أهم المقالات في الشاهد - كتّاب

الأربعاء,1 يونيو, 2016
المرزوقي و النهضة …جوهر النقاش و غُبار المعارك

 

الشاهد_تصاعدت موجة المناكفات الافتراضية بين “حسابات فايسبوكية” متقابلة يزعم  بعض مالكيها “الافتراضيين” انتصارا للرئيس السابق د.محمد منصف المرزوقي و يزعم بعضهم الآخر انتصارا  لحليفته “السابقة” حركة النهضة  .

تدخلت وسائل اعلام  تونسية  لتحويل المعركة من  بين  “المتطوعين الافتراضيين” الى الساحة الاعلامية ثم السياسية  لترتيب استخلاصات فكرية و سياسية  تُبنى على أساسها أحكام متسرعة  في تقييم فترة حكم  الترويكا  و  فصل القول في تقييم الفاعلين رئاسة و حكومة و مجلسا تاسيسيا  لتدخل على الخط بعدها وجوه   معروفة  لتصفية  حسابات  مع فترة  التحالف الثلاثي بايجابياته و سلبياته  و لتعوض بمهاجمة المرزوقي  ما نالهم  في تلك الفترة    من حرمان  أو اقصاء أو سوء معاملة  أو تفاهم  .

تفجرت  “المعركة” على خلفية تصريحات الرئيس السابق لقناة “فرنسا 24” بخصوص ما اعتبره غدرا و خذلانا  من حركة النهضة  و ما  يعيبه عليها من  سوء تنسيق في التعاطي مع المرحلة الجديدة  بعد  احتداد الاستقطاب السياسي  اثر الاغتيالات الارهابية  و  بروز “النزوع الانقلابي” على المسار التأسيسي  لدى جبهة الانقاذ .

و في نفس الحوار  ميز المرزوقي بين فئات ثلاثة في حركة النهضة من قيادات مركزية  و جهوية  و عموم القواعد  مذكرا بأن  الاتجاه نحو التسوية مع المنظومة القديمة  و حضور الباجي قايد السبسي  في المؤتمر العاشر للنهضة هو ما منعه من الاستجابة للدعوة  حتى لا يكون “منافقا” .

لكن اندلاع هذا “الصراع” أو “النقاش” العلني بين المرزوقي و النهضة  و رغم سوء ادارته بين “أتباع مزعومين” يمكن أن يكون  فرصة لتقييم موضوعي  لتجربة رائدة في العالم العربي بعد الثورات وهي تجربة حكم علمانيين وطنيين مع اسلاميين  في  لحظات  صاخبة مليئة بالعواصف و المؤامرات.

ان الوقوف عند تجربة  معارضين من أطياف فكرية  مختلفة  واجهوا متآلفين  دولة  سوف يحكمونها  بعد ذلك  ليكتشفوا  حجم قوتها و استعصائها على الاصلاح  و قدرتها على اختراق كل خلايا  المجتمع و النخب و صنع الفخاخ و اللوبيات هو وقوف مهم لاكتشاف القصور الذاتي و الاسباب الموضوعية لتعثر هذه التجربة .

“الشيخ” و “الدكتور” …سردية  مشتركة و جُنود شتى …

المُتابع المُطلع على تفاصيل المطبخ السياسي التونسي المعارض  في عشريتي الاستبداد النوفمبري لا يمكن أن يفاجئه تحالف المرزوقي و راشد الغنوشي  مباشرة بعد انتصار حزبيهما في انتخابات أكتوبر 2011 .

كان رئيس رابطة حقوق الانسان أوائل التسعينات الدكتور  منصف المرزوقي  من أوائل  الذين دشنوا  مسار فرز   الخط  السياسي  داخل  الحركة الديمقراطية و الحقوقية  على قاعدة  الموقف من المواجهات بين  الاسلاميين و نظام بن علي  و قد دفع الرجل  الثمن بخسارة موقعه في  الرابطة على  خلفية هذا الموقف في المؤتمر الرابع  أواسط التسعينات الذي قاد فيه “الخميسان الشماري و قسيلة” المعركة في مواجهته من أجل رابطة غير “معنية كثيرا” بمحرقة الاسلاميين ثم ملاحقة حزب العمال حينها .

اتجه المرزوقي  رفقة عدد كبير من السياسيين و الحقوقيين  الى الاعتراض الواضح على انغلاق النظام النوفمبري الذي “غدر” سريعا بوعوده التي أطلقها في بيان الانقلاب على بورقيبة .

