حوارات

الإثنين,4 يوليو, 2016
الكاتب والباحث والمحاضر التونسي بشير العبيدي في حديث مع موقع الشاهد من باريس.. تونس تحتاج الى حكومة بناءٍ وطنيٍّ، والوضع الراهن يتطلب مراجعاتٍ عميقةٍ وشاملةٍ

على الأحزاب والمنظّمات إجراء نقدها الذّاتيّ وتجاوز عقدها الموروثة نحو أفقٍ جديدٍ للصّراع السّياسي

الشاهد _ عمار عبد الله:

قال الكاتب والباحث والمحاضر التونسي بشير العبيدي في تعليقه على التطورات التي تعيشها السّاحة السّياسيّة التّونسيّة عقب الاعلان عن مبادرة رئيس الجمهوريّة بتشكيل حكومة وحدةٍ وطنيّةٍ، والتي خلفت بحسب عديد الرؤى حالةً من الاضطراب، بسبب طول المشاورات في ظلّ حكومةٍ باتت أشبه بحكومة تصريف أعمالٍ، أنه يوجد اليوم أملٌ كبيرٌ يعقده قطاعٌ واسعٌ من المراقبين والمتابعين، داخل تونس وفي العالم، من أجل تطوّر الأوضاع في بلدنا والمنطقة العربيّة نحو إرساء قواعد دولةٍ متينةٍ وراسخةٍ ومعبّرةٍ عن إرادة المواطنين، وفق دستورٍ يحترم الإنسان وقواعد الحوكمة الرّشيدة ومعايير الحكم الحديثة الخاضعة لرقابة مجتمعٍ حيويٍّ متيقّظٍ، وسيظلّ هذا الأمل قائمًا مهما كانت الظّروف، لأنّه لا توجد إمكانيّةٌ سلميّةٌ أخرى تستطيع أن تضع البلاد والعباد على سكّة العمل والجدّ والنّجاح والرّقيّ إلّا هذه.
واعتبر العبيدي في حديث مع موقع الشاهد من باريس أنّ تجارب البلاد العربيّة في اللّجوء إلى العنف المسلّح لاستئصال جزءٍ من المجتمع آلت كلّها إلى الفشل الذّريع أو الغزو الأجنبيّ والدّمار الشّامل، تمامًا كما انتهت الثّورات المضادّة إلى حالات إحباطٍ ويأسٍ وانسداد الأفق، مثلما نراه جليًّا في مصر.

ويرى محدثنا أن المشهد العامّ الرّاهن في تونس، مثلما يبدو له من بعيدٍ، “يحتاج بالفعل إلى مراجعةٍ عميقةٍ وشاملةٍ، وفي أقرب وقتٍ ممكنٍ قبل فوات الأوا، مشددا على أن بلادنا التّونسيّة بما فيها من مواطنين وحكومةٍ ومؤسّساتٍ ومجتمعٍ أهليٍّ ومنظّماتٍ وطنيّةٍ وإعلامٍ في أمسّ الحاجة أن تعي ” أوّلًا أن نظام الحكم الانتخابيّ الدّيمقراطيّ الّذي جعلت منه الثّورة التّونسيّة المباركة أمرًا ممكنًا لا يقدّم ضمانةً مسبقةً لأيّ شيءٍ على الإطلاق، بل هو آليّةٌ مشتركةٌ بين المواطنين من أجل الحوكمة، وأنّ هذه الآليّة جُعِلَتْ بالأساس لتجنّب الاستفراد بالرّأي والسّلطة والثّروة والقوّة وتسخيرها لفئةٍ أو جهةٍ أو حزبٍ أو مصلحةٍ أنانيّةٍ. وإن إدراك هذا الأمر بشكلٍ واضحٍ هو ضروريٌّ، برأيي، لكي لا ننزلق في منطق الهروب إلى الخلف والبحث عن سبل التّراجع عن المكتسبات، وتقديس أوهام الزّعيم الملهم، وعبادة الأشخاص، بتعلّة أنّ هذا النّظام الجديد لم يحقّق المرغوب ولم يسمح بتوفير الشّغل والأمن والموارد للمواطنين، الدّيمقراطيّة آليّةٌ لا تضمن ذلك، بل الّذي يضمنه هو قيمة العمل والإنجاز والبناء المشترك وفق حلمٍ مشتركٍ وقصّةٍ كبرى واحدةٍ يلتقي حولها التّونسيّون، حينها ستصبح الأحلام الورديّة واقعًا ملموسًا لدى الحاكم والمحكوم على السّواء.”
ويعتبر الكاتب والباحث والمحاضر بشير العبيدي أن ” حكومة الوحدة الوطنيّة فكرةٌ تبدو رائعةً لأوّل وهلةٍ، نظرًا لحاجة تونس إلى فترة نقاهةٍ سياسيّةٍ بعد الكدمات الموجعة الّتي تلقّتها بفعل الإرهاب الّذي هو بالأساس جهلٌ مركّبٌ خلّفه الاستبداد البورقيببيّ والطّغيان النّوفمبريّ واستثمر فيه أعداء الثّورة والحرّيّة لقتل الأمل بزرّيعة الديكتاتوريّة ذاتها. حين تلتقي القوى الوطنيّة على إدراك طبيعة اللّحظة الرّاهنة وتتآلف على مبدأ إنقاذ سفينة الوطن من ثالوث الشّرّ الّذي هو الطّغاة والغلاة والغزاة، فإنّ حكومة الوحدة الوطنيّة تصبح ضرورةً مرحليّةً لا مناص منها، وهنا على جميع التّونسيّين دعم مسارٍ كهذا.

