عالمي عربي

السبت,22 أغسطس, 2015
اللغة الأم ودلالات الهوية

الشاهد_“أن يكون إتقان اللغة الإنجليزية ضروريًا اليوم إذا ما شئنا التواصل مع العالم أجمع، فهذه بداهة لا جدوى من الاعتراض عليها، وكذلك لا جدوى من الادعاء بأن الإنجليزية وحدها كافية. فحتى لو تلاءمت هذه اللغة تمامًا مع بعض حاجاتنا الراهنة، تبرز حاجات أخرى لا تتلاءم معها؛ لاسيما حاجتنا الانتمائية“، أمين معلوف.

 

 

عبثًا أحاول الحفاظ على سلامة لغتي الأم (العربية) من براثن اللغة الإنجليزية؛ فمفردات هذه اللغة أصبحت دارجة بقوة خاصة على ألسنة الشباب، وقد لا تخلو هذه المفردات من لسان بعض ربات البيوت البسيطات أيضًا؛ فأصبح من المحال الحديث عن الأجهزة الحديثة والتقانة دون حضور اللغة الإنجليزية بشكل لافت، كما أن من الصعوبة أن تجد تلك المتحدثات عن الموضة والتجميل يستطعن الحفاظ على سلامة لغتهن الأم. يمكن لجولة قصيرة في أي شارع عربي أن تعطي فكرة كافية عن أولئك الذين يكتبون لائحة محلاتهم بلغة ليست لغة أهل البلد.

 

إن موضوع الحفاظ على اللغة العربية هو الموضوع القديم الحديث، والمجادلون في أن طرح مسألة سلامة اللغة العربية لا يخلو من مبالغة وتخلف أصبحوا أكثر من ذي قبل. لست متأكدة من إدراك الكثير منهم مدى خطورة الإمعان في تشويه اللغة حتى أصبحت بعض الكلمات طبيعية جدًا ودارجة على ألسنة جميع أطياف المجتمع على اختلاف الطبقات ومستويات التعليم والثقافة.

 

وكما يقول أمين معلوف إن ضرورة إتقان اللغة الإنجليزية بداهة لا جدوى من الاعتراض عليها، ولكن محل الاعتراض الذي يتطلب الكثير من الحلول على مستوى الحكومات العربية والشعوب، وخاصة فئة المعلمين والوالدين، هو التساهل في إدخال مفردات اللغة الإنجليزية على اللغة العربية على سبيل التباهي أو الجهل أو ما هو عليه حال الكثير، حالة الإمعة الاجتماعية، وربما تكون قناعة شخصية بأهمية التحدث قدر المستطاع بمفردات الإنجليزية لاكتساب اللغة بطريقة تكون على حساب اللغة الأم، مكانة وحضورًا.

 

وكما قلنا، لا نجادل في اكتساب اللغة الإنجليزية لغة العلم والتقانة والسياسة والاقتصاد، لكن هي يا عزيزي القارئ ليست لغة التخاطب بين الأسرة والأصدقاء، هي لا محل لها في محيط اللغة الأم؛ فربما المعادلة بسيطة طالما تستطيع المفردة العربية الحضور، فلا معنى لحضور المفردة الأجنبية. في 2006، نهض الرئيس الفرنسي جاك شيراك اعتراضًا على أرنست أنطوان، المواطن الفرنسي رئيس لوبي الأعمال الأوروبي، الذي ألقى كلمة باللغة الإنجليزية في منبر يتيح له التحدث بلغته الفرنسية الأم. هذا الموقف للرئيس الفرنسي الذي يرى أن بلاده حاربت طويلًا لضمان التحدث باللغة الفرنسية في المنابر الدولية ليس له دلالة غير الغيرة على اللغة والهوية الفرنسية.

