حواء

الخميس,25 يونيو, 2015
المطبخ والمسلسلات .. حصار على المرأة في رمضان

الشاهد_إذا كانت الليلة الأولى من رمضان سلسلت شياطين الجن، مصداقًا لقوله : “إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وأغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشرِ أقصر. ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة” (رواه الترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني).

لذلك فهم يخططون لهذا اليوم مبكرًا، ويعدون له العدة فينسقون مع شياطين الإنس في عمل خطة شيطانية محكمة لضمان إهدار هذه الأيام المباركة التي يمكن أن تضيف لحياة المسلم حيوات أخرى، ولعمره أعمارًا عديدة، وتنقلب منجزات البشرية وبالاً عليها؛ فتقنية البث الفضائي وسيلة رائعة للتعلم الذي كان يقضي الرجال قديمًا جل أعمارهم في التنقل بين البلدان للحصول عليه، وكان يعز على المرأة في كثير من الأحيان القدرة على مواصلة التعلم؛ نتيجة لطبيعة أدوارها التي تحتم عليها القرار في البيت.

أقول: كان من الممكن أن تكون تقنية البث الفضائي وما تبعها من انتشار الفضائيات وسيلة رائعة للتعلم والنهوض، خاصة للمرأة التي لن تنتقل من بيتها وسيكفيها إدارة جهاز التحكم في التلفاز؛ لكي تتعلم الكثير بدءًا من تعلم أحكام التجويد والاستماع لقراءة القرآن ممن أوتي مثل مزامير داود، مرورًا بأحكام الفقه وأحداث السيرة وكيفية تزكية النفوس، انتهاء لأفضل الطرق في تربية الأطفال وإعدادهم؛ كي يكونوا الجيل الذي سيغير وجه البشرية.

والحقيقة أن هناك العديد من القنوات الفضائية التي قدمت العديد والعديد من البرامج الرائعة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ولكن شياطين الإنس والجن بذلوا كل الجهد وتفننوا بعبقرية؛ كي يفتنوا المسلمين عن دينهم، ويصرفوهم إلى فضائيات أخرى تقدِّم لهم السيئات على طبق من ذهب، يزداد الأمر وضوحًا في رمضان؛ فالدراما المصرية وحدها قدمت نحوًا من ثلاثين مسلسلاً أغرقت المشاهدين بوابل من الدعاية المكثفة من قبل دخول الشهر الكريم، وملأت إعلانات هذه المسلسلات الشوارع والميادين العامة، وتكلفت ملايين الجنيهات (أحد هذه المسلسلات زادت تكلفة إنتاجه على 35 مليون جنيه)، بحيث يجد المسلم نفسه محاصرًا بهذه المسلسلات حتى ينتهي شهر رمضان، فيخرج منه صفر اليدين بل ربما قد زادت حصيلة السيئات.

إذا كان هذا هو حال المسلم المستسلم لهذه الفضائيات عمومًا، فإن المرأة المسلمة هي المستهدف الأول لشياطين الإنس والجن في رمضان، فهي إن لم تمتلك الوعي الكافي بحقيقة الشَّرَك المنصوب لها، ولم تمتلك الإرادة لرفض هذه السيطرة والهيمنة على حياتها، فسوف تسجن في رمضان في هاوية الفضائيات، وقد قيدت بقيد المسلسلات من جهة وبرامج المطبخ من جهة أخرى، فلن تقوم لها قائمة؛ فالمرأة بطبيعتها الرقيقة الحساسة التي شبهها النبي بالقارورة، تتجاوب أكثر من الرجل مع المسلسلات الدرامية، فتجدها تتماهى مع أبطال العمل الدرامي، وربما تذرف الدموع الساخنة تفاعلاً مع أحداث القصة، فالمسألة بالنسبة لها ليست مجرد إهدار لوقتها الثمين كالرجل، وليست مجرد التعرض للذنوب والسيئات -مع عظم ذلك- خاصة في هذه الأوقات الفاضلة.

