كتاب - كتّاب

الخميس,28 أبريل, 2016
القرآن سفر الحرية والعدالة والحضارة

الشاهد _ القرآن مصنع الحرية

هل تأذنون بخلاصات من تجربة حياتي؟ لمّا وردت خطة تجفيف المنابع إلى تونس ـ وقد تولى كشفها الصحفي المصري المعروف فهمي هويدي إذ وردت على جهاز الفاكس لديه في عام 1989 بطريق الخطإ من محفل ماسوني أمريكي ـ وتبناها المخلوع بن علي بإشارة من الشيوعيين الذين تسلقوا قصره في حركة ذكية لإستئصال الحركة الإسلامية بالدولة ثأرا من حظها الإنتخابي (20بالمائة بعد التزييف) .. ظننت كما ظن مثلي ـ إلا قليلا ربما ـ أن الهوية الإسلامية التي إستقبلها التونسيون قبل زهاء 14 قرنا وأسسوا لها قلعة الزيتونة العظيمة ستذروها رياح اليسار المستقوي بالدولة لتصبح أثرا بعد عين. ظللنا نرقب عقدا كاملا ورحى العالمانية المتطرفة جدا تطحن الناس وتفرزهم بحسب تدينهم فكانت سنوات جمر عجاف حاميات لاظيات حتى ليخيّل إليك أن التاريخ يسير القهقرى وأن تونس مملكة ستالينية لا مكان فيها حتى لخرقة قماش تحملها عجوز فوق رأسها أو لمسبحة يزين بها سائق الأجرة سيارته. ثم سرعان ما ترهّلت أحذية الجلادين لفرط وقوفهم عسسا يحرسون عتبة الماركسية ونبت التدين من جديد من حيث لم يكن يحتسب إمرئ فوق الأرض. ثم تجرأ الناس على المخلوع في الإعلام وحديث المقاهي والأسمار وبدأت رحلة السقوط التي أودت بعرشه بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011. وإنتخب التونسيون بزهاء 40 بالمائة الرجال الذين سجنهم المخلوع أو نفاهم وقتلهم وجوّعهم بسبب إعتبارهم أن القرآن مصنع للحرية والأمل والكرامة والعدالة والوحدة الوطنية والسعادة وقيم التحضر والترقي والتقدم لو يحمله رجال يفقهون رسالته ويخلصون لها ويتكافلون عليها إصطبارا. تلك خلاصة من خلاصات حياتي : إذا عجز المشروع التغريبي الإلحاقي الإستلابي الممتد من 1957 حتى 2011 تارة بغسل الدماغ وأخرى بالعصا الغليظة عن سلخ تونس عن هويتها العربية والإسلامية معا فإنه لن يفلح بعده أحد في ذلك. من أسس العقيدة الإسلامية أن الدين محفوظ بإرادة إلهية ربما نعلم بعضا من مظاهرها ولكننا نجهل منها أكثر مما نعلم. الإسلام من حيث أنه دين ـ أي من حيث مقدساته العظمى مثل التوحيد الإلهي والقرآن ومحمد عليه السلام والشعائر الأربع المقدمة وأزمانها وأماكنها ـ محفوظ محفوظ محفوظ. أما من حيث أنه مصنع يثمر الخير في مختلف حقول الحياة ليسعد الإنسان فلا يشقى فليس هو كذلك لأن ذلك موكول إلى الإنسان نفسه. الله يتولى حفظ الجذر فلا سلطان عليه لأحد فإذا أقحطت شجرة الحياة فاء المصلحون إلى ذلك الجذر المحفوظ فإذا عالجوه إنقدح وأضاء.

القرآن يلبي مطالب الإنسان

 

جبل الإنسان على حب الحرية والكرامة والرخاء والعدالة فجاء القرآن الكريم لتلبية تلك المطالب نفسها. وعندما يتخذ الخطاب وجهته الإيجابية في غمرة زوابع لن يكفّ بعضهم على إثارتها ربما يكون ذلك أجدى من معارك السباب والشتيمة.

