مقالات مختارة

الخميس,18 يونيو, 2015
المراجعات الواجبة على العدالة والتنمية

الشاهد_بات من الواضح جدا، أنه يجب على حزب العدالة والتنمية مراجعة حساباته، بعد عدم تمكّنه من الحصول على أغلبية تمكّنه من تأسيس الحكومة بمفرده.

كما يجب على حزب العدالة والتنمية حساب العوامل الخارجية التي أثّرت عليه بشكل سيء، يجب عليه أيضا حساب ومراجعة العوامل الداخلية، لتكون عملية المحاسبة صحيحة ومثمرة، يجب أن تكون التغييرات غير متعلّقة بالأشخاص والمقامات بل بالسياسة العامة للحزب.

حسب نتائج الانتخابات الأخيرة، فإن حزب العدالة والتنمية قد خسر فرصة تثبيت مكتسبات الدولة التي حقّقها بعد عام 2000، كما أنه خسر فرصة تحويل هيكلية نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي، وهذا دليل كبير على رغبة المواطنين بالاستمرار بتطبيق النظام البرلماني.

يجب ألا ننسى بأنه خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية؛ تركيا تخلّصت من قضية التبعية للآخرين، قضية القوميات المضطهدة أصبحت ماض، لم يَعُد هناك مجتمع تركي غير واثق بنفسه ويعتمد في كل أموره على الآخرين، لم نَعُد نذكر بأن هناك أزمات اقتصادية متوقّعة أو غير متوقّعة، ليس هناك نظام سياسي مبني على القلق والخوف والتوتر، لا يوجد أي مواطن تركي اليوم يتحدث عن وصاية عسكرية أو بيروقراطية مدنية، اليوم أي إعلام يسعى لإسقاط النظام الموجود وتأسيس نظام آخر محلّه غير موجود.

جميع هذه الأمور الإيجابية هي مكتسبات تركيا في المرحلة التي تلي عام 2000، ويجب علينا جميعا جعل هذه المكتسبات ثابتة ومستمرة، فهي حاجة كبيرة وملحّة للبلاد، آمال المجتمع التركي على الدوام هي؛ إدارة تركيا بشكل جيد، مجتمع له هيكل اجتماعي واقتصادي مستقر، هذا الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي تم توفيره في عهد حزب العدالة والتنمية.

لماذا خسر العدالة والتنمية؟

هذه هي الأسباب:

في التاريخ القريب وبالتحديد في أغسطس 2014 الرجل الذي حصل على نسبة 52 % ليصبح رئيسا، أضاع حزبه خلال 10 شهور 10 نقاط انتخابية؛ لماذا؟ ماهي التطورت التي حدثت وسبّبت خسارة حزب العدالة والتنمية لهذه النقاط بهذه السرعة؟

التطورات التي سبّبت الخسارة

استطاع حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، خلال فترة حكمه التي استمرّت ما يقارب الـ 13 عاما، تحقيق الكثير من النجاحات التي رفعت من مكانة تركيا التجارية والصناعة والاقتصادية، تركيا التي كان مُدانة لصندوق النقد الدولي، تركيا التي كانت دائما تنتظر مستقبلا أسود ومعتما جدا، مع حزب العدالة والتنمية أصبحت تنمو 4 درجات وتحقّق نجاحات اقتصادية وصناعية قياسية، استطاع هذا الحزب تثبيت مفهوم “تركيا النامية والمتطورة” في قلوب المواطنين من خلال الكثير من مشاريعه الخدماتية والتطويرية الذي استطاع انجازها في جميع أنحاء البلاد.

استطاع هذا الحزب، المُنتصر الأول في كل انتخابات، التفوّق على أحداث غزي بارك وانقلاب 17 ـ 25 ديسمبر وغيرها من المؤامرات بنجاح وبكل جدارة، إذا كان هذا هو الحال، ما الذي جعل هذا الحزب، الذي استطاع التفوق في جميع الانتخابات واستطاع تخطي جميع الأزمات، يخسر 10 نقاط من رصيده في الانتخابات البرلمانية خلال 10 شهور فقط؟

قام رجب طيب أردوغان صاحب رؤية أهداف 2023، بتاريخ 10 أغسطس 2014، بالترشّح لانتخابات الرئاسة واستطاع الفوز بها بنسبة 52 %، وبسبب ذلك، اضطر لتسليم رئاسة حزب العدالة والتنمية، الذي قاده لمدة طويلة، للبروفسور الدكتور أحمد داود أغلو، ولكنه لم يسلّم زعامة الحزب على الفور حيث استمر بقيادة الحزب لمدة 10 أيام للتخطيط لمستقبل الحزب وبعد الاجتماع مع المركز التنفيذي لحزب العدالة والتنمية قرّر تسليم زعامة الحزب لأحمد داود أوغلو.

