كتّاب

الثلاثاء,17 مايو, 2016
المشهد التونسي : ضمور السياسة و مخاطر الفراغ

12065507_10205329376262473_1473281544539723352_n

الحبيب بوعجيلة

تستعد حركة النهضة أكبر أحزاب الائتلاف الحاكم في تونس لعقد مؤتمرها العاشر الذي يصفه متابعون بالولادة الجديدة لهذا الحزب . و في غياب تاريخ واضح لمؤتمر “نداء تونس” أعلن رضا بلحاج استقالته من رئاسة الهيئة السياسية لهذا الحزب في سياق أزمة متواصلة تعصف به منذ الانشقاقات التي اندلعت داخله مباشرة بعد فوزه بالمرتبة الأولى في تشريعيات 2014 و تمكن رئيسه “الباجي قايد السبسي” من الفوز بالسباق نحو قرطاج .

في سياق متصل يعيش الحزبان المتبقيان في الائتلاف الرباعي الحاكم أزمات مكتومة ليس أقلها نواب من كتلة “الاتحاد الوطني الحر” و تمرد بعض نواب “آفاق” في التصويت على قانون البنوك بعيدا عن “توافقات” الرباعي الحاكم .

 

قلق و مخاوف …..

رغم بعض الاجماع الحاصل على فرادة تجربة الانتقال السياسي في تونس مقارنة بباقي بلدان “الربيع العربي” التي تغرق الآن في مواجهات دامية فقد بدأ الشك يتسرب للمتابعين خوفا على مصير البلاد بعد قرابة السنتين من انتخابات أعادت الى الواجهة ما يسميه البعض برموز المنظومة القديمة و أحزاب المال و الاعلام مع استمرار حضور حاسم لحركة النهضة و هزيمة مدوية لأحزاب المعارضة السابقة للرئيس المخلوع .

هذا الخوف على مصير “النموذج التونسي” تبرره وضعية “التوافق الهش” و بداية اختلال التوازن بين “نهضة ” تبدو متماسكة و تسير قُدما نحو “تحيين” نفسها في سياقات وطنية و محلية و دولية متحركة و “شركاء” مرتبكين يتجلى ضعف تجانسهم الحزبي و اشتداد الانقسام داخلهم ما أثر على أداء ائتلاف حاكم يبدو عاجزا أمام ارتفاع الطلب الاجتماعي في الجهات و لدى الفئات المهمشة التي طال انتظارها بعد سنوات خمسة من “ثورة ” قامت على مظالم التهميش و الحرمان و البطالة .

مقولة “التوافق” و “المصالحة” التي تقيم عليها حركة النهضة جوهر تعاطيها مع تعقيدات المشهد التونسي تصطدم بغياب “شريك واضح” من “المنظومة القديمة” لانجاز هذا “التصالح” معه اذ يبدو “الدستوريون” أنفسهم في وضع من التصدع و الاختلاف في التقدير و “الزعامات” مما يجعل “راقص التانقو” النهضوي بلا رفيق واضح و مستعد لانجاز هذا “التوافق التاريخي” .

ارتباك شركاء “النهضة” فاقم من أزمة ائتلاف حاكم لا يبدو مستعدا بخطة واضحة لمواجهة الملفات الحارقة و المفتوحة التي تواجه البلاد بداية من ايقاف نزيف الفساد الذي ينخر اقتصاد البلاد و محاصرة بؤر الارهاب الذي يندغم مع آفة التهريب التي يقودها كبار الحيتان وصولا الى حسم مصير المحاسبة و المصالحة و استرجاع المال المنهوب و رد المظالم و التعويض للضحايا للتفرغ لملفات التنمية و اصلاح مؤسسات الدولة و قطاعات التربية و التعليم و حسم التجاذبات الثقافية و الانفلات الاعلامي .

ليس بعيدا على هذه المآزق يعيش الاقليم و الواقع العربي حالة من الاحتقان المؤذن بمواجهات مذهبية و طائفية و عرقية خطيرة لن تكون تونس بمعزل عنها في سياق تشكل المحاور و تداخلها و اختلاط الأوراق بين حلفاء محليين و دوليين تختلف أطراف الحكم في تونس في مواقفها منها و سوف تواجه هذه الأطراف بالضرورة مأزقا أخلاقيا و سياسيا اذا اضطرتها تطورات الأحداث الى أخذ مواقف واضحة منها خصوصا مع توجس الجار الغربي (الجزائر) من قدرة الرباعي الحاكم في تونس على حسم أمره بما يحفظ أمن الجيران دون افساد الود مع حلفاء متنوعين قدامى أثناء الاستقطاب الخطير الذي شهدته الساحة السياسية في تونس على امتداد السنوات الماضية بين “الترويكا” و “جبهة الانقاذ” .

 

“الشيخان” ….ضمان لا يدوم …

في سياق أزمة “الانسداد السياسي” يظهر “الشيخان” قايد السبسي و الغنوشي ملجأ دائما لفتح الأفق و لكن رصيد الرجلين في صناعة “المنفس” يبدو بصدد النفاذ .

فالرئيس الباجي قايد السبسي يبدو حاليا في وضع حقيقي من الضعف بعد فشله في الحفاظ على تماسك “آلته الحزبية” و بعد اهتزاز قدر كبير من نفوذه “الكاريزمي” لدى “محبيه” من عموم “المحرومين” الذين غمرهم بوعوده أثناء الانتخابات و لدى “حلفائه” القدامى ممن صدمهم بقبول التحالف مع خصمهم الايديولوجي أو ممن حرمهم من كعكة “الحكم” التي تبرع بها على “رئيس حكومة” مستقل استقوى بالادارة و لم يوسع في صحن الغنيمة للحزبيين .

