وطني و عربي و سياسي

الجمعة,19 يونيو, 2015
المفكر المتعسكر..”جرة قلم” في خدمة “جرة سلاح”

الشاهد_الشعب المصري في عيون من يسميهم المثقفين ألعوبة في يد طفل يلهو بها، وقتما يحتاجها يأتي بها، ويلمّعها، ويضعها في أفضل المواضع، وحين يتغير مزاجه، ويراها مملة، يقذف بها بطول ذراعه، وربما هشمها ودفع بها إلى سلة المهملات.

وكذلك يفعل المستثقفون في شعب مصر، فإذا أرادوا منه تبرير أفكارهم أو تمريرها، فهو الشعب العظيم الخالد الذي بنى أقدم حضارة، وأسس التاريخ وأنشأ أول دولة، ودحر الغزاة وكسر الطغاة وعلم البشرية كل شيء جميل، وهو الشعب الواعي الذكي القوي الجبار الذي قام بأعظم ثورة في التاريخ وسيقيم أعظم ديمقراطية في الحاضر والمستقبل.

ولكن، ما إن أدلى هذا الشعب نفسه، وبجموع غير مسبوقة، وبأعداد مليونية مدققة، بصوته لتأتي الأغلبية في الناحية الأخرى، حتى غضب عليه متألهو الثقافة والإعلام، ومدّعو احتكار المعرفة والفهم، ورموه بكل نقيصة: فهو شعب أمي، لا يقرأ ولا يكتب؛ ومن ثم يجب أن يكون صوته على النصف من أصوات المتعلمين (تهاني الجبالي) و(علاء الأسواني)، وهو شعب جاهل غبي، يخدعه تجار الدين ومشايخ السياسة وقنواتهم الفضائية، وشعب جائع متسول، يضحك عليه بزجاجة زيت وكيس سكر، وشعب متخلف يختار في كل مرة دعاة التخلف، هو بالجملة غير مؤهل بالمرة للسياسة أو الديموقراطية..

لذلك، يعشق المستبدون هذه الطغمة العلمانية، مدعية الثقافة والتنور والتقدم؛ لأنها تؤكد لهم أن مصرنا لا تصلح للديمقراطية، فيقولها المخلوع ووزراؤه من قبل، وبلا أدنى خجل، إننا لا نصلح للديمقراطية، وبيننا وبينها عقود، ويكررها “الانقلابي الطبيب الفيلسوف” إننا نحتاج خمسة وعشرين سنة، لكي نصلح لها، ويخرج المخبرون الاستراتيجيون وأبواق الإعلام الانقلابي، ومن شايعهم من أدعياء الشرعية الثورية من قبل يحتقرون الديمقراطية وشرعية الصناديق، وتلك الأفكار التي أضحت بالية، والمتعلقة بالانتخابات والإرادة الشعبية المعبر عنها بالتصويت، ويحتقرون الحياة الحزبية، ومفاهيم المعارضة والمشاركة السياسية والاتصال السياسي والفعل الجماهيري…

ويقولون للشعب: (اهتموا بالكرة، الكرة حلوة ومسلية، اتفرجوا على المسلسلات والأفلام، عيشوا حياتكم، بلا سياسية بلا قرف..)، إنها لعبة قتل السياسة واغتصابها وصناعة اللامبالاة بحقها، تارة بتشويهها، وتارة أخرى بتقديم الاهتمام بغيرها، فتُترك ساحاتها ومساحاتها لاستبدادهم وطغيانهم.

فالشعب واعٍ في 30 يونيو فقط، لكنه مغيب ومخطوف ذهنياً فيما عدا هذا اليوم الاستثنائي الفريد. واع في ديباجات خطاباتهم ودساتيرهم، ومغلوب على عقله، إذا ما اعترض أو رفض أو طالب أو ناشد، أو حتى توسل حقوقه وحرياته، فضلا عن أنْ يراجع أو يحاسب على وعود أو استحقاقات.

إنها ثقافة امتهان الشعب، واتهامه من هذه الفئة المنفصمة عنه، وفي الوقت نفسه، المصرة على احتكار التكلم باسمه، ولو رغما عنه..

إنها الفرعونية في أظهر صورها: (ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، (ما علمت لكم من إله غيري)، (أنا ربكم الأعلى).

هكذا يرى المستثقفون الشعب خيالاً، أو صورة ذهنية، أو حالة افتراضية لا أكثر. الشعب عندهم ليس له وجود واقعي، ليس الناس التي تمشي على الأرض.

