كتّاب

الخميس,7 أبريل, 2016
المسار الفكري لحركة النهضة ورهان التجديد

rafik abdesslem

بقلم د. رفيق عبد السلام

الشاهد_هناك الكثير من الجدل يجري اليوم حول الاتجاهات المستقبلية لحركة النهضة وهي تستشرف مؤتمرها العاشر، بين من يرى هذا المؤتمر سيمثل انقلابا كاملا في المسار الفكري لحركة النهضة وَبَيْن من يراه مجرد مسحة تجميلية لا غير ، طالما ان النهضة لم تعلن صراحة،ومن دون مواربة انها أضحت حزبا علمانيا خالصا بما يعطيها جدارة الدخول للنادي الحداثي المحروس بعناية، حتى أن احد المعلقين الصحافيين كُتب ساخرا ” تمخض الجبل فولد فارا” قبل ان تبدأ اشغال المؤتمر أصلا، ولعل مثل هذه القراءات الثنائية تختلط فيها الحقائق بالأوهام ، فلا المؤتمر القادم مجرد مسحة تجميلية شكلية، ولا هو بداية من العدم والغاء لكل شيء.

ومن دون الخوض في بعض القضايا الأكاديمية التي تتعلق بالعلمانية اصطلاحا ومفهوما، وهو الامر الذي بسطته في كتابي المعنون “في العلمانية والدين والديمقراطية”، اكتفي هنا بالتأكيد على ضرورة إبعاد هذا الحوار عن ساحات الجدل الأيدولوجي من قبيل العلمنة او الأسلمة، والتركيز بدلا من ذلك عن قضايا محددة وعملية تنفع الناس في احوالهم ومعاشهم.

سبق للمفكر المغربي المرحوم محمد عابد الجابري الذي لا يتهمه احد بانه لم يكن تنويريا او حداثيًّا بالاستعاضة عن مفهوم العلمنة او اللائكية بمفاهيم اكثر ضبطا مثل الديمقراطية التي يعتبرها المهمة التاريخية المجهضة في العالم العربي، اذ من الممكن ان نصنف الناس بأنهم ديمقراطيون او غير ديمقراطيين بحسب التزامهم بالآليات الديمقراطية المتعارف عليها دوليا ولكن من الصعب، بل من العبث، ان نصنف الناس او ان نقيس اسلامهم او علمانيتهم ، فهذا شان شخصي لا سلطان عليه غير ضمائر الناس وقناعاتهم الحرة .

 

كما ان المشرع التونسي قد حسم الجدل حول الهوية بتثبيت الفصل الاول من دستور الجمهورية الذي أكد “تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة.

الاسلام دينها والعربية لغتها” ، بعدما كان هناك استقطاب حاد بين من راهن على التنصيص على الشريعة من جهة، ومن أراد التنصيص على لأئكية الدولة على الجهة الاخرى. الا ان هناك من يدفع مجددا باتجاه اقحام الصراع الأيدولوجي في الساحة السياسية واثارة زوابع حول الأسلمة والعلمنة، والحجاب والنقاب وغيره، حتى يتم الاستثمار في هذه الحروب العبثية.

 

ان التطور الفكري لحركة النهضة كان في الغالب استجابة لضغوط وحتى اكراهات البيئة السياسة، ومن يتصور ان السياسة هي فعل إرادي ذاتي فهو واهم الى حد كبير، اذ السياسة في جوهرها تفاعل مع معطيات الواقع وحساب دقيق لموازين القوى التي لا يعتبر الفرد او المجموعة السياسية سوى أحدى عناصرها الفاعلة لا غير.

ما أردت قوله هنا هو ان النهضاويين شانهم في ذلك شان كل السياسيين هم فاعلون سياسيون بدرجة أولى يتأثرون بنوعية المحيط السياسي والثقافي العام الذي يشتغلون ضمنه، وليسوا بكائنات ميتافيزيقية خارج الزمان والمكان،ولذلك فان نهضاوي اليوم ليس بالضرورة نهضاوي الثمانينات او التسعينات، بعدما جرت مياه كثيرة في نهر السياسة التونسية والإقليمية، ويحسب لحركة النهضة قدّرتها على المراجعة والتكيف مع المحيط، وربما يعود هذا الى ان القيادة السياسية، وخاصة من الجيل الثاني ، هي في اصلها نخبة شبابية حداثية نشأت في صورتها الغالبة في الجامعات والنوادي الثقافية والساحات العامة، قبل ان تلقي بها موجات القمع في أتون المحن السياسية.

فقد بدأت النهضة منذ بداية الثمانينات وبدافع الحركة الديمقراطية التي كان يقودها احمد المستيري من الانجذاب لمقولة الحرية بمعناها العام.

كما ان التفاعل مع للقطاع الطلابي اليساري مكنها من إدخال مقولة العدالة الاجتماعية، ثم اتاحت لها تجربة المهجر فيما بعد، تطوير رؤاها الفكرية والسياسية في مناخ ليبرالي مفتوح.