القرآن والحرية

ضمن القرآن للإنسان حرية المعتقد وذهب بذلك إلى الحد الذي لا يتصوره أكثر المسلمين اليوم فهم ينكرونه إذ منح الإنسان حرية الإيمان بمثل ما منحه حرية الكفر. ألم يقل في القرآن المكي والناس في حالة حصار (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)؟. هي المرة الوحيدة تقريبا حيث تنسب المشيئة إلى الإنسان. كما ضمن له حرية الفهم وبناء المركبات العقلية بعضها على بعض وذهب بذلك مرة أخرى مذهبا تغيض عنه اليوم عقول أكثر المسلمين إذ قال في شأن البرهان على إلهية الإله ( ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه). ذلك يعني أنه لا ضير على أي إنسان أن يتخذ دوني إلها بشرط واحد يعيد إليه الإعتبار العقلي وهو أن يكون ذلك الإله المتخذ عن برهان وحجة ودليل وسلطان وأمارة لا تدحض وليس هذيانا ذهنيا أو إلحادا كاذبا. قمة تكريم العقل الإنساني. نحن نخشى الحرية دوما ونظن دوما أنها مهلكة ومحرقة ومنبت سوء إذ يهتبلها الفجار لنثر فجورهم. ذلك وهم موهوم. ألا ترى أنه سبحانه حرض الإنسان منذ البداية على البحث عن إله مبرهن عليه فحسب؟ هل تحقق للإنسان ذلك حتى وهو يطأ بإخمص قدميه القمر ويتربع فوق عروش المعرفة؟ طبعا لا. لم؟ لأن الحرية كلما إنبسطت أثمرت الإيمان وكلما إنقبضت أثمرت الكفر.وإيغالا منه في ضمان ذلك إلى حد يظل العقل حياله مشدوها فإنه أحاط تلك الحرية بسوار من نفي الإكراه فقال بصراحة عجيبة ( لا إكراه في الدين). ومعلوم أنها جاءت تنحو باللائمة على مسلمين أكرهوا أبناءهم على الإسلام وهم يعتنقون المسيحية. هل تجد في الأرض أو في السماء دينا ـ أو فلسفة ـ تنهى أتباعها على إكراه فلذات أكبادهم أن يعتنقوها إذا إختاروا غيرها؟ مشكلتنا أننا نمرّ على مثل ذلك مرور الكرام أي مرور الغافلين. ألم يعاتب سبحانه نبيه محمدا عليه السلام لأنه ربما جال بخاطره أن يكره الناس على الإسلام؟ ألم يقل له (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)؟ ما جال بخاطره ذلك ولكن الخطاب موجه إلينا نحن أن تستبد بنا لحظات الغيرة العسيرة كما إستبدت بمن قبلنا فنزين لأنفسنا إكراه الناس ـ ولو بسيف الحياء ـ على الإسلام. وحتى لا يرتاب مسلم في ذلك أبدا مطلقا فينطلق في تحطيم معابد أهل الكتاب أو غيرهم من غير المسلمين حمى الله سبحانه تلك المعابد لأهلها ـ وهم على ضلال ما بعده هدى ـ بقانون التدافع الإجتماعي إذ قال (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها إسم الله كثيرا). هذا يسمى : الأمر السنني تمييزا له عن الأمر الشرعي وكلاهما مطلوب الطاعة والتنفيذ. كما ضمن القرآن للإنسان حرية التعبير والقول بلسانه وقلمه وبحركة الكلمة المنداحة صورة ورسما إذ قال ( ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) وفي مواضع أخرى كثيرة متجانسة المعنى ومتنقلا بالمبنى من الدعوة إلى القول في مثل قوله (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) و( قال إنني من المسلمين ) وهي كثيرة جدا. عنوان ذلك أن القرآن يضمن للإنسان حرية التفكير وحرية التعبير ومن حرية التفكير تولد سنة الإختلاف التي صورها القرآن ملكة متربعة على عرش المعارف والعلوم إذ قال فيها (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك. إنما يخشى الله من عباده العلماء). أي أنه يضمن للإنسان حق الإختلاف بل يجعله قانونا كونيا وإجتماعيا أن ينكره أحمق من الحمقى. ألا ترى أنه عدّ العلم بقانون الإختلاف سيد العلوم ومبدأ المعارف إذ هو يقود إلى خشية الله سبحانه؟ كما ضمن له حرية الإنتماء تحت السقف الإسلامي المتين إذ عيّن لنا درجات العبادة والعلم والسعي والكسب في الدنيا ومنها (ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات). أي أنه أقرّ حرية الإنتماء لكل واحد منا إلى أي درجة علمية أو عملية تكون له ميسّرة في حياته. لم يوجب علينا أن نكون جميعا في سلة واحدة. كما ضمن للإنسان حرية العمل إذ جعل العمل علامة كرامة للإنسان وأمارة تحرر فلا ينفك يذكر العمل ويشيد به ويجعله معيار السعادة في الدارين (بما كنتم تعملون). ضمن للإنسان حرية العمل ليكون مهندسا مثل ذي القرنين يسخر علمه الهندسي لحماية المستضعفين من شر يأجوج ومأجوج أو ليكون معلما مثل الخضر يسخر علمه المعرفي لحفظ حقوق المحتاجين واليتامى أو ليكون صانع أسلحة مثل داود عليه السلام لحماية حرمات الناس وتزويدهم بما يذودون به عن أنفسهم أو ليكون محاربا ذكيا مثل طالوت ليضمن للناس حرية الإعتقاد والتدين أو ليكون سياسيا ذكيا مثل يوسف عليه السلام يخطط لتجاوز سنوات سبع عجاف فلا يشبع هذا ويجوع ذاك أو ليكون حاكما ديمقراطيا لبقا مثل بلقيس التي تقيس الأمور حيلة لتعرف الرأي أولا ثم تعرف إتجاه خصمها ثانيا أو ليكون مقاوما جلدا مثل موسى عليه السلام لا ينهكه سفر بليل ولا بنهار وينشد أمنه ويكسب زوجه ويخدم صهره أو ليكون مربيا واعظا مثل لقمان الذي يوصي بالصلاة والإنخراط في غمار الحياة العامة معا إذ يقول ( أقم الصلاة وأمر بالمعروف).