 

اللغة الأم ودلالات الهوية

“ما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان في أمره ذهاب وإدبار“، مصطفى صادق الرافعي. هل وصلنا لدرجة أن أحاول شرح هذا القول للرافعي أو إقناع القارئ بصواب ما ذهب إليه؟

 

ينقل عن ابن خلدون: “إن قوة اللغة في أمة ما تعني استمرارية هذه الأمة بأخذ دورها بين بقية الأمم؛ لأن غلبة اللغة بغلبة أهلها ومنزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم“.

 

عانت اللغة العربية من عبء الاستعمار الفرنسي والبريطاني، وربما حاولت وتحاول الشعوب العربية استرداد شيء من الهوية العربية، لكن دون أن توحد الصفوف. ما عليه الواقع العربي يوجع مضجع كل من لديه غيره على هويته العربية، كما هي غيرة الفرنسي الذي أدرك في وقت مبكر خطر الإنجليزية على الثقافة والأدب الفرنسي؛ فسن القوانين وقرع جرس الإنذار.

 

تكاد الهيمنة الغربية لا تنفك عن واقع حياتنا كعرب، وإن أهم محاولة لمقاومة طغيان ثقافة ما على الثقافة الأم هي محاولة الحفاظ على سلامة اللغة الأم وتحديثها لتواكب روح العصر. ربما تحاول بعض المجامع اللغوية الريادة، ولكن تظل جهود ينقصها العمل الجماعي. يركن البعض إلى مقولة أن القرآن يحفظ اللغة العربية، وهذا ليس إلا تراخيًا وضعفًا في الهوية، وحتى لا نبتعد كثيرًا، اليوم في إسرائيل اللغة العبرية هي اللغة الرسمية الأولى وهي لغة التعليم من الروضة حتى كتابة رسائل الماجستير والدكتوراه، انتقلت اللغة العبرية فقط في نصف قرن من لغة التوراة إلى لغة التخاطب ولغة لتعليم الطب والفيزياء، قامت لجنة متخصصة في تحديث اللغة العبرية حتى أصبحت بالشكل الذي هي عليه اليوم. لطالما اهتمت إسرائيل بمسألة الهوية وأصرت على يهودية الدولة. لذا؛ هي أدركت أن اللغة مكون رئيس للهوية وأن اللغة اليوم هي معيار لوجود شعب وثقافة على وجه البسيطة.

 

إن التداخل بين اللغة والهوية تداخل لا يمكن الفكاك منه؛ فما معنى أن تكون عربيًا وتطلب القهوة باللغة الإنجليزية في الرياض من مقيم فلبيني يرد عليك بالعربية. هذه الحالة من الانفصام لا أجد لها تفسيرًا غير التباهي أو احتقار اللغة الأم. مثل هذه المشاهد، وهي كثيرة، هي من قبيل التلوث السمعي.

 

أو لماذا يصر بعض العرب كتابة أسمائهم العربية باللغة الإنجليزية؟ من لديه جواب مقنع فليزل عني جهلي!

حاجتنا الانتمائية

 

نحن نحتاج إلى الانتماء لثقافة بقدر حاجتنا للوجود على وجه الأرض، وهذه الحاجة لا نستطيع إشباعها إذا ما ظللنا نحاكي الثقافة الغربية دون وعي، وربما يأتي يوم نصبح غرقى لا ينفع حينها حتى الصراخ. أُدْرِكُ ضعف الواقع العربي على كافة المستويات، لكن هذا لا يعني أن نكف عن الطموح والمقاومة لتيار ربما يجعل منا أشباه عرب خذلوا أسلافهم.

 

كما أن الانتماء للثقافة الأم لا يعني صد كل ما جاءت به الثقافات المختلفة، لكن ربما يستطيع من يمتلك قيمة عالية للانتماء للثقافة والهوية والانفتاح غير المفرط على ثقافة الآخر أن يصبح الإنسان المتفرد بثقافته والمتذوق لروح عصره.

 

إضاءة

“يجب أن أفتح نوافذ بيتي حتى تهب عليه رياح جميع الثقافات، بشرط ألا تقتلعني من جذوري“، غاندي.

حصه سليمان



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.