و قد كان المرزوقي من بين النشطاء الذين ساهموا في توسيع بقعة الزيت المعارضة لاستبداد بن علي  بقطع النظر عن الخلافات الفكرية و الايديولوجية التي تشق في ذلك الوقت النخبة التونسية  و هي الخلافات التي  سقط بمقتضاها  فريق واسع من الطبقة السياسية و الحقوقية التونسية  في المعارضة “الكرطونية” أو “النضال الحقوقي المحسوب ايديولوجيا”.

أسس المرزوقي مع عدد من المناضلين و المناضلات المجلس الوطني للحريات  ثم  أسس مع عدد صغير من السياسيين المؤتمر من أجل الجمهورية  و ساهم بوضوح في الرفع من سقوف المعارضة الاحتجاجية و بلور مفاهيم المقاومة المدنية  العابرة للخلافات الايديولوجية  و  انخرط في المعارك  من أجل الديمقراطية و حقوق الانسان بفلسفة جديدة  تبلورت مع  معارضين بارزين آخرين مثل نجيب الشابي و مصطفى بن جعفر و حمة الهمامي  في أول تجربة جبهوية سياسية  قطعت جذريا مع الاستقطاب الايديولوجي مع الاسلاميين في حركة 18 أكتوبر.

العلاقات المتميزة بين المرزوقي و طيف واسع  من الاسلاميين و على رأسهم الشيخ راشد الغنوشي  كان لها دور مميز في ” تأثير  مرزوقي”  على  خط واضح داخل النهضة المطاردة . و يمكن القول دون مبالغة ان  راشد الغنوشي و عدد من قيادات الداخل  استقوت  على تيار آخر داخل الحركة ( ينحو الى مصالحة غير مشروطة مع بن علي)  بالسقوف المرتفعة التي صنعها خطاب المرزوقي  و رفاقه (أم زياد و رؤوف العيادي خاصة)  ثم  نجيب الشابي  و حزبه و  جريدة “الموقف”  و “كلمة” . و لا  خطأ في القول ان المرزوقي منذ سنوات الألفين  كان له “أنصار” و “خصوم” داخل النهضة نفسها .

في مراسلات فكرية بين الرجلين  تبلورت  أفكار مشتركة بين الغنوشي  كإسلامي  تجديدي  ميال الى التصالح مع  قيم الديمقراطية المدنية  و المرزوقي كعلماني حقوقي  يساهم في التأسيس  لتيار وطني ديمقراطي حقوقي يندرج في سياق رأب الصدع بين الهوية و الكونية و بين الذات و الآخر .

هذه المراسلات و المناقشات التي نشرها الرجلان الى العلن (انظر موقع المرزوقي) أسست لخطوات أولى في التنظير السياسي  للتحالف العلماني الاسلامي  بين رجلين يجمعان في نفس الوقت بين صفتي “المفكر” و “الناشط السياسي” مما جعل كتاباتهما تاخذ على العموم بُعد الوصل بين النظر و العمل .

ما ذكرناه سابقا من علاقات سياسية و فكرية هو ما سيساعد سريعا  على  تشكيل التحالف بين “الشيخ” و “الدكتور” في تجربة حكم  يبدو أنها كانت افكارا في عقلي الرجلين دون ان تجد لها “جنودا” يعرفونها و يفهمونها  لتفعيلها على ارض الواقع مما جعل التجربة تترنح سريعا تحت قصف  الخصوم  من أعماق الدولة و خارجها  و حتى من  أعماق حزبي الرجلين نفسيهما .

“الشيخ” و “الدكتور” …ضابطان بلا “قُراء” و لا “جنود” ….

تجربة الترويكا التي التحق بها الدكتور مصطفى بن جعفر و تخلف عنها بشكل غريب و مفاجئ  نجيب الشابي و حمة الهمامي كان يمكن ان تكون  انجازا  رائدا في العالم العربي لحل كل الثنائيات التي  قسمت عقودا طويلة ساحة الفكر و العمل السياسيين  و  ظلت  مدار جدل في سماء المعقولات بين المفكرين العرب في مواجهة الدولة القطرية الاستبدادية العربية .