قطع طريق عبدالله غول

هذه الحركة، التي قطعت الطريق أمام عبدالله غول للعودة لقيادة حزب العدالة والتنمية، خلقت مشكلة “التقاتل على القيادة” داخل حزب العدالة والتنمية، وبدأت تُسمع أصوات الأرجل المتقاتلة بشكل واضح، على الرغم من عدم إفصاح الرئيس السابق بصوت عال وواضح، قيّم المجتمع التركي بأن “استبعاد” عبدالله غول، الرجل الذي عرفه المجتمع التركي برصانته وموقفه المتصالح، عن حزب العدالة والتنمية هي عبارة عن “صراع داخلي أصاب حزب العدالة والتنمية”، ولكن على الرغم من جميع هذه التطورات استمر ظل أردوغان، الذي أعلن تكرارا خلال عمليته الانتخابية للرئاسة بأنه “لن يكون كالرؤوساء السابقين”، مؤثّرا على حزب العدالة والتنمية وبرنامجه، ولم يخرج من عقول المواطنين ولم يستطع أحمد داود أوغلو أخذ هذا الظل والسيطرة عليه.

تدخَّل في مرشحي الحزب

قبل الانتخابات، قام أردوغان، المخالِف للدستور التركي والنظام الداخلي لحزب العدالة والتنمية، بالمشاركة بإعداد القائمة الخاصة بالمرشّحين عن حزب العدالة والتنمية، وكان معيار أردوغان في اختيار المرشحين هو انتقاء أسماء مُطيعة طاعة عمياء، وهمّش أردوغان الأسماء المخلصة للحزب وللدولة أصحاب الفضل الكبير بنجاح تركيا، هؤلاء الأشخاص تمّت تصفيتهم حسب النظام الداخلي لحزب العدالة والتنمية الذي يقضي بإمكانية الترشّح فقط لـ 3 دورات، مما نتج عنه طفو” جبهة الساخطين” على السطح. هؤلاء لهم دور كبير في تطوير تركيا ولهم مكانة كبيرة لدى المواطنين الأتراك.

على الرغم من إعلان رئيس الإستخبارات القومية “هكان فيدان” ترشّحه للانتخابات عن حزب العدالة والتنمية، تدخّل أردوغان، بشكل غير قانوني، في إدارة الحزب وطلب منه التراجع عن الترشّح، وهذا تسبّب في إحراج كبير لأحمد داود أوغلو أمام أعضاء الحزب والشعب، حيث تم وصفه لأكثر من مرة بأنه “ممثل أردوغان الرمزي في قيادة حزب العدالة والتنمية”، وأصبح الكثير يتسائل “من الذي يدير الحزب والحكومة؟”.

الجدال مع البنك المركزي

اتهم أردوغان، بعد اختياره رئيسا للبلاد، مجتازا صلاحيته كرئيس للدولة، اتهم رئيس البنك المركزي التركي “أردام باشجي” بالخيانة وبيع البلاد للوبي الفوائد، كما كرّر انتقاده الحاد للسياسة الاقتصادية المُتّبعة من ِقبَل البنك المركزي الذي اتهمه أردوغان بنهب الشعب من خلال تطبيقها مستوى عالي من نسبية الفوائد!! هذه الانتقادات والتدخّلات سبّبت حالة عارمة من القلق والانزعاج لدى الاقتصاديين والشعب التركي عامة، حيث أصبحوا يشعرون بالفعل أنهم تحت حكم رجل يريد أن يسيطر على كل شيء في البلاد، والتدخّل في جميع الأمور حتى لو كان لا يفقه بها!! ويُذكر بأن علي بابا جان نائب رئيس الوزراء الاقتصادي وأردام باشجي قد عادوا عن قرار الاستقالة في آخر لحظة بعد تدخّل عدة مستويات رفيعة لصدّهم عن هذا القرار.

التصادم الحاد مع الحكومة

بعد أن كانت تركيا تُدار خلال السنوات الثلاثة عشر الأخيرة بتناسق تام بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء، في الفترة الأخيرة التي أصبح فيها رجب طيب أردوغان رئيسا للدولة، أصبح هناك اختلاف وتناقض حاد بين الحكومة والرئاسة، خاصة بما يخص “عملية السلام” التناقض الحاد بين أردوغان والحكومة ظهر للعيان وبشكل واضح جدا.

بعد قيام الحكومة بالاتفاق مع نواب حزب الشعوب الديموقراطي على اتفاقية “دولاما باهتشي” المتشكّلة من 10 مواد تُسرّع وتطور “عملية السلام، تدخّل أردوغان مرة أخرى، بشكل غير قانوني، وصرّح بالتالي “لم أكن أعلم بهذه الاتفاقية، ولا أنظر إليها بشكل إيجابي، ولا أرى أن هذه العملية ستنجح فهي فاشلة جداً” !!

أثارت هذه الاختلافات المتتالية والمتناقضة بين أردوغان والحكومة استغراب الشعب الحاد، وأصبحت ثقة الشعب المتعلّقة بأحمد داود أوغلو مُهتزّة جدا.

