الرئيسية الأولى

السبت,30 أبريل, 2016
المصالحة الوطنيّة و طيّ صفحة الماضي خيار استراتيجي لتونس ما بعد التوافق

الشاهد_ بعد حرب ضروس و آلاف القتلى مثّل إتحاد ألمانيا الشرقيّة و ألمانيا الغربيّة و إنخراط الطرفين في بناء الدولة الجديدة سببا رئيسيّا في القوّة الألمانية التي نشهدها اليوم و بعد سنوات السجن و القتل و التهجير لأبناء لونه تصالح نلسون مانديلا و أدخل جنوب إفريقيا في “كوسموسياسي” جديد مبني على التعايش بين البيض و السود و الأمثلة عديدة، ليست الغاية منها البحث عن غاندي أو مانديلا و لا عن “قائد فذّ” بقدر ما وراءها تجارب مقارنة يمكن من خلالها الوصول إلى حقيقة مفادها أن “المشترك” في الوطن و المصير يتطلّب تضحيات أكبرها و أعظمها على الإطلاق الخروج من أثقال التاريخ.

قبل نحو ثلاث سنوات من الآن إشتدّت الأزمة في الدول التي شهدت ثورات غير مسلّحة على غرار تونس و مصر بسبب قاعدة الفرز المبنيّة أساسا على “قديم/جديد” فإنتهت بمجازر و بالإرتكاس إلى المربّع ما قبل المربّع الأوّل في التجربة المصريّة و لكنّها فشلت في تونس بعد تجاوز هذه الثنائيّة إلى إدارة الإختلاف بالحوار بعيدا عن الإقصاء و الشيطنة التي لن تتوقّف حتما و لكن مفعولها و تأثيرها على الرأي العام سيتراجع و سيتراجع تبعا لذلك منسوب الإحتقان، و هنا تحديدا أيّا كان الموقف الإيديولوجي أو السياسي أو المصلحي من الحوار فإنّه الوسيلة الأكثر تحضّرا لإدارة الإختلاف و هو عمق و جوهر الديمقراطيّة و المعلوم أنّ الإقصاء شيمة الدكتاتوريّات.

الحوار الوطني في تونس نجح إلى حدّ بعيد في التخفيض من حدّة التوتّر الذي سيطر على المشهد العام في البلاد فـ”الكره يولّد الكره” على حدّ توصيف الفيلسوف “باروخ سبينوزا” و ليس التوافق و الديمقراطيّة التشاركيّة كإفرازات لهذا الحوار سوى تجليات عمليّة محسوسة و ملموسة على الخروج من نفق الثأر إلى أفق المصلحة المشتركة و العامّة و هذا بالضبط نقيض ما كان سائدا في البلاد لعقود من الزمن على مستويات مختلفة إجتماعية و إقتصادية و إعلاميّة و سياسيّة و الأهمّ أنّ هذا قد تمّ كلّه تحت سقف الدستور الجديد الذي كتب بدماء شهداء الثورة.

كان لابدّ للتأسيس لديمقراطيّة صلبة أن تنخرط كلّ الأيادي في تنزيل الدستور الجديد للبلاد و في تفعيل مطالب سياسية و إجتماعية و إقتصادية و في كل المستويات بما يلبّي حاجيّات الناس بعيدا عن الأحقاد و الثأرات التي أنتجت “سياسات الخوف المتبادل” بين ضحايا النظام السابق و بين عدد رموزه ممّن لم تصدر ضدّهم أحكام قضائيّة باتّة و الحلّ الأمثل لتجاوز حالة العطالة إقتصاديا و إداريا و على عدة مستويات أخرى هو الإنخراط في “مصالحة وطنيّة” بادر بطرحها في شكل مبادرة زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي بإسناد من عدّة أطراف أخرى من بينها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي.

الغنوشي طرح مبادرة لم يتحدّث عن تفاصيلها التي لم تصغ بعد بإعتبارها مسألة وطنيّة تهمّ الجميع غير أنّ المواقف منها قد إختلفت في تأويل النوايا بما يسيء للفكرة و يخرجها عن سياقها العام تماما كما أصبحت عدّة مصطلحات و عناوين لمبادرات مثقلة بالتجارب التاريخيّة فأطياف المعارضة مثلا إنقسموا إلى شقّين الأوّل لا يرفض المصالحة الوطنيّة شريطة المحاسبة و الحال أن المبادرة لم يتمّ تفصيلها للحكم على كونها  تشمل الإعتراف بحقوق الضحايا و الثاني يحدّد موقفه طبيعة التحالفات السياسيّة في المشهد فنفس من رفضوا قانون “تحصين الثورة” بدعوى أنّ الديمقراطيّة تقتضي إشراك الجميع في العملية السياسيّة يرفعون اليوم شعارات ضدّ المصالحة بشكل يظهر تناقضا مفضوحا في المواقف.

بعيدا عن إصدار المواقف من النوايا فإنّ إجماعا حاصلا بين الرافضين لمبادرة الغنّوشي للمصالحة الوطنيّة و المساندين لها على أهميّة المصالحة الوطنيّة و لكن الغريب أنّ لا أحد تجاوز العنوان الظاهري و طلب المرور إلى حوار وطني يدقّق و يحدّد تفاصيل هذه المبادرة التي ألقي بها في مشهد يفترض أن لا تختلف فيه المصلحة الوطنيّة مع المصالح الحزبيّة الضيّقة فإذا لم تنصف المصالحة الشاملة الضحايا في ظل تعطّل عجلة العدالة الإنتقاليّة و حالة التوتّر التي تمر بها البلاد فلن تنصفهم الأحكام على النوايا.

مجول بن علي

 

 



رأي واحد على “المصالحة الوطنيّة و طيّ صفحة الماضي خيار استراتيجي لتونس ما بعد التوافق”

  1. مع او ضد يتحدد مصير البلاد ..تحالفات المصالح العليا ..او تحالفات المصلحية الحزبية ..فيبقى التجاوز او الاحتقان

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.