الرئيسية الأولى

الخميس,26 مايو, 2016
المقاطعة عقوبة تأديبية حضارية

الشاهد _ المقاومة صور شتى تتأبّى عن النمطية إذ هي تراعي الأحوال المتغيرة. المقاطعة ضرب من ضروب المقاومة يلجأ إليها الناس إما لعجز عن تفعيل مقاومة أعلى منها أو لإعلان حالة تأديبية في مستواها الأدنى أو لأسباب أخرى. عرفت المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة سلاح المقاطعة تفعيلا ضد البضاعة الإسرائيلية ثم تبيّن أن ذلك كان موجعا لإقتصاد العدو المحتل ممّا إضطره في بعض الأحيان إلى تصدير بضاعته بأسماء أروبية سرعان ما إنكشف أمرها. ولو تكافلت الدول العربية والإسلامية على تفعيل سلاح المقاطعة السياسية والدبلوماسية لأهدت المقاومة دفعا جديدا ولكن تخاذلت وسمّت العلاقة الدبلوماسية مكاتب تجارية أو فنية مرودا على النفاق.

القرآن يعلّمنا سلاح المقاطعة

جاء ذلك في سورة التوبة بمناسبة تخلف ثلاثة من الأصحاب عن المسير إلى غزوة تبوك في حركة عسكرية إستباقية إرهابا للروم الذين كانوا يعتزمون الهجوم على دولة المدينة في جيش جرّار لجب يعدّ مئات الآلاف. بدأ هؤلاء الأصحاب الثلاثة في تجهيز أنفسهم وعيلة أهلهم من بعدهم كغيرهم من الناس ولكن بشيء من التبطؤ حتى خرج الجيش في رحلة مضنية لأسابيع وتحت لهيب شديد من حرارة الشمس. غرّتهم الأيام وهي تمرّ مرّ السحاب حتى أفاقوا ذات يوم على عودة المجاهدين الذين لم يشتبكوا مع الروم ولكنهم أودعوها درسا لا ينسى. جاء المنافقون يبسطون أعذارهم الكاذبة ومعهم أولئك الأصحاب الثلاثة وسرعان ما نزل الوحي إليه عليه السلام يأمر الناس بمقاطعة أولئك المخلفين الثلاثة فكانوا يأتون إلى الصلاة ويفشون السلام فلا يردّ عليهم أحد وينظرون من طرف خفي لعله عليه السلام يردّ التحية بشفتيه فحسب. ولمّا كانوا يأملون في عفو رحماني يضع عنهم أثقال مقاطعة هدّتهم هدّا تضاعفت العقوبة إذ نزل الوحي يأمر نساءهم بمقاطعتهم. عندها بلغت القلوب الحناجر ويكاد الضيق يفجّر منهم الصدور. ظلوا كذلك خمسين يوما كاملة لا ينبس واحد منهم ببنت شفة فيجد لها صدى. وفي ذات فجر جاءهم البشير يحمل إليهم عفوا إلهيا فرجعت إليهم أزواجهم وإحتضنهم الناس مهنئين وذرفت المآقي دموع الأخوّة الحقيقية الصادقة. فرح عليه السلام بتوبة ربه على صحبه فقال لأحدهم مهنئا (هذا أفضل يوم طلعت فيه الشمس عليك).

لماذا عوقبوا بالمقاطعة الجماعية الصارمة الطويلة؟

هؤلاء لم يتخلفوا عن مقاومة عدوّ هجم على عقر الدار ولم يكونوا يعتزمون سوى الخروج مع إخوانهم ولكن بطّأت بهم بعض الإستعدادات. في تبوك لم يحصل قتال ورجع الناس إلى أهليهم آمنين. فهل من مناسبة بين هذه العقوبة المؤلمة وبين تخلفهم غير المقصود؟ لو كان ذلك إجتهادا نبويا لأدرج ضمن مقامه بالإمامة وليس نبوّة ولكنه وحي يوحى. ما ضرّ لو عفا عنهم وظروف التخفيف تملأ المشهد؟ أي جريرة إقترفوها حتى يقاطعوا من لدن زوجاتهم أنفسهن؟ حتى السلام لا يردّ عليهم وهو واجب بخلاف إفشائه؟ ظني أن تلك المقاطعة الطويلة المؤلمة كانت جزاء وفاقا على خرق أولئك الأصحاب الثلاثة لإجماع الأمة في أمر عملي معلوم لا خلاف عليه يتعلق بأمن البلاد ولا عبرة هنا بالنية إذ حشروا أنفسهم تبطؤا في حشد أسباب السفر مع المنافقين. إما أن نؤول إلى ذلك وإما أن نقول أن العقوبة لم تكن متناسبة مع الجريرة. حاشا لله سبحانه. هل شفعت لهم النية؟ أبدا.

القياس يعلّمنا أن مقاطعة أي محضن يخرق إجماع الأمة واجب ديني.

