الرئيسية الأولى

السبت,23 يناير, 2016
المستحيل بين اليسار والإسلاميين!

الشاهد _ أنطلق من تصريح “د.مصطفي بن جعفر” زعيم حزب التكتل الديمقراطي(تونس) لوسائل الاعلام حول نتيجة تحالفه السياسي مع حركة النهضة في المرحلة الانتقالية (2012-2014) والذي انتهى فيه إلى أن تحالفه مع النهضة قد كلفه ثمنا غاليا، جاعلا من المتلقي ينتهي إلى أن كل تحالف مع حزب النهضة الإسلامي هو تحالف مميت. ولكن من قتل “بن جعفر” وحزبه فعلا؟.

“د. بن جعفر” سياسي مخضرم وديمقراطي معلن منذ خروج جماعة الأحرار من حزب الدستور سنة 1971عن الإجماع البورقيبي وتأسيسهم لتيار حقوقي ديمقراطي كان من نتائجه تأسيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان. وقد واصل نضاله السياسي حتى الثورة تحت يافطة حزب التكتل وتحالف مع النهضة رغم رصيده النيابي القليل وسمح له ذلك بترأس البرلمان (المجلس التأسيسي) إلى حين إصدار الدستور وانجاز انتخابات 2014. ينتهي الآن في تقييم مسيرته إلى أن هذا التحالف قد قضى عليه. لكن لا يوضح الكيفية وإنما يكتفي بأن شارعا ما عاقبه على هذا التحالف. لقد اُتُّهِم بخيانة قواعده وناخبيه لكن لماذا تعتبر جماهير الحزب العريضة أن التحالف مع النهضة خيانة؟

النهضة لحمة الكرومة

 

في المثل التونسي الشعبي أن لحمة الكرومة (عنق الخروف) متّاكلة ومذمومة. إنها قطعة لذيذة من لحم الخروف الجميع يحبها، لكنها ليست لحمة يفخر آكلها (في عالم يكون الفخر فيه بكبر قطعة اللحم على الجفنة). مثل بن جعفر كمثل آكل لحمة الكرومة. رغب في رئاسة المجلس بقوة الإسلاميين وصرح في مجالسه أن الدستور سيسمى ذات يوم بدستور بن جعفر ورغم الموقع القيادي الذي وضعه فيه تحالفه مع النهضة ورغم خيانته لحليفه القوي يوم أغلق المجلس موفرا فرصة لاعتصام الرحيل لينقض على الحكومة فإنه لا يقرُّ بهذا الفضل ويرى فقط نهايته متهما بها النهضة دون أن يسأل جمهور حزبه ما الذي في النهضة ليهرب منها؟

جمهور حزب التكتل في غالبه جمهور حداثي بميول يسارية أو هو يساري متخف في إيهاب ديمقراطي. وقد اعتبر منذ البداية أن تحالف بن جعفر والمرزوقي (المؤتمر من أجل الجمهورية) مع النهضة قد أنقذ النهضة من مقصلة العزل السياسي والاقصاء. وقد حوسب الرجلان من قبل الشارع اليساري والحداثي على هذا التحالف. لقد كان مطلوبا من الجميع أن لا يقترب من النهضة حتى تجد نفسها واقفة في صف وحدها فتحكم وحدها (باعتبار الأغلبية) حتى تفشل وتسقط وتتلاشى (وقد كان هذا موقف نجيب الشابي يوم أعلن المعارضة قبل تشكيل حكومة الجبالي) لكن تحالف الحزبين معها أنقذها وبالتالي عليهما دفع الثمن.
ليست النهضة من يقصي إذن بل هي التي تتعرض للإقصاء وهنا نعود إلى السؤال الأصلي في العنوان لماذا لا يقوم هذا الحوار بين الإسلاميين واليسار (بكل فصائله) في تجربة بناء الديمقراطية التونسية خاصة والعربية عامة؟

تجارب إقصاء الإسلاميين تتعدد وتتشابه .

