الرئيسية الثانية - كتّاب

الجمعة,3 يوليو, 2015
القرضاوي الذي كشف “جهلاء الانقلاب”

الشاهد_كنت أعتقد أن أمثال الشيخ يوسف القرضاوي لا يحتاجون إلى تعريف، ليس محبة له ولا انبهاراً به، ولكن، لأنه فعلاً مكثر من الكتابة والقول والخطابة والحوارات والحركة والمشاركة، ومتصدر في المقروء والمسموع والمرئي، أقصد أنه ليس من النخبة الخاصة التي لا يعرفها إلا الأقلون.

هو معروف في بلده وأمته وفي العالم، وأكثر شيوخ وعلماء المسلمين شهرة، فيما أظن. لكن، مع ذلك كله، رأيت الجهالة تسيطر على حديث بعض الإعلاميين، بل بعض المستشيخين والمتعممين عنه، لا أتحدث عن السبابين والشتامين والطعانين اللعانين، فهؤلاء لا ينظر إليهم.. إنما الجاهلون حقا بهذا العلم الذي يخطئ ويصيب، ونخالفه كما نوافقه، ونأخذ عليه كما نأخذ عنه ومنه، لكنه من الأئمة الأعلام في هذا الزمان بلا خلاف.

لكن هناك، ربما، ما لا تعرفه جيداً عن القرضاوي، خصوصاً في ظل عمليات التجهيل والتعمية المتعمدة، فضلا عن التشويش والتشويه والشيطنة لكل جميل في بلادنا.

القرضاوي مصري. نعم، والتغابي والتغافل عن هذا خيبة كبيرة. القرضاوي ابن المحلة الكبرى والغربية، نعم مكث ثلاثين سنة، هي فترة المخلوع كاملة، لا يخطب ولا يدرس شيئا في مصر، نعم أدى به المقام طوال هذه الفترة في قطر وكليات الشريعة والدراسات الإسلامية، فحصل على جنسيتها مع حرمانه من حقوقه وحرياته في وطنه ثلاثة عقود، لكنه، مع ذلك كله، لم يعرف نفسه ولا عرفه أحد في العالم بالشيخ القطري، بل ظل يُشار إلى مصريته في كل مقام. مصرية القرضاوي ليست منحة من حاكم ولا حكومة ولا نظام حكم؛ ولا يملك أحد تغييرها، ولو أنكروها عليه. ومصرية القرضاوي ليست زينة، بل هي عطاء متبادل، فقد أضفت عليه مصريته من مكانتها ومركزيتها وصدارتها، فصار الشيخ المتمكّن الوسطي متصدر المشهد العلمي بجدارة عبر هذه العقود.

وكذلك قابل القرضاوي العطاء بالوفاء، فكان مصريا مناضلا بكل معنى الكلمة، عارض الاستبداد والفساد، ولم تلو الغربة ذراعه ليداهن، وبدا في دفاعه عن قضايا الأمة ممثلا مشرفا لمصر والمصريين.. هل حقا يجهل المتعدون عليه ذلك؟ أم ينكرونه؟

القرضاوي أزهري حقيقي، فكل درجاته العلمية أزهرية، ومنهجه العلمي والبحثي أزهري بكل ما في الكلمة من معنى، وبحوثه ودراساته وكتاباته وفتاواه وإجاباته عن أسئلة الأمة والعالم خير ما يمثل الأزهر في العصر الحديث، وليس هذا إطراء، ولا يعني أنها تمثل الحق المبين أو المعصوم. نختلف معه، بل مع منهج الأزهر نفسه ما شئنا، لكن الحديث عمّن يمثل الأزهر حقاً. هل القرضاوي، بإنتاجه الغزير وصوته الجهير، أم هؤلاء الذين لا تكاد تسمع لهم حساً، أو ترى منهم أحداً يشار إليه؟ أزهرية القرضاوي هي التي لقبته بشيخ الوسطية، ورافع لواء فقه التيسير، والفقيه الجامع بين الأصالة والمعاصرة، والمجتهد البحاثة في قضايا الأمة والعصر، والمناضل بفتاواه ضد الجمود والركود من جهة، وضد التطرف والغلو من جهة ثانية، وضد التحلل من الدين والانحلال الفكري من جهة ثالثة، وضد الاستبداد الفكري وأحادية النظر والقول من جهة رابعة، وضد المنتحلين وأدعياء العلم وتجار الدين من جهات أخرى. ولذا، هو الشيخ الأزهر الأظهر، ولا يزايد أو يجادل في ذلك إلا حاقد حاقن أو جاهل أو متغافل.