لا يظن عاقل أن تثبيت قصة المقاطعة لأولئك الأصحاب لتكون قرآنا لا يراد منه سوى الإعلام بها أو للتسلية. ما نزل القرآن لمثل ذلك. ما رسّخت تلك القصة في القرآن الكريم سوى للقياس عليها قياسا عقليا منطقيا متحررا من قيود شدّد فيها بعضهم حتى آل القياس إلى (لا قياس). إذا تواضعنا على أن المقاطعة كانت موجعة بسبب خرق إجماع الأمة في أمر معلوم خطير يتعلق بأمن البلاد وأنه عمل لا يقترفه إلا المنافقون فإنه لا مناص لنا من قياس ما يشبهها عليها.

بعض الفضائيات التونسية لا مناص من مقاطعتها.

المقاطعة سلاح وسطي معتدل بل هو سلاح مدني حضاري إذ هو على مسافة من التأديب بالعنف المادي من جهة وعلى مسافة أخرى من الديوثية القيمية التي لا تردّ يد لامس فلا تغضب لهوية مهراقة دماؤها مسفوحة مياهها على قارعات الطريق أو تعرض رقيقا في أسواق النخاسة. المقاطعة سلاح نفسي ناجع وهو حق لكل مظلوم. الشريعة تعتمد مثل هذه الأسلحة النفسية في محالها (الهجر في المضجع وإعداد القوة إرهابا نفسيا للعدوّ أن تدفعه حماقته إلى حتفه). لو عمدت تلك الفضائيات إلى نقد موقف الإسلام من المرأة مثلا لما عاب عليها عاقل بشرط إلتزام الموضوعية إنصافا بين الرأي والرأي الآخر وحفظا لمقدسات كل دين. أما عندما تتجاوز ذلك إلى دعوة الملحدين والشواذ ليطعنوا في ثوابت الدين خرقا لإجماع الأمة على مرأى ومسمع من المسلمين والمسلمات فإن الأمر ليس له عنوان سوى إعلان الحرب ضد الإسلام في معلومه بالضرورة لأجل الدفع بالشباب إلى ردود فعل طائشة ليتحقق لهم مقصد تعويق المسار الإنتقالي الديمقراطي والنتيجة هي : دفع البلاد إلى مآل شبيه بالمآل الليبي أو السوري أو اليمني. أي : خرق لإجماع الأمة بقصد تعريض أمن البلاد إلى الإضطراب. وهو العمل نفسه الذي عوقب عليه أصحاب كرام تبطؤا منهم فحسب عقوبة قال فيها سبحانه ( حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ). قبل أن يضيّق علينا هؤلاء الملحدون الشذاذ الأرض أو أنفسنا علينا تضييق الخناق عليهم مقاطعة مدنية حضارية سلمية. أم لهم براءة في الزبر؟

المقاطعة مظهر من مظاهر التغيير السلمي الديمقراطي الإسلامي.

نقطة البداية في المنهاج الإصلاحي الإسلامي هو تغيير النفوس لأن الأبدان عربات تقودها النفوس (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). وبما أن الإنسان كائن إجتماعي ـ مدني بالضرورة ـ فإنه يأنس بمقبولية الناس له ويضيق بنفورهم منه ومقاطعتهم له. ولذا رتب التشريع الإسلامي سلاح المقاطعة ـ التي هي سلاح سلبي تركي مثل الصيام ـ لتأديب الناشزين ليس شماتة بهم ولا تشفيا وتنكيلا بل ضغطا خفيفا وموجعا في الآن نفسه على الوتر النفسي فيهم. فمن ألفى فيه ذلك الضغط الخفيف حياة نبذ نشوزه وآب إلى الجماعة نابذا التمرد عليها والإستخفاف بمقدساتها ومن سدر في غيّه فقد مات قلبه وإستخلصه الشيطان إليه بالكلية أو يكاد.

لا يحتاج الناس إلى شن حروب لا باللسان والقلم كما نشهد ولا باليد سيما عندما يكون الناشز عن الإجماع الديني أو الوطني معنا معيّة وطنية لحما ودما. إنما تكفي المقاطعة إذ هي إشعار بالغضب بل هي سجن قاس وعقوبة معنوية ذات مفاعيل سريعة. ذلك قبس من حكمة الشريعة الإسلامية في معالجة المشكلات.
الذين نقاطعهم اليوم هم الذين قاطعونا بالأمس : معاملة بالمثل.

لا يرتاب عاقل في أن الفضائيات التونسية محل المقاطعة اليوم هي الحاضنة الإعلامية للتيار الغربي الذي نظم صورا لا تكاد تحصى لمقاطعة الإجماع الوطني من بعد إنتخابات أكتوبر 2011 ( إعتصام الرحيل كان تتويجا لتلك المقاطعة الطويلة الموجعة). أنى لهم أن يعيبوا علينا مقاطعتنا لهم إحتجاجا سلميا ديمقراطيا حضاريا على تعريضهم بمحكمات ديننا وقد كانوا بالأمس القريب في حملة مقاطعة لنا بسبب رضانا بما رضي به التونسيون في أغلبهم من مؤسسات دستورية؟ ألا يؤمنون بالمبدإ الدولي : المعاملة بالمثل؟ أم يكون سلاح المقاطعة : حلال علينا حرام عليكم؟ تلك قسمة ضيزى.

الهادي بريك ـ مدنين ـ تونس