كتّاب

السبت,10 سبتمبر, 2016
المعارضة في ظل حكومة وحدة وطنية السقف والافق… الجبهة و شتات المؤتمر من اجل الجمهورية

يفترض أن تكون مراحل الإنتقال تأسيسيّة تشاركيّة يتم خلالها تركيز قواعد التنافس للمرحلة الديمقراطيّة التي تليها غير أن تضارب المصالح و الخلفيات و الحسابات السياسيّة ناهيك عن الغرق في بعض العناوين الإيديولوجيّة قد يحوّل المرحلة الإنتقاليّة إلى مرحلة تنافسيّة قبل أوانها أي بقوانين غير ثابتة يحددها الأكثر تمكّنا و سيطرة على مربعات النفوذ، نفس التقدير ينسحب على مفهوم “الوحدة الوطنيّة” الذي يطرح كأداة لتجميع الفرقاء و توحيد جهودهم من أجل إستجماع شروط النجاح و خدمة المصلحة الوطنيّة.

بعد إرساء بعض لبناء الإنتقال السياسي تستعدّ تونس لتدشين مرحلة الإنتقال الإقتصادي الصعبة في ظل حالة من التوتر الإجتماعي و الأزمة الإقتصادية الخانقة على خلفيّة تراجع قيمة الدينار و تأخر الإستثمارات و مشاريع التنمية ناهيك عن مخلفات الضربات الإرهابية الغادرة على قطاعات مختلفة من الإقتصاد على رأسها القطاع السياحي، و لئن شملت حكومة الوحدة الوطنيّة تمثيليا عددا لا بأس به من الفعاليات الحزبية و الإجتماعيّة على إختلاف خلفياتها و مرجعياتها فإنّ جزء من مشهد المعارضة ما يزال سجينا في قواعد فرز ثنائيّة قوامها النفي و الشيطنة و الرفض في أحسن الأحوال.

على عكس ما يعتقده البعض فقد خرج الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي منتصرا من قصر قرطاج خاصة بعد الهزيمة الكبيرة التي مني بها حزبه المؤتمر من أجل الجمهوريّة في الإنتخابات التشريعيّة غير أنّه عجز إلى حدّ الآن تجميع و تأطير “حراك سياسي” أيا كان موقعه في السلطة أو في المعارضة و بقي شتات المؤتمر من أجل الجمهوريّة متناثرا أمّا أنصار المرزوقي من خارج حزبه فقد تعددت أسباب إبتعادهم عن صفّه، لينتهي إلى في النهاية إلى حراك برئيس معني بالقضايا العربية و أمين عام مغرم بالتعاليق الفايسبوكيّة الإنفعاليّة و العاطفيّة.

في الوقت الذي كان يفترض فيه لعب المنصف المرزوقي لدور سياسي أكبر في مشهد المعارضة كقوّة طرح تبيّن أن الأخير قد عجز عن التجميع أوّلا و عن التأسيس ثانيا ليتحوّل إلى مجرّد رقم يمكن أن يكون صعبا في المعادلة السياسيّة لكن بشروط لا يبدو أنها حاضرة و على رأسها البدائل و المواقف و حتّى المواقع أي أنّه بلا أفق واضح و بسقف سابق لا يدرك ماهيته و لا أدواته و وسائله كثيرون ممّن هم دونه.

في ذات مشهد المعارضة لم تغادر الجبهة الشعبيّة بعد شعاراتها الرنانة و صراعاتها الإيديولوجيّة لتتحوّل مجدّدا إلى قوّة إحتجاج تكاد تكون ميكروسكوبيّة بعد أن أصبحت عاجزة إلى حدّ بعيد على الركوب و إستثمار الحركات الإحتجاجيّة أوّلا و بعد الخلل الهيكلي الحاصل داخلها في ظل ما تعانيه من إشكاليات هيكلية و من صراعات تشارف على تفجيرها و هي التي كان يفترض أن تكون مظلة الشتات اليساري برمته.

صحيح أن الجبهة الشعبيّة قد نجحت إلى حدّ بعيد في تجميع شتات اليسار المشتّت منذ عقود و لكنها عاجزة حتى الآن عن تطوير قراءتها السياسيّة للمشهد و على الدخول في مراجعات جذريّة حقيقيّة تؤهلها لأدوار طلائعيّة في ظل غياب “تعبيرة إجتماعيّة” وازنة داخل المشهد التونسي و الثابت أن حساباتها الإيديولوجيّة باتت تجعلها بأفق واحد و هو العزلة و الإنكفاء على نفسها أمّا سقفها فقد أغرقته القراءات الخاطئة و أرهقته المواقع المتضاربة.

في ظلّ حكومة الوحدة الوطنيّة الحاليّة التي تشهد لأول مرّة سندا سياسيا واسعا من مختلف المرجعيات و خاصة في ظل دعم واسع برلمانيا لحكومة الشاهد فإنّ مشهد المعارضة سيكون أمام تحدّ صعب ما كان يجب أن يصله قسرا يتمثّل في تشكيل “وعي معارض” يحمي البناء الديمقراطي و يقدّم البدائل الجديّة للمشاركة في إصلاح السياسات و حتى تثويرها بعيدا عن الخطابات و المواقف المزاجيّة.