كتّاب

السبت,10 سبتمبر, 2016
المشاركة العلنية لليسار في حكومة الشاهد…نحو تفكيك اسلوب الظل

عندما تكوّنت الترويكا بعد إنتخابات 23 أكتوبر 2011 التأسيسيّة تشكّل تحالف هو الأوّل من نوعه في تونس ضمّ حزبا يساريّا و آخر لبراليا و حركة النهضة الإسلاميّة في البلاد معلنا خطوة أولى في إتجاه القطع مع التنافي الإيديولوجي إلتزاما بنتائج الصناديق و قد كان من الوارد جدّا أن تضمّ تلك التركيبة كل الشركاء من اليسار و القوميين و اللبراليين غير أن الحسابات السياسيّة و تغليب البعض لمعاركهم الإيديولوجيّة حال دون ذلك لتشهد تونس ميلاد المعارضة لحكومة الترويكا الأولى قبل حتى التعرّف على ملامح مشهد السلطة نفسه.

في سنتي 2012 و 2013 تعمّقت التجاذبات الإيديولوجيّة أكثر و إختارت تبعا لذلك التنظيمات اليسارية أن تأسس لصراعها الوجودي المبني على النفي مع الإسلاميين و حركة النهضة و حتى حلفاءها خصوصا متحرّكة في إتجاهين أساسيين الأوّل يتعلّق بإستثمار بعض المساحات في الشارع و النقابات و المجتمع المدني و الإعلام و مربعات النفوذ الأخرى أمّا الثاني فيتعلّق بتشكّلها هي نفسها في جبهة موحدة لتفتح لنفسها “جبهة” إيديولوجيّة طمستها مبادرة الحوار الوطني بعد أن كادت الأمور أن تخرج على السيطرة إثر إغتيالين سياسيين غادرين.

حدّد الدستور التونسي الجديد قواعدا جديدة للتنافس و التدافع السياسي على أسس ديمقراطيّة بما يقطع مع منطق التنافي الإيديولوجي و عمّد منهج التوافق قاعدة المشاركة في إدارة الشأن و خدمة المصلحة الوطنيّة تثمينا للإختلاف لا تحاربا و تهريشا و شيطنة على أساسه غير أن بعض التشكيلات اليساريّة أبقت على قاعدة الفرز الإيديولوجي تعيد إنتاج نفس الخطابات حتّى أنها تعزل نفسها أو تكاد في كلّ مرّة و كثيرا ما وضعت نفسها في نفس سلّة التقاطع الموضوعي و حتى المعلن مع أطراف يفترض أن لا تتقاطع معها مطلقا.

مشاركة بعض الوجوه اليساريّة في حكومتي الحبيب الصيد الأولى و الثانية تحت صفة “مستقلين” أو “تكنوقراط” رغم وضوحها كانت دليلا قطعيا على أن على يسار المشهد إختلاف في تقدير الموقف و الرؤى من المشاركة في العملية السياسيّة الجارية في البلاد منذ هروب المخلوع زين العابدين بن علي و لكنّها مشاركة بأكثر وضوح و بخلفيات معلنة في تركيبة الفريق الحكومي ليوسف الشاهد و هو من ناحية المنطق السياسي المبني على التوافق و على فكرة الوحدة الوطنيّة أمر طبيعي و عادي بل لعلّه منتظر و لكن قد يكون ذلك أيضا إعلانا من يسار المشهد و بعض رموزه “رمي حجرهم”.

لا يخفي تاريخ العقود الأخيرة في تونس مشاركة جزء من اليسار في السلطة و إستحواذه على عدد من مربعات النفوذ التي لا تزال تخضع لنصوصه و قراءاته التي تجاوزها حتى أصحابها أنفسهم و لا يخفى أيضا على العارفين بدقّة بخفايا المطبخ السياسي أن بعض التشكيلات الحزبية اليساريّة و إن أعلنت عاليا إصطفافها في المعارضة فهي الأكثر تواجدا و نفوذا داخل النظام الحالي أو يسميه البعض بـ”الظل” أو “الدولة العميقة” و في كل الأحوال فإن مشاركة وجوه مثل أمين عام حزب المسار سمير بالطيب و الأمين العام المساعد السابق لإتحاد الشغل عبيد البريكي في حكومة الشاهد دليل على خطوة للخروج من “الظل”.

أيّا كانت القراءات و التحاليل التي قد تصل حد التضارب و التباين فيما بينها فإنّه على قدر الحرص على إنجاح مسيرة تركيز لبنات و مؤسسات الدولة الديمقراطية في تونس على قدر ما ستتعرّى و تعزل أساليب النفي و الشيطنة القائمة على اساس إيديولوجي أمّا “أسلوب الظل” أو “العمل السرّي” فقد قطعت معه الثورة قبل أكثر من خمس سنوات معلنة ترحيل جغرافيات الخوف من نفوس المحكومين إلى نفوس الحكام.



رأي واحد على “المشاركة العلنية لليسار في حكومة الشاهد…نحو تفكيك اسلوب الظل”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.