بيد ان التحول الأهم الذي تعيشه حركة النهضة هو بعد الثورة بانتقالها من حركة معارضة جذرية واحتجاجية الى حزب يتحمل اعباء الحكم او جزء من اعباء الحكم في مرحلة بالغة الصعوبة والتعقيد.

الحقيقة ان الوعي السياسي لابناء النهضة اليوم يبدو متفاوتا من جهة وتيرته وقدرته على تحسس الواقع. فقد كان راس القيادة أسرع الى التقاط اللحظة التاريخية، ومن ثم ضبط سير بقية الفريق القيادي من حوله، بدفعه نحو تبني خيار التسويات والتوافق السياسي في مناخ أزمة سياسية حادة كادت تعصف بالتجربة التونسية، وان احتاج ذلك الى حوار طويل ومضن داخل الصف القيادي، وثمة حاجة اليوم لضبط سِيَر بقيّة الجسم في كليته نحو وجهة التطوير والتجديد المتوازن عبر إدارة حوار موسع وفاعل داخل النهضاويين حتى يكون هناك تناغم وانسجام في حركة السير بين الرأس وبقية أطراف الجسمِ.

البعض يتصور وحدة النهضة ناتجة عن الولاء الأعمى الذي يحكم أفرادها للحزب او الزعيم، وهذا الامر لا يخلو من تبسيط. صحيح ان مناخات السجن والمحنة قد صنعت نوعا من اللحمة والحميمية بين النهضاويين، ولكن ما يتوجب الانتباه اليه، هو ان هناك حوار موسع يجري بين أبناء النهضة في الداخل وحتّى في المنابر الإعلامية، والاهم من كل ذلك وجود مؤسسات قادرة على استيعاب هذا الحوار وادارته.

فنحن لسنا بطائفة ولا بحزب ستاليني منغلق بل نحن حركة ديمقراطية مفتوحة

ان التطور الفكري لحركة النهضة كما افهمه يعني ان تمضي حركة النهضة في خطها الاصلاحي الى نهايته استمرارا وإضافة للتراث الاصلاحي التونسي الذي كانت الحاضرة التونسية احدى محاضنه الاساسية، مثلما كان للمدرسة التونسية رموزها وروادها المتميزين من أمثال ألشيخ قبادو وسالم بواجب وبيرم الخامس وخير الدين التونسي والطاهر بن عاشور والطاهر الحداد وغيرهم .

الحقيقة وانه لاعتبارات تاريخية معروفة لم تنشأ حركة النهضة كاستمرار طبيعي للمدرسة الإصلاحية التونسية، بل ولدت كتيار احتجاجي ضد دولة الاستقلال التي نحت الى تهميش النخب الدينية والتقليدية مثلما كانت اكثر اتصالا بفكر المشرق العربي، ثم بدأت تتحسس طبيعة الارض التي تقف عليها بصورة تدريجية من خلال الانفتاح النسبي في بداية الثمانينات على ادبيات الإصلاحيين، الا ان سياسة القمع والإبعاد التي واجهتها قد حالت دون تطوير أطروحاتها الفكرية والسياسية، فغلبت معركة الوجود والدفاع على معركة التطوير والتجديد، هذا اذا استثنينا المناخ المهجري في أوروبا الذي وفر لعدد من قيادتها، وفي مقدمة ذلك الشيخ الغنوشي مزيد صقل أفكارهم وتعميقها.

وبهذا المعنى تكتسب حركة النهضة خصوصيتها او بصمتها الخاصة من خصوصية المناخ السياسي والثقافي التونسي الذي ظل يفعل فعله في حركة النهضة وبقية المكونات السياسية السياسية بدرجات متفاوتة الى يومنا هذا.

وما هو مطروح اليوم على حركة النهضة هو استئناف مهمتها المؤجلة في التجديد الفكري والسياسي من غير انغلاق ولا انبهار، وذلك بتحقيق المعادلة المطلوبة بين الاستفادة من الوعاء الاسلامي الغني ومن الرصيد الحداثي المركب والمتنوع بدوره .

 

واليوم، بحمد الله، وقد حررتنا الثورة جميعا ونزعت عنا أغلال التسلط ، فليس هناك ما يمنع من مزيد انفتاح عقولنا وقلوبنا على كل ما هو مفيد ونافع بما يخدم مصالح الوطن اولا والحزب ثانيا، حتى نحرر الاسلام من التأويلات الفاسدة والمنحرفة التي تتبناها جماعات العنف الأهوج ، وحتى نَجْعَل من الاسلام مصدرا للجمال والسماحة وحرية المرأة وتغذية الحس المدني وثقافة التوافق والعيش المشترك بدل ان يكون مصدرا للتعصب والتقاتل وحجب حريات الناس وتكبيل النسوة وغيرها باسم الدين ، ومثل هذه الأطروحات التنويرية لا تحتاجها تونس فحسب بل تحتاجها عموم المنطقة العربية، المبتلاة بآفة الارهاب والفتن والحروب الأهلية.