أخبــار محلية

الجمعة,16 سبتمبر, 2016
القصرين…إرهاب في الجبل و آخر تحته

القصرين المناضلة .. ولادة الشهداء .. الصابرة المصطبرة .. والتي تحملت حتى أثقل كاهلها الحمل و بلغ السيل الزبى .. هي من أكثر المناطق المهمشة في تونس ، إن لم تكن أشدّها..

توقفت فيها التنمية تقريبًا و الحياة فيها باتت نضالا بكل ما للكلمة من معنى و صار مطلب “العيش الكريم” حلما في ربوعها مكتفين بـ”العيش” إذا ما استطاعوا إليه سبيلا …

عانت القصرين و لازالت تعاني من إنخفاض مؤشر التنمية فيها إذ بلغت نسبته الـ0.16% مقابل معدل وطني قدرت نسبته بـ 0.76% و هو ما يفسر الفارق الشاسع في توفير سبل التنمية في القصرين مقارنة بالمعدل على النطاق الوطني ، و انخفاض مؤشر التنمية يظهر في قلة تواجد المؤسسات المتوسطة و الصغرى بالمنطقة إذ بلغ مؤشرها 0.2% ، بينما يبلغ مؤشر انتصاب المؤسسات في تونس 3.1 % .

 يبرز عامل التنمية أيضا في أبسط متممات العيش، فمثلا بالنظر إلى نسبة التمتع بالمياه الصالحة للشراب بالقصرين التي تبلغ 50% مقابل 90% بتونس ، مع العلم أن الماء الصالح للشراب ليس متاحا على الصعيد العام ، إذ تبلغ نسبة إمكانية الوصول إلى المياه الصالحة للشراب بالقصرين 27 % أمام معدل وطني قدر بـ 56 % ، و هو ما يبرز مدى الحاجة التي تعاني منها المنطقة للحظي بأبسط حقوقها .

كما يرتبط عامل التنمية بقطاع الصحة أيضا ، فأثر ذلك على معدل الوفيات الرضع ، على سبيل المثال ، إذ تبلغ نسبته بالقصرين 23.6 % و هي نسبة جدّ مرتفعة مقارنة بنسبة معدل الوفيات الرضع على النطاق الوطني 17.8 % ، إضافة إلى إنخفاض أمل الحياة إذ يبلغ 70 سنة بالقصرين بينما يبلغ في تونس 77 سنة .

من جهة أخرى ، يتسبب غياب التنمية و تفاقم الحاجة و العوز إلى اضطرار أهالي المنطقة إلى دفع أبنائهم إلى الإنقطاع عن الدراسة لمدّ يد العون إلى الآباء بإلحاقهم بحضائر البناء بالعاصمة أو الرعي أو العمل كبائع متجول بسوق “الملاسين” أو “بومنديل”. و هو ما أدى إلى ارتفاع نسبة الإنقطاع عن الدراسة بالقصرين إذ بلغت 4% و هي نسبة تعتبر كارثية في 2016 ، مقابل نسبة لا تتجاوز0.1 % ببن عروس و 0.3 % بأريانة .

و هو ما يؤدّي أوتوماتيكيا إلى إرتفاع نسبة الأمية لتبلغ 32 % بالقصرين مقارنة بتونس التي بلغت نسبة الأمية بها 12 % . كما يرتبط أيضا بارتفاع نسبة البطالة بالمنطقة و التي بلغت 26.2 % في القصرين مقابل معدّل وطني بلغ 17.6 % . و البطالة تشمل نسبة هامة من أصحاب الشهائد العليا مما يجعلهم مضظرين إلى الإستغناء عن شهائدهم و الإلتحاق بالركب المهاجر إلى العاصمة أو المناطق السياسية لإيجاد مواطن شغل بعد أن خابت مساعيهم و بحّت أحلاقهم من المطالبة بتحقيق التنمية و النهوض بالمنطقة و و و .

13625395_10206956908657274_7408805237278051550_n

و ما زاد الطين بلّة ، و جعل الوضع يتفاقم أكثر بالقصرين ، هو تواتر العمليات الإرهابية بالمنطقة و أحوازها منذ اندلاع الثورة إلى يومنا هذا . إذ شهدت المنطقة مداهمات إرهابية شتى ، مع بداية “كابوس الشعانبي” يومي 29 و 30 أفريل 2013 الذي ألحق إصابات بليغة في صفوف أعوان من الحرس و الجيش الوطني . تلته 5 هجومات متعاقبة بين شهر ماي و جويلية 2013 مسفرة عن استشهاد 13 و إصابات متفاوتة الخطورة بين امنيين و عسكريين .

أما سنة 2014 ، فقد شهدت “حمّام دم” ، و كالعادة إنطلاقة العمليات الإرهابية بدأت من الوكر الذي عشش فيه الإرهابيون ألا و هو جبل الشعانبي، حيث انفجرت اول عملية يوم 18 أفريل 2014 ، تلتها هجومات عدة مسفرة عن استشهاد 21 بين امنيين و عسكريين و إصابة عدد كبير منهم إصابات متراوحة الخطورة .

كما شهدت القصرين هجومات متواترة أخرى على جبلي السلوم و سمامة ، أسفرت أيضا استشهاد و إصابة عديد العناصر الأمنية و العسكرية .

كما سجلت القصرين حادثة أليمة يوم 11 أكتوبر 2014 تمثلت في اختطاف الراعي نجيب العياري و قتله برصاصة في الرأس من طرف إرهابيين لتعثر عليه وحدات عسكرية جثة هامدة في مرتفعات سمامة بالقصرين .. حادثة مروعة نشرت احاسيس مزدوجة بين الرعب و اللوعة و الغضب في نفوس التونسيين عموما ، و أهالي القصرين خاصة .

سنة 2015 مرّت خفيفة الظل على القصرين ، إذ لم تشهد المنطقة غير مواجهات جدّت يوم 9 ديسمبر 2015 دون تسجيل أي ضحايا .. الإرهاب في سنة 2015 ، استهدف قطاع السياحة بالأساس ، و هو ما ظهر في هجومي سوسة و باردو .

و ننتقل إلى سنة 2016 ، جدّ أول هجوم إرهابي على جبل سمامة يوم 5 ماي 2016 أسفر عن إصابة 3 جنود عسكريين . تلاه هجوم يوم 29 أوت 2016 ، أدى إلى استشهاد 3 جنود و إصابة 7 آخرين . عقبته هجمة ، بعد يوم من سابقتها ، أسفرت عن إصابة عون امن و استشهاد طفل.

ما مرّت به القصرين ، و لا تزال تمر به إلى يومنا هذا ن ليس بالهيّن ، خاصة في ظلّ تواني الحكومات المتعاقبة عن اتخاذ إجراءات جدّية كفيلة بالنهوض بالمنطقة ككل من الجانب التنموي و الإقتصادي خاصة . و بالتالي، فإن تقصير الدولة ، دون سواه ، فتح منفذا أمام الجماعات الإرهابية لتحقق مآربها .