ويرى العبيدي أنه ” إذا كانت الفكرة مبنيّةً على أساس تقاسم الفشل الّذي ظهر جليًّا في صفوف الحزب الحاكم، والتّستّر على العجز الهيكليّ لإدارة دواليب الدّولة وفق رؤيةٍ ومسارٍ وقواعد عملٍ ومعايير جودةٍ عالميّةٍ، فإنّ مثل هذه الحكومة لن يكون لها أيّ تغييرٍ يذكر عدا المحاصصة بين قوى متصارعةٍ متربّصةٍ ببعضها البعض ومرتبطةٍ عضويًّا بأجنداتٍ داخليّةٍ وخارجيّةٍ، لا تتمنّى الخير لتونس الخضراء.

وحول السّيناريوهات الممكنة لمعالجة واقرار الاستقرار السياسي قال محدثنا أن السناريوات محدودةٌ للغاية في ظلّ رفض منظّمات العمّال والأعراف والجبهة الشّعبيّة، لأنّ هذه القوى لكلّ واحدةٍ منها “شيطانٌ ” في جيبها، فنقابة العمّال علاقتها بالسّلطة تاريخيًّا كانت متأرجحةً بين الاحتواء والصّراع والتّوظيف، وهي بعد موظّفةٌ سياسيًّا من طرف مجموعاتٍ متحزّبةٍ داخلها تحمل إيديولوجيّات ٍشعبويّةٍ وثورجيّةٍ عمّاليّة متناقضةٍ ولّى زمانها وانتهى دورها. أمّا شرطها فهو استبعاد فصيلٍ حزبيٍّ آخر، هو حركة النّهضة، لكي تقبل بالدّور.أمّا منظّمة الأعراف فلها ارتباطاتٌ كما هو معلومٌ بمصالح داخليّةٍ وخارجيّةٍ تريد الحفاظ عليها وترفض فتح ملفّات الفساد بكاملها، لأنّ الفساد في تونس ليس ظاهرةً معزولةً بل هو جزءٌ مستحكمٌ من المنظومة ذاتها، والقضاء على الفساد يكاد يعني عند الكثيرين القضاء على المنظومة برمّتها. أمّا الجبهة الشّعبيّة، فهي تقوم بدور النّوّاحة في كلّ محفلٍ، ولا يرضيها إلّا أن تكون هي صاحبة السّلطة، من دون تفويض الشّعب الّذي هو في نظرها قاصرٌ لأنّه لم ينتخبها لتحكّمه.