القرضاوي صاحب رسالة كفاحية، وأنموذج لكفاحية العالم، كما تحدث عنها أستاذنا الدكتور، حامد ربيع، رحمه الله. تأصيلاته قوية ليست من باب العبث بالأصول أو التلاعب بالعقول، ونكرر، دوماً، وإن اختلف معه علماء محترمون وطلاب علم مجتهدون، ثم تفريعاته تمثل أجندة هموم الأمة، لا تنطع فيها ولا بحث في ما لا تبلغه العقول، ولا يطرحه الواقع، ولتخريجاته وجاهتها، حين تأخذ بها أو تختلف معها، وعناوينه التي اختارها لكتبه ودراساته هي قضايا المسلم المعاصر، أما أسلوبه في الكتابة أو الخطابة أو الحوارات فحدث عن السهل الممتنع ولا حرج،..

ومرة أخرى، لست من أهل المدح والإطراء، لكني باحث أصف الظاهرة كما أراها، ويعنيني في أمتي حال علمائها، لأنهم ملحها وملاحوها، بهم تصلح أو تفسد، وليس عالماً عندي من جمع المعلومات، لكنه بين الناس مات، ولا من تحذلق بالطرائف، ولكنه وقت الشدائد رعديد جبان خائف، ولا من اتخذ الدين متجرا للتكسب والإثراء. والقرضاوي، بعد هذا العمر، أنموذج كفاحي علمياً وعملياً، والله أعلم بأقدار الناس.

القرضاي عالم أمة لا عالم سلطة، وعلى الرغم من استمرار تشويهه باعتباره عالم قطر، أو عالم “الإخوان”، وما يسبه به بعض من كان يتمنى لقاءه من مقولات التخريف والخيانة وما إليه، إلا أن مشواره الطويل كشف عن أنموذج لعالم الأمة، الذي يخطئ ويصيب، لكنه لا يفرط في نفسه لذي سلطان أو لحزب أو جماعة. ألم يستقبله الجيش المصري ليصلي بالناس أول جمعة بعد خلع المخلوع، في ميدان الثورة الحقيقية (ميدان التحرير) 18 فبراير/شباط 2011، واحتفت به بلده كلها؟ ألم يعلن مجمع البحوث الإسلامية تشرفه به، بعد التحرر من الاستبداد؟ ألم يستقبله شيخ الأزهر استقبال الفاتحين ساعتها؟

الانقلاب على القرضاوي هو انقلاب على ما يمثله كله: انقلاب على المصرية، على العالمية، والعلمائية، والعلم، والوسطية، والاعتدال والتيسير، والجمع بين الأصالة والمعاصرة، انقلاب على الفقه الإسلامي الواعي منفتح الأفق، انقلاب على الأزهر الحقيقي، أزهر الناس والشعب والأمة، انقلاب على الرسالية والمبادئ والقيم، انقلاب على ثورة يناير، وعلى ميدان التحرير، وعلى كل معنى للحرية والتحرير.

وإن يحكم على الشيخ اليوم، وهو مشرف على التسعين، بالإعدام، ويتعرض لهذه الهجمات ممن لا يذكرون في مقامات العلم والعلماء بشيء، فهذه سنة الله في أهل العلم، وأهل الدفاع عن الحق، أن يهدّدوا بالسجن، أو يسجنوا، أو يهددوا بالقتل أو يقتلوا، أو يطاردوا ويطردوا، ثم تكون العاقبة لهم، والخسارة على من يصيبهم بجهالة، أو بتجبر واستكبار.

سيف الدين عبد الفتاح



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.