أما راشد الغنوشي فلم يعد له مجال واسع لحماية ائتلاف حاكم و توافق سياسي لم يقدم شيئا على الأرض و لا يستطيع ان يصمد طويلا أمام طلبات الناس . و من ناحية أخرى فالرجل لا يستطيع ان يبرز اكثر كمتحكم في استقرار مشهد سياسي يتوجس كل لاعبيه من سيطرة النهضة أو بروزها كطرف أقوى مما يحشد الجميع ضدها في واقع لم يتخلص نهائيا من المخاوف”الايديولوجية “.

 

مؤسسات الدولة …مخاطر الاختراق

في وضع هشاشة الائتلاف الحزبي المُسمى حاكما يُعلق الناس أملا على مؤسسات “الدولة” لضمان الاستقرار و حماية البلاد من مخاطر الانسداد السياسي و ضعف الأحزاب و لكن هذه “المؤسسات” تبدو بدورها في حال من الوهن الذي يُعسر عملها .

رئيس الحكومة الذي تستهدفه بعض أحزاب الحكم أصلا يبدو “يتيما” وسط ائتلاف حكم تخترقه التجاذبات و تضارب المصالح و يظهر وزراؤه غالبا بمثابة لاعبين لحسابهم الخاص في معركة “خلافة” مشبوهة أو “حملات انتخابية” سابقة لأوانها .

و من ناحية أخرى يبدو الفريق الحكومي محاصرا بلغط كبير تثيره مشاريع القوانين التي تم عرضها على مجلس النواب حيث لاقت معارضة شديدة تتعلق بمخاطر الاقتراض و الخضوع لأوامر القوى المالية الدولية و شبهات ارتباط بعض الوزراء بدوائر تمس من استقلالية القرار الوطني .

أما غرفة البرلمان فتبدو تحت قصف معارض يطعن في استقلالية قرار نواب الائتلاف الحاكم و استقوائهم بأغلبية تتجاهل ماتدعيه من منطق التوافقات على المصلحة الوطنية و انصاف الفئات الشعبية . و في ظل التباطؤ في تشكيل الهيئات الدستورية و استكمال القوانين المنظمة للحياة السياسية يبدو المجلس التشريعي عاجزا على انقاذ “الاستقرار” اذا هدده ضعف أحزاب الائتلاف أو أربكه احتقان الوضع الاجتماعي و مخاطر الارهاب و اهتزاز امن الاقليم و المنطقة العربية .

المؤسسة الامنية و ما تحققه من نجاحات في مواجهة الارهاب بالشراكة مع المؤسسة العسكرية العتيدة و التي تنأى بنفسها عن الصراعات السياسية يبدو خيط الامل الوحيد للمواطنين المعنيين أساسا بأمن البلاد و حرمته و لكن تواصل الانفلات الاعلامي الذي ينفخ في نار التشكيك في استقلالية المؤسسات الحاملة للسلاح و يمعن في معالجة الملفات الاستخبارية و الامنية على مرأى الجميع و مسمعهم يمكن أن يكون سببا في ارباك أداء هاتين المؤسستين مما يضع البلاد على كف عفريت .

ان كل استمرار في تجاهل مخاطر انتقال الوهن “الحزبي” و صراعاته الى مؤسسات الدولة يفسح المجال الى تعمق “الفراغ” في حكم البلاد مما يفسح المجال اكثر للوبيات و مراكز النفوذ و المصالح التي بدأت في التشكل بصورة رهيبة و مفزعة و التسرب الى مؤسسات الدولة و محاولة السيطرة عليها مما يجعل “سيادة الدولة ” نفسها محل تجاذب مع ما يعنيه ذلك من تناهش و افتكاك حتى للعنف المادي و الرمزي الذي يجب أن يكون احتكاره شرعيا من طرف الدولة لصالح الجميع لا لصالح الاقوى الذي تمكن من افتكاكه .

 

لوبيات بلا رقيب معارض …

تمكن اللوبيات المالية و مراكز النفوذ و المصالح الاقتصادية الداخلية و الخارجية من التسرب الى مجالات العمل الحزبي و الاعلامي و الثقافي قد يكون مقبولا في تلك الحدود لكن خطر هذا التسرب الى مفاصل الدولة يصبح مؤذنا بانفجار الدولة و تحولها الى دولة فاشلة و مخترقة .

هذه هي مجمل التحديات التي تواجهها البلاد في سياق تحليل لطبيعة الائتلاف الحاكم و حالة مؤسسات الدولة و يكتمل التحليل اكثر حين نتوقف سريعا عند وضع الوهن الذي تعيشه مؤسسات المجتمع المدني و احتداد الصراع بين منظمتي الاعراف و الشغالين و غياب امكانيات تشكل سريع لقوة معارضة وطنية وازنة تستطيع أن تعدل المشهد السياسي و تمنحه طاقة تجدد تقيه وضع الجمود في توازن الضعف و الانسداد بالإضافة الى وضع اعلام مخترق ممعن في تبخيس السياسة و تعميق الاحتقان و الانقسام و نشر ثقافة الاستقالة و الاحباط و الانسحاب من الشأن العام مما يهدد بتنامي مشاعر التطرف و التفكير في الحلول اليائسة التي تعصف بما تبقى من سلم اجتماعي و دولة قائمة .