوحيدة التي كان فيها الرئيس مرسي في الحكم مثلا هل هناك مجال للمقارنة بين حجم الحريات في عهده القصير ومستواها الآن في ظل حكم العسكر باسم الوطنية أو العهد الذي قبله؟ فأين الموضوعية عندما نقارنها بحكم الوطنيين والقوميين واليساريين، الذين حكموا المنطقة والكثير من أقطارها لعشرات السنين وصل بعضها لمدة نصف قرن؟ فكيف يصح أن نقارن بين من حكم إن صح أنه حكم أصلا ـ لمدة سنة وسنتين، وبين من حكم لمدة نصف قرن؟

4 ـ كيف تصح المقارنة منهجيا وواقعيا كذلك بين من ساهمت القوى الدولية المتربصة بالأمة في إيصالهم إلى الحكم وساعدتهم في تثبيت حكمهم لسنين عديدة، ودعمت حتى آلة القمع التي استعملوها في ذلك(والأمثلة أوضح من أن نستحضرها هنا)، وبين من ساهمت هذه القوى الدولية في عرقلة وصوله إلى الحكم ولو بالصندوق الشفاف والإرادة الشعبية، وخططت ودبرت ومولت وعملت المستحيل لدعم الانقلاب عليه وإزاحته من الحكم ولم يتم سنة واحدة من حكمه؟ فكيف تستقيم المقارنة بين الأمرين؟

هذه جملة من الملاحظات المبدئية حول مقال الرئيس المرزوقي وأبعاد الحكم الذي أصدره من خلاله حول حتمية انحسار ((الموجة الإسلامية)) كمثيلاتها الوطنية والقومية والشيوعية، وهي الفكرة التي تشبه إلى حد كبير ما أثاره الكاتب الفرنسي أوليفر روي منذ سنة 1994 في كتابه((فشل الإسلام السياسي)) والذي جزم حينها بفشل كل الحركات الإسلامية بمختلف تصنيفاتها بحجة عدم نجاحها في مسعاها لتحقيق الدولة الإسلامية، ومع ذلك فقد أثبتت الأحداث بعد ذلك تهافت حكم أوليفر روي في كتابه واكتسحت التيارات الإسلامية كل التجارب الديمقراطية شبه الحقيقية التي ظهرت بعد هذا التاريخ، مما جعل أوليفر روي نفسه يتراجع عما أورده في كتابه من أفكار في كتابه الثاني المعنون بـ((عولمة الإسلام)) الذي أصدره سنة 2002، لكن بعض النخب العلمانية والليبرالية وبقايا الجثث الماركسية بقيت حبيسة أفكار كتاب أوليفر روي الأول، وزاد من تمسكهم بها النجاح النسبي للثورات المضادة والدول العميقة في قلب الطاولة على الإسلاميين تحديدا، لكن الليالي حبالى وستلد بدورها كل عجيب الذي من المؤكد يقينا أنه يكذب أحكام هؤلاء وإنطاباعاتهم ويثبت تهافتها وإن جاءت من رجل بحجم رئيس سابق اسمه محمد المنصف المرزوقي.

جمال زواري “كاتب جزائري”