 

إن خلفية الانقلاب العسكري في مصر وخلفية تحول الثورة السورية إلى حرب أهلية وخلفية حرب على صالح في اليمن على الثورة اليمينة بنيت على منع الإسلاميين من الحكم والمشاركة فيه. هناك إجماع يساري عربي على عدم التعامل والتنسيق مع الإسلاميين حيث ما ظهروا وهناك اتفاق بين التيارات القومية على قطيعة جذرية مع تيار الإسلام السياسي والذي يعتبرونه كله حركة الاخوان المسلمين منذ حادث المنصة (الزعم باغتيال عبد الناصر).

لقد حدثت حالات تعاون بين هذه التيارات في ظل الدكتاتورية وكانت انتخابات النقابات المهنية قد شهدت تعاونا وتنسيقا، وكان جمهور الإسلاميين يشكل قاعدة ناخبة مطيعة ومفيدة. وكانت حركة 18من أكتوبر 2005 بتونس حالة من التنسيق السياسي الذي شارك فيه الإسلاميون. كما جرت حوارات كثيرة صلب اللّقاء القومي الإسلامي بين تيارات قومية وإسلامية طيلة التسعينيات وفي أول الألفية. وقد أثمرت أدبيات وتنظيرات تؤسس لتعاون سياسي مستقبلي. لكن بعد الثورة العربية انقطع حبل الود وتبين أن التنسيق كان هشّالا(أو مغشوشا) وأن أغلبه كان ترصّدا لجمهور الأحزاب الإسلامية ليتَّخذ مطية لأمثال حمدين صباحي (مصر)أو نجيب الشابي (تونس) ليصل على أكتافه إلى السلطة (وكان بن جعفر أحد الذين حكموا بهذا الجمهور).

 

كما يمكن أن نضيف أن ارتباك الوضع السياسي الانتقالي الحالي في تونس ناتج بالدرجة الأولى عن هذا التنافر اليساري الإسلامي. فقد وجد الإسلاميون أنفسهم في وضع الاختيار الصعب بين وضع المعارضة المهددة بالإقصاء ووضع التحالف/التوافق مع خصم سياسي لم يكنَّ لهم الخير طيلة تاريخهم. فاختاروا ما رأوه أهون الشرين بالنسبة لهم. بعد تجربة في الحكم جعلها اليسار علقما بتنسيق قوي وفعال مع حزب النداء (وريث النظام القديم ومجدده) في اعتصام الرحيل الذي أسقط حكومة الترويكا في بداية سنة 2014.

 

هذا الاختيار أنقذ النظام القديم من التلاشي وأعطاه نفسا جديدا ويجري الآن تبادل الاتهام بين اليسار التونسي وتيار الحداثة عموما (رغم أن فيه عمقا ندائيا) والاسلاميين بإنقاذ النظام الذي قامت عليه الثورة. فاليسار يتهم النهضة بإنقاذ النداء فيرد الإسلاميون إن الانقاذ بدأ واكتمل بتكوين جبهة الإنقاذ التي كان حزب النداء عصبها الأساسي طيلة سنوات 2012 و 2013 و2014.

 

وقد كشف الصراع حول قانون عزل التجمعيين (النداء) عمق هذا الاختلاف واستعداد اليسار ليكون مطية لعودة النظام من خلال رفضه قانون العزل السياسي.(رغم أنه عزله بالقانون الانتخابي لسنة 2011 الذي وضعته هيئة “بن عاشور” اليسارية والحداثية في أغلبها والتي كانت النهضة فيها أقلية عددية).