الجدال والتناقض

أثارت تصريحات أردوغان المتعلّقة باتفاقية دولما باهتشي حالة شديدة من الانزعاج لدى رواد الحكومة، وعبّر عن ذلك الناطق الإعلامي باسم الحكومة بولنت أرينتش، الذي لم يستطع إخفاء انزعاجه، بتصريح صحفي قال فيه “لم يكن السيد الرئيس يعلم بالاتفاقية وترتيباتها، لا أرى من الصائب أن يتدخّل السيد الرئيس بعمل الحكومة فلكل منا مهامه الخاصة، انتقاد أردوغان الحاد لحكومتنا ورئيس وزرائنا، سيجعلهم ضعفاء أمام المواطنين.”

اعتبر الكثير من معارضي حزب العدالة والتنمية حزب الشعوب الديموقراطية بديلا ومعارضا قويا لحزب العدالة والتنمية

قرّر حزب الشعوب الديموقراطي، الذي استطاع أعضائه قبل ذلك دخول المجلس بشكل مستقل، التوحّد تحت سقف حزبي للترشّح لانتخابات 7 يونيو، هذا الخيار الخطر كانت أمامه نتيجتان:

1ـ يستطيع حزب الشعوب الديموقراطي تخطي السقف الانتخابي ويخسر حزب العدالة والتنمية بذلك 35 نائبا.

2ـ لا يستطيع حزب الشعوب الديموقراطي تخطي السقف الانتخابي ويفوز حزب العدالة والتنمية ب 35 نائبا جديدا.

عمل حزب الشعوب الديموقراطي، على استخدام اللسان الداعم للسلام، ونجح في تثبيت نفسه كحزب تركي معارض وفعال، وركّز حزب الشعوب الديموقراطي على رفع أعلام تركيا بشكل كبير، ليجذب الأتراك العلمانيين واليساريين ويكسب تعاطفهم وأصواتهم، وبالفعل استطاع كسب الكثير من أصوات تلك الفئات.

نجح دميرطاش، رافع شعار “إذا أردتم إعطاء درس موجع لحزب العدالة والتنمية، انتخبوا حزب الشعوب الديموقراطي” بتسيير حملاته الانتخابية، مع الدعم الإعلامي “التركي” الكبير، بنجاح كبير.

مكاسب الحركة القومية 

إصرار حزب العدالة والتنمية على “عملية السلام” وقيامه بإعطاء المواطنين “الأكراد” الكثير من الحقوق دوناً عن الآخرين أثار انزعاج الكثير من المواطنين الذين دفعهم حسّهم القومي للتصويت لحزب الحركة القومية للتعبير عن غضبهم من حزب العدالة والتنمية جرّاء، وحسب ادعاءاهم، التمييز بينهم وبين المواطنين الأكراد.

رئيس انحيازي

تركيا لأول مرة في تاريخها ترى رئيس دولة يطلب من الشعب التصويت لحزب بعينه، تركيا على الدوام تعوّدت على أن رئيس الدولة هو “عنصر التوازن” في الدولة ويجب عليه أن يكون “غير متبني” لأي فكرة سياسية معيّنة للمحافظة على عنصر التوازن في البلاد.

لكن قيام أردوغان بدعوة المواطنين إلى انتخاب حزب العدالة والتنمية بصورة واضحة أثار استياء الكثير من المواطنين التابعين لحزب العدالة والتنمية والمعارضين له.

البطاقة الصفراء في وجه أردوغان والعدالة والتنمية

قام الناخب ، الذي رأى بأن حكم حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة بدأ يتحوّل لـ”الدكتاتورية” و”الاهتزاز” بعدم التصويت لحزب العدالة والتنمية للتعبير بأنه لا يرغب بنظام “الحاكم الواحد” بل يريد أن يشارك جميع الأخوة في الحكم والإدارة.

كخلاصة؛ حزب العدالة والتنمية خسر بشكل كبير أصواته في عشر مدن رئيسية، هذه الخسارة تمّت مقارنتها بانتخابات 2011، هذه المدن العشر الرئيسية تحتوي على أغلبية كردية ما جعل أصوات حزب العدالة والتنمية تنخفض بهذا الشكل، وهذه المدن هي:

في مدينة أغري سقطت نسبة حزب العدالة والتنمية من 47 % إلى 18 %، في سييرت من 48 % إلى 28 %، في بيتليس من 50 % إلى 32%، في موش من 42 % إلى 24%، فان من 40% إلى 23 %، ديار بكر من 32% إلى 15 %، إيغدير من 28% إلى 11 %، باتمان من 37% إلى 0%، غازي عنتاب من 61% إلى 47 %، عورفة من 63% إلى 49 %.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا؛ لماذا خسر حزب العدالة والتنمية أصواته في شرق وجنوب شرق الأناضول؟

لا بد لنا أن نعترف بأن أكثر الأحزاب المهزومة في هذه المنطقة هو الحزب الذي أعطته المنطقة الفرصة لـ 13 سنة ألا وهو حزب العدالة والتنمية، تمّت معاقبة حزب العدالة والتنمية بانتخابات 7 يونيو، وذلك لمحاولة تخطّيه نظام القبائل والعشائر، النظام الشائع في تلك المنطقة؛ هذا هو السبب الرئيسي لخسارة حزب العدالة والتنمية.

زهراء كرمان