عالمي دولي

الإثنين,17 أغسطس, 2015
المقصلة شاهد عصر على دموية الثورة الفرنسية!

الشاهد_المقصلة شفرة حديدية صنعها إنسان ما قبل الثورة، لكنها ارتبطت تاريخيا بالثورة الفرنسية، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من ثقافتها وشاهدا على ميكانزمات الثورة ومآلاتها فيما بعد، فقد اقترح الملك لويس السادس عشر آخر ملوك فرنسا على ذلك الحداد أن تكون المقصلة بزاوية مائلة وأكثر حدة حتى تفصل الراس عن الجسد مباشرة، ولم يكن يعلم بأن رأسه ورأس زوجته ماري أنطونيت ملكة فرنسا وسيدة القصر وابنة الإمبراطور المقدس فرنسيس الأول وابنة ملكة المجر أنذاك أنهم سيكونون بعض ضحايا هذه المقصلة، وذلك بعد اتهامها بالخيانة وسرقة أموال الشعب.

 

 

لم تفرق هذه الآلة بين حاكم ومحكوم، أو بين ذكر وأنثى، أو بين قسيس وملحد، بل كانت مجرد آلة تنفذ توصيات الجمعية الوطنية التي أسسها زعماء الثورة حيث كانت أداتهم في قصل مناوئيهم وتثبيت حلم الثورة، لقد تحدث بعض مؤرخي الثورة عن عشرات بل مئات الآف من الضحايا التي أزهقت أرواحهم والرؤوس التي تطايرت تحت المقصلة التي كانت تتوسط ساحة الثورة كما كانت تسمى في تلك الفترة، أو ساحة الكونكورد كما تسمى الآن.

 

 

وعندما تحول أبناء الثورة إلى أعداء فيما بينهم، وحضرت حظوظ السلطة وشهوات المناصب، وأصبح الفكر السائد بينهم فكرا طوباويا يقتل على الشك والظن، كان الطريق إلى المقصلة أسرع مما نتصور، فمجرد اتهام أو وشاية بتعاطف مع العهد البائد، أو بمعارضة جزئية لأفكار الثورة فالمقصلة هي الحل، لتتحول إلى شاهد عصر على أن الثورة تلتهم أبناءها، وتقص رقابهم بلا هوادة، عندما يتحولون عن أهدافها، ويختصمون في ثرواتها.

 

 

فجورج دانتون خطيب الثورة وزعيم من زعمائها لم تشفع له جهوده في إسقاط الملكية، ولا حقيبته الوزارية كأول وزير للعدل خلال الثورة الفرنسية، فتم التآمر عليه، واتهم زورا بتشكيل خلية لإعادة الملكية، هكذا يغيب المنطق عندما يحضر الوهم، كما أن ماكسيم روبسبير أحد زعماء الثورة الفرنسية الدمويين ومحاميها الكبار، وهو تلميذ جان جاك روسو، وهو أيضا أحد مؤسسي الجمعية الوطنية ورئيسها فيما بعد، تمت محاصرته في مبنى البلدية والاعتداء عليه، ورغم إصابته بإحدى الرصاصات في وجهه، إلا أنهم قيدوه وسحبوه إلى مقصلة الثورة؛ ليتم إعدامه هناك مع العشرات من مناصريه.

 

 

لقد أدت المقصلة فعلا قذرا في عصر همجي كما يعبر عن ذلك الأديب الفرنسي ألبير كامو في كتابه “تأملات في المقصلة” فقد تم إعدام عدد من العلماء، منهم لا فوازييه عالم كيميائي بارز، اتهم بمساعدة الحكومة، وحكم عليه بالإعدام، وقال له القاضي في المحكمة أن “فرنسا لا تحتاج إلى عباقرة وعلماء! بل تحتاج إلى العدالة” كما كانت المقصلة حاضرة في الأدب الفرنسي، فأعمال فيكتور هيوجو مثلا وهو من جيل الثورة الفرنسية لا تكاد تغيب عنها عقوبة الإعدام أو شبح المقصلة، وقد عبر عن كرهه لها كثيرا، وفي روايته “اليوم الأخير لمحكوم بالإعدام” وفي سؤال فلسفي عميق تنهد قائلا “ألا يوجد في فرنسا هواء يكفي للجميع”؟!.

 

 

هكذا ارتوت خشبة المقصلة بدماء الفرنسيين لتحقق حلم الثورة وأهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكنها في نظر البعض تحولت إلى رمز ثقافي للكراهية والإرهاب والوحشية، حيث سعى برلمانيون وسياسيون فرنسيون في ثمانينيات القرن الماضي إلى إلغاء حكم الإعدام وإخفاء المقصلة نهائيا وعدم عرضها حتى في متاحف التاريخ! بل وأصبحت عارا يلاحق مخترعها وعائلته حيث ينطقها الفرنسيون باسمه “غليوتان” مما اضطر أحفاده اليوم إلى تغيير اسمهم هربا من سمعتها السيئة في عصر ما بعد ثورة المقصلة…!

 

 

محسن عبد الرحمان