جرح الديمقراطية العربية الذي لا يندمل

 

إن ما يجري الآن من احتراب أهلي غير مسلح في تونس وعسكري في مصر هو نتيجة هذا الاختلاف بين التيارين. فقد لعب اليسار لعبة التحالف مع العسكر في مصر وشاركه القوميون بكل شخصياتهم وزعاماتهم وفي تونس لم يتورط الكثير من القوميين في مثل هذه التحالفات لكنهم لم يغادروا موقع الرفض المطلق للتنسيق مع الإسلاميين واعتبروهم دوما خونة وغير وطنيين. وقد كان الملف السوري عقدة في منشار كل تقارب بين هذه التيارات. والجميع يتبادل الاتهام بالولاء لجهات أجنبية. وقد وصل الأمر ببعض اليسار التونسي والمصري إلى التحالف مع مشيخات الخليج من أجل القضاء على الإسلاميين.

 

والنتيجة الظاهرة هي أن عملية التدرج الهادئة نحو الديمقراطية انقطعت وترسخ استقطاب مؤذٍ لكل التجربة والجميع يخسر على كل الأصعدة والشوارع العربية تراقب المشهد وتزداد خيبتها من الجميع والانفلاتات تتهيأ ليوم لا يمكن لأحد التنبؤ بما وراءه. وسؤال يلح هل كان يمكن اجتناب كل هذه المجزرة الديمقراطية؟

 

مناسيب التفاؤل بمصالحة تاريخية على قاعدة الثورة العربية والقطع مع الأنظمة الديكتاتورية ومناويلها الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة تتضاءل وتتلاشى. والقطيعة تتعمق وتفتح على المجهول. وأكثر المتفائلين يكتفون بالدعاء أن لا تنفجر حروب أهلية هنا أو هناك فالخناجر مسلولة والتجريم متبادل. فضلا على أن هذا الاختلاف والتنافر هو الذي فتح باب التعاون والتحالف مع جهات أجنبية تعمل على أن تجد لها مواقع أقدام في الأقطار العربية. فلا فرق من حيث الطبيعة الخيانية للمسار من أن تتحالف مع الإمارات وإيران وفرنسا ضد الإخوان والنهضة أو تتحالف مع قطر وتركيا ضد بشار وأنصاره. فالنتيجة واحدة هي جعل الساحة الوطنية ميدانا لغير أهلها يخوض الأجانب في تفاصيلها ويوجّهون سياساتها.

 

رغم ذلك سيكتب التاريخ أن تجربة الإسلاميين المحدودة في الحكم أثبتت أنهم الأكثر انفتاحا على الحوار وأنهم مستعدون لاقتسام المسافات نحو نقطة وسط. وأن حساباتهم الحزبية قابلة للقسمة مع شركاء الوطن. كما أثبتت التجربة أنهم يخطئون ويصيبون وأنهم ليسوا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.بما يجعل التعامل معهم ممكنا بالتفاوض لا بالإقصاء. وليس بن جعفر إلا أحد الذين جربوا هذا التفاوض المفضي إلى إنهاء الصراعات لكنه في لحظة النقد الذاتي يهرب من حقيقة فائدة التعاون ليواصل التَّمَوْقُعَ خارجه ناكرا ما جناه من غنائمه. فهو مثال على آكلي لحمة الكرومة الإسلامية وذمها. ولعل نقطة الضوء الوحيدة في هذا النفق المظلم هي أن الشارع يتعلم ويقرأ النوايا والأفعال وسيحكم عاجلا أو آجلا. لقد بدأت الثورة تُخَلِّق وعيها في العقول.

 

إن أفق الديمقراطية العربية (وإن مُجِّد في تونس بجائزة دولية) يبدو مغلقا ومحبطا مادام هذا الصراع قائما، ومادامت تنازلات الإسلاميين تقرأ ضعفا منهم. ولقد كتبت دوما أن أفق الإحتراب الأهلي بين هذين التيارين هو الأقرب وما يجري الآن هو تأجيل للحرب لا إلغاؤها.

د. نورالدين العلوي



رأي واحد على “المستحيل بين اليسار والإسلاميين!”

  1. نجيب الشابي لم يتحالف مع النهضة ورغم ذلك حزبه تلاشى كحزب بن جعفر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.