فالكارثة الحقيقية تكمن في مجموعة المفاهيم المغلوطة التي تتسرب للبنية النفسية والعقلية للمرأة من جرَّاء كثرة المشاهدة وكثرة الإلحاح والتكرار لهذه المفاهيم، فتتمرد الكثيرات ظلمًا وعدوانًا؛ فالرجل الذي لا يقدم الزهور لزوجته كأبطال المسلسلات رجل جاف وغير عاطفي، مهما كان كريم المعاملة لطيف المعشر، والشاب الخلوق المهذب مرفوض؛ لأن الفتاة لم تتعرف عليه بالشكل الكافي كما حدث في عالم المسلسلات، وهذه الفتاة التي تجاوزت الخامسة والثلاثين جعلت من بطلة المسلسل الذي ظلت ترفض كل من يتقدم إليها نموذجًا يُحتذى بها، منتظرة الشاب المبرأ من كل عيب حتى يدق بابها و…و…

أما هذه المرأة التي تنوي متابعة جميع المسلسلات، والتي تتمنى ألا يفوتها عمل واحد، فإنها لن تصلي فقط صلاة القيام، ولن تقرأ القرآن ولن تذكر الله، بل لعلها لن تصلي الصلاة المكتوبة، وربما لن تستطيع النوم من حمى المتابعة.

أما القيد الثاني الذي يوثق المرأة في رمضان فهو هذا الطوفان من برامج المطبخ في رمضان، حتى كأن رمضان هو الشهر الرسمي لتناول الطعام، فهذا برنامج عن المطبخ الهندي، وهذا عن المطبخ الصيني، أما هذا فهو متخصص في المطبخ الإيطالي، وذلك البرنامج المشهور يقدم أكلات من كافة أرجاء المعمورة، وتظل المرأة المسكينة تتابع وتتابع الغريب والجديد من الأكلات، ثم تبحث عند الباعة عن المكونات الغريبة الموجودة في هذه الأطباق، ثم تقضي باقي نهارها في محاولة تجريب ما شاهدته، وحبذا لو كانت تستمع في الوقت نفسه لبعض المسلسلات، حتى لا يفوتها شيء من مائدة رمضان العامرة!

ألم يأن الأوان للمرأة المسلمة أن تعمل عقلها، وتمنح نفسها فرصة للتفكير قبل أن تنساق لمخططات الشياطين؟! كوني قوية.. كوني شجاعة.. ادعي الله أن يطهر قلبك.. ادعيه -سبحانه- أن يرزقك القوة التي بها تتخلصين من قيودك.. أغلقي هذه القنوات وشفريها وأنت ترددين {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84]، وليكن شعارك هذا العام رمضان شهر الصيام والقيام والقرآن.. لا شهر الطعام.

أعدي مائدة بسيطة.. اكتفي بطبق رئيسي واحد.. تذكري حال الصحابة.. لا تنسي الفقراء على مائدتك.

ثقي تمامًا إنك إذا دعوت الله بإخلاص أن تتفهم أسرتك معنى تغييرك لنظام المائدة، فإنك لن تجدي معارضة من زوجك أو أولادك.. كوني بشوشة وهادئة وواثقة من نفسك ومن الحق الذي تقولين وأنت تقولين لهم: رمضان شهر القيام لا الطعام، ومن يريد القيام فلا يسرف في الطعام.

وأخيرًا، لا تنسي أنك بامتناعك عن مشاهدة مسلسلات رمضان توجهين صفعة قاسية لشياطين الإنس والجن ممن أنفقوا الملايين لإفسادك وإهدار عمرك، وترسلين رسالة لأبناء أمتك أن المرأة المسلمة قادرة على المواجهة.. قادرة أن تكون في الصفوف الأمامية في ساحة النهضة التي لا محالة قادمة.. لا تنسي الاستفادة من البرامج الإسلامية الهادفة خاصة أيام الحيض، وأثناء انشغالك بالعمل المنزلي، وبإمكانك بعد رمضان انتقاء برنامج واحد من برامج الطهي بحيث تتعلمين منه الأسلوب الصحي في اختيار وإعداد الطعام، وتحتسبين بتلك النية هذه المتابعة، فنحن بحاجة إلى جيلٍ صحيح البنية قادر على مواجهة الأعباء الملقاة على عاتقه.

فاطمة عبد الرؤوف