واعتبر الباحث بشير العبيدي أن التّقريب بين هؤلاء وبين الحزبين الرّئيسيّين في مجلس الشّعب، وكلاهما له حساباته الدّقيقة جدًّا وغير الدّقيقة، يتطلب من الطّبقة السّياسيّة أن ترتقي في وعيها وممارستها للسّياسة إلى مستوى وعي قطاعٍ واسعٍ من التّونسيّين الّذين سئموا الصّراع الحزبيّ ونفروا منه ورغبوا أن يعمل الجميع وفق رؤيةٍ عامّةٍ مشتركةٍ لإخراج تونس من حالة الرّكود والضّبابيّة وصراع المحاصصة.
وأشار في ذات السياق الى أن المشكلة تكمن في أنّ الجميع يعي هذا الأمر تقريبًا، إلّا أنّه بسبب الحسابات السّياسيّة المعقّدة، تجد الخطاب السّياسيّ السّائد موغلًا في تحميل المسؤوليّة للآخر دون النّظر في المسؤوليّة الذّاتيّة لكلّ حزبٍ ومنظّمةٍ. أدعو بكلّ وضوحٍ إلى أن تتولّى الأحزاب والمنظّمات إجراء نقدها الذّاتيّ وتجاوز عقدها الموروثة نحو أفقٍ جديدٍ للصّراع السّياسيّ، بعيدًا عن أوهام الايديولوجيا والمصالح، وقريبًا من آمال التّونسيّين في الإنجاز الفعليّ وتحقيق التّنمية والعدل وتساوي الفرص والتّوزيع العادل لثمرة الجهد الجماعيّ. فلسفة السّياسة في تونس تحتاج حدوث ثورةٍ أخلاقيّةٍ ثقافيّةٍ يطلق فيها الشّباب جذوة التّغيير بعيدًا عن صراعات العجائز وأهواء من غدر بهم سوء تدبيرهم.

وحول التجاذب الكبير الحاصل حول شخص رئيس الحكومة الحبيب الصيد إن كان سيستقيل أم ستقع إقالته أو أنه سيخلف نفسه، يرى محدثنا أنّ شخص رئيس الحكومة لا يمثّل المشكلة، بل أصل الدّاء هو غياب الحدّ الأدنى المضمون من الثّقة بين أطراف الطّبقة السّياسيّة التّونسيّة. الثّقة لا يمكن أن تشتريها النّقود ولا أن تضمنها العقود، الثّقة مسارٌ طويلٌ تراكميٌّ يحدث حين تكون السّكّة الّتي تسير عليها البلاد هي سكّة الرّسالة الأخلاقيّة العليا بقيمها السّامية الّتي لا تكذبها الممارسة الواقعيّة. وبرأيي، على المجتمع المدنيّ التّونسيّ أن يضغط اليوم على السّياسيّين وعلى أجهزة الإعلام المأجورة الّتي تنشر الرّداءة، وأن يعبّر عن سخطه ورفضه للتّكالب على التّحكّم والسّيطرة في دواليب مؤسّسات الدّولة وغسل أدمغة النّاس من أجل تعويدهم على الرّداءة الشّاملة، وههنا يكون دور رئيس الدّولة محوريًّا في الأصل، وأن يتمّ احترام الدّستور والقوانين، لا التّغاضي عن خرقها في كلّ مرّةٍ واقتراف أمورٍ يصعب التّراجع عنها فيما بعد.

وشدد الكاتب والباحث والمحاضر التونسي بشير العبيدي في ختام لقاءنا به على أن تونس بحاجة الى حكومة بناءٍ وطنيٍّ، فنحن في مرحلة بناءٍ، والوحدة مطلبٌ عزيزٌ لكنّه غير ممكنٍ الآن في ظلّ وجود أجيالٍ تربّت ورضعت ولم تفطم بعد من ضرع الاستبداد والفساد. يمكننا أن نبني حكومةً على أساس برنامجٍ يُعدّو يحتوي المراحل الأساسيّة لتشييد حكمٍ جديدٍ رشيدٍ، على أن يلتزم كلّ مسؤولٍ بخطّة البناء المشتركة، لا أن يبني حانوتًا خاصًّا به في كلّ وزارةٍ. يمكن للمهندس والبنّاء والكهربائيّ والعامل والإداريّ أن يختلفوا في أفكارهم، لكن إن كان بين أيديهم تخطيط بناء عمارةٍ للعمران البشريّ، عليهم أن يشتغلوا معًا بكلّ إخلاصٍ، وأن يختلفوا في أفكارهم بنفس الإخلاص. أنا مع حكومة بناءٍ وطنيٍّ، يكون فيها كلّ من أراد شرط أن يلتزم الجميع في كلّيتهم وفي فردانيّتهم بخطّة البناء. الهند استطاعت هذا وهي مليارٌ ونصفٌ من السّكّان، لهم ألف لغةٍ وعشرة آلاف دينٍ مختلفٍ، فلماذا نعجز نحن وعددنا في تونس لا يتجاوز عدد سكّان مدينةٍ في الهند؟، على حد قوله.