و دون اغراق في تفاصيل الاعاقة التي واجهت الترويكا من خصومها الطبيعيين داخل النخبة الفكرية و السياسية التونسية  من قوى الاستقطاب الايديولوجي  و من داخل بقايا منظومة الاستبداد و الفساد و قوى التخابر الدولي  و  بؤر التطرف الارهابي المصنوع  فإننا نكتفي سريعا بتسجيل أهم الاعاقات النابعة من أطراف التجربة نفسها .

عجز “الدكتور” و “الشيخ” معا و كل لأسبابه الخاصة على تحويل الحد الادنى المشترك من تجربتيهما الفكرية و السياسية السابقة الى مرشد عمل و أرضية  ممارسة  لفريق متناغم من النواب في السلطة التأسيسية و الحكومة و الرئاسة .

التجربة التنظيمية المحدودة و  قلة التجربة في “ادارة الرجال” جعلت حزب المرزوقي ثم  فريقه الرئاسي  خليطا متنافرا من  عديمي التجربة و المعرفة بالحياة السياسية و من المتسلقين و المخترقين الذين ظهروا سريعا على حقيقتهم كما كان  المرزوقي  مدخلا لعدد كبير  من  غير المستوعبين لفرادة اللحظة الثورية  و تجربة الحكم الائتلافي المدعومة بارث فكري مميز  لقائدين  و  مفكرين محتاجين وقتها  لهياكل تنظيمية و  مثقفين و اعلاميين و سياسيين قادرين على تحويل “الفكرة” الى أنموذج وطني جامع  و جاذب لعدد كبير من السياسيين و صناع الرأي القادرين على الالتحاق بالتجربة و دعمها .

أمعن “محيط المرزوقي”  المتنافر في معارك صغيرة و شخصية  و في عمل عفوي  بلا  خطة  و  صُنع فراغ رهيب حول الرجل  لأقليات و مجموعات ظلت تقتات من رصيد الرجل دون ان تضيف اليه  و تصدعت الكتلة النيابية  للحزب الثاني في انتخابات 2011 و تحول  “المؤتمر” من فكرة تنظيمية رائدة الى “حزب”  اداري تقليدي ثم انشطر الى أحزاب  نتجت عن خلافات لم يحسن “القادة” ادارتها  و عن اختراقات لم يحسن “المؤسسون” مواجهتها .

مع تراكم الاخطاء و شدة الهجمة على تجربة الحكم الائتلافي و تهرسل الشريك الثالث(التكتل)  الذي أصابه بدوره نفس ما أصاب فريق المرزوقي  و مع تحولات رهيبة في الساحة التونسية و  الاقليم و في  المشهد العربي  ارتفعت أصوات “خصوم المرزوقي” داخل الحزب الاكبر في الترويكا  و عادت لعدد كبير من النهضويين  طبائعهم التقليدية في التصرف كجماعة و تنظيم مغلق  غير مستوعب لفكر “الشيخ” لتتعمق الخلافات بين شركاء التجربة من وراء “القائدين” أو بمغالطتهما غالبا  .

و مع خطورة وضع كان يهدد “بسقوط السقف على الجميع”  اتجهت “النهضة” الى  خيار “شق الطريق” بنفسها في حوار وطني غير متكافئ  مع  “جبهة انقاذ” ممثلة لأغلب ألوان الطيف السياسي ليبقى “المؤتمر” مع  قوى “ثورة”  أصبحت ممثلة بشعارات مجردة  في يد شباب  بلا حصانة فكرية  و لا تجربة سياسية  ليقع تحت  فتنة  “التشدد الثقافي أو الايديولوجي او السياسوي” و  قيادات  مشغولة بمصيرها الذاتي و غير  مستوعبة  و لا قادرة  على الترويج  لمراكمات فكرية  تنويرية ديمقراطية  لا يستطيع احد  أن ينكرها على المرزوقي و ان لم تجد من لم يسوق لها .

انقطاع التواصل بين المرزوقي و بن جعفر و الغنوشي  و عدم وجود  قامات فكرية و سياسية قادرة على احياء فلسفة الائتلاف الوطني التقدمي بينهم من  ناحية و بينهم و بين رفاقهم القدامى في الضفة الأخرى  من ناحية ثانية عجل بانفراط العقد لتسير البلاد في خلطة سياسية غريبة و فرز غير مفهوم بعد انتخابات 2014 لتنتهي تجربة رائدة لم تزل  الى الآن مبررات وجودها رغم ان مياها كثيرة قد جرت في النهر .

الحبيب بوعجيلة