إنه كلمة نستدعيها وقتما نشاء، ونستعملها كيفما نشاء، ونلقي بها في سلة المهملات، عندما نمل منها. لذلك، لا تجدهم يخالطون هذا الشعب إلا مخالطة الأجانب أهل البلد، ولا يتكلمون بلسانه، ولا يرتادون أماكنه، ليس فقط المساجد، بل أيضاً مقاهيه ونواديه وملاهيه وعامة مجالسه، فقد صارت لهؤلاء المستثقفين مساكنهم وأحياؤهم ومساراتهم و”كومباوندتهم” التي لا تتقاطع مع الشعب، فلا يرونه، ولا يشعرون به، ولا يحادثونه، وبالطبع، لا يسمعونه، ولا يأخذون عنه شيئا. فليس فيهم المثقف العضوي، ولا المثقف الحركي، ولا المثقف الكفاحي، بل ليس إلا المثقف العسكري (مثقف تمام يا أفندم).

المثقف الخادم للمستبد المتفرد الذي يلغي المؤسسات المنتخبة بجرة سلاح، وهم، من ورائه، يبررون كل جرائمه وجرائره بجرة قلم. يضللون الناس ويكرّسون الالتباس، ويتلاعبون بكل ميزان ومقياس، ولا يفيق الناس معهم، إلا على كارثة وانتكاس.

إن كارثة يونيو/حزيران 1967 ما كانت لتقع، لولا أمثال هؤلاء الذين كانوا يزينون للعسكر المستبد قمع الشعب وإرهابه والاعتقالات والتعذيب والقتل، باسم القانون أو خارجه.

وها هم اليوم وأبناؤهم يكررون الخطيئة نفسها.

وها هو أحد كبارهم الروائي يظهر معاداته الانتخابات في كل محطاتها، فانتخابات 2011 خطر إذا أجريت في موعدها، وحتى بعد الانقلاب ينصب من نفسه متحدثاً باسم الشعب، ويقول إن خارطة طريق الانقلاب أخطأت، حين قدمت الانتخابات البرلمانية على الرئاسية، وإن هذا لا يعبر عن “إرادة الشعب”، وكأن شيئاً ساعتها كان يعبر عن هذه الإرادة المستعارة.

ولو تراه حين تكاثرت الدعوات لحل برلمان 2012، ويدافع عن دور القضاء في ذلك، أما عند انتخاب الرئيس الانقلابي فدعا للمشاركة، والنزول لمجرد النزول، لتكثير السواد وصناعة الصورة، أو أخذ “اللقطة” بالحضور الكبير جرياً على نهج اللهاث الانقلابي ساعتها، فقال: انزل، ولو تبطل صوتك..

المهم أن تنزل؛ وكله من أجل شعبية وعيون “انتخاب المنقلب العسكري”.

النظر للشعب إما شعب “اللقطة” أو الشعب “الغلطة”، أو الشعب “الجعان المتنيل بنيلة”.

دومًا للرجل عنوان متكرر (مصر ليست مستعدة للانتخابات).  واليوم، وأمام الحمل الكاذب بانتخابات برلمانية، يعود ليقول كلماته المسمومة الممجوجة: الانتخابات في مصر سيئة السمعة بسبب انتشار الفقر، والأمية، وأنه متخوف من وجود (برلمان غير معبر عن إرادة المصريين)، وأن (مصلحة الدولة في تأجيل الانتخابات البرلمانية إلى حين وصول الشعب المصري إلى درجة من الوعي والثقافة).

أي وعي يريده الرجل في ظل الانقلاب، وأي ثقافة؟ طبعا الوعي المتعسكر، وثقافة الطاعة العمياء للاستبداد والفساد والرضا بالتبعية الشاملة، ومحاربة الذات وهويتها ومرجعيتها وثقافتها، وثقافة الفن الهابط الماجن؟

تقعيد يوسف القعيد لا يرى إلا شعبًا متخلفًا، لم يبلغ رشده ليستحق الديمقراطية والتعبير عن إرادته وخياراته، ولا يرى مصر أهلاً، إلا لاستبداد العسكر الدمويين، مصر بغير برلمان أحسن حالاً في نظر القعيد (سابقا) الذي يبدو أنه صار الأستاذ العقيد (حاليا).. إنه المفكر المتعسكر.

سيف الدين عبد الفتاح