القرآن ضمان لحرية الإنسان المكرم وليس الإنسان الحيوان

عندما يضمن القرآن حرية الإنسان وحقه في أن يقاوم دون إغتصاب إنسانيته منه لا بالعصا ولا بطعم فأر أو طعم قط .. فإن القرآن يحرص على إعلاء كرامة الإنسان ليكون مستخلفا مستأمنا معلما مسؤولا بما يساعده على أداء وظيفته في الأرض. فإذا إنحدر الإنسان إلى مصاف الحيوان وتكون له حرية الحيوان العاري بالتمام والكمال من ألبسة تستر عورته عراءه من ألبسة تواري شهوته .. فإن الذنب عندها يكون ذنب الإنسان الذي إختار الحيوانية وليس ذنب القرآن الذي إختار له الإنسانية.

تلك هي أبرز معاقد الحريات التي يضمنها القرآن للإنسان : حرية الإعتقاد وحرية التدين وحرية التفكير وحرية الإيمان أو الكفر سواء بسواء على أن يتحمل مسؤوليته فحسب وحرية إختيار البرهان وترتيب مفرداته ليصل إلى الحق المنشود كما يضمن له حقوق الإختلاف عن غيره سواء في الدائرة الدينية الواحدة أو في دوائر مختلفة وحق الإنتماء لما يشاء وحق القول والتعبير والتدبير والتغيير (من رأى منكم منكرا فليغيره) وحق الكلمة الفنية (الشعر والتصوير والتمثيل والغناء إلخ..) وحق العمل في أي حقل شاء.

ذلك هو معنى أن القرآن يصنع الحرية ويضمن الحقوق ويرتقي بالإنسان إلى مصاف الإنسانية.

خلاصة تجربتي آنفة الذكر لا تعني الإستسلام لأن الدين محفوظ جذره بل تعني المقاومة تحت سقف قانون التدافع وليس خارجه إشتغالا بالسباب وإنشغالا بالشتيمة ولا تحسرا أو بخعا للنفس وعندما يقاتل المقاتل وهو قرير النفس غير مرتبك ولا متوجس شرا فإن عدته النفسية تملأ ثلمات في عدده أو تسد ثغرات في سلاحه.

الهادي بريك ـ مدنين ـ تونس



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.