وطني و عربي و سياسي

الثلاثاء,1 مارس, 2016
الفكر التكفيري….مشتقّ من الدكتاتوريّة و لا ينتهي بالمعالجة الأمنيّة

الشاهد_بعد ثورة الحرية والكرامة، ظهر في تونس ما يعرف بالفكر التكفيري وهو ما لم متوقعا في تونس التي عرف شعبها طيلة تاريخه بانه من بين أكثر الشعوب تسامحا، لكن بالعودة إلى الماضي قريبا نجد أن النظام البائد سعى بكل ما له من قوة باقتلاع الهوية العربية الإسلامية من الشعب التونسي المسلم، وبعد نصف قرن من سياسة تجفيف الينابيع، واثر اندلاع الثورة التونسية وجدت فئة من الشباب التونسي هامشا من الحرية جعلها تسقط في التشدد وفي اعتناق الفكر التكفيري.

 

أسباب انتشار الفكر التكفيري

غياب الزيتونة لقرابة ستة قرون عن الساحة السياحية بعد ان كان جامع الزيتونة قبلة الأئمة من كل حذب وصوب وكانت تونس تعتبر عاصمة الثقافة الإسلامية. هذا الجامع لم يكن مجرد مسجد بل كان مكانا يدرس فيه الطلاب من كل الجنسيات ويحتل مكانة مرموقة في معالم التاريخ الإسلامي، لكن السياسة التونسية منذ الاستقلال جعلت منه مسجدا جامعا فقط لا يتجاوز دوره في إقامة الصلاة مثله مثل أي مسجد ففقدت تونس مكانتها في العالم العربي الإسلامي نظرا للتصحر الديني الذي كانت تعيشه وأصبحت مشاهد العري والتفسخ مشاهد عادية منذ عهد بورقيبة وأصبح اللباس المحتشم “دخيلا” على التونسيين حاصة بعد انتشار فيديو بورقيبة وهو ينزع “السفساري” من على رأس امراة تونسية ومنذ ذلك الوقت تبدلت الاوضاع.

 

من جهة اخرى، قام بن علي بتطبيق سياسة تجفيف البنابيع على كل من حامت حوله شكوك بانه من الجماعة الإسلامية وطالت يده حتى من كان يصلي ويقوم بشعائر الاسلام، في إطار محاولاته للحفاظ على السلطة في يده وعدم منح الفرصة لأي طرف أو جهة أخرى.

 

كل هذا الظروف، ادت في اول فرصة لتنافيها، إلى ظهور ما يسمى بالفكر التكفيري الذي شوه صورة الإسلام السمح التي كانت معروفة ومنتشرة لدى التونسيين.

 

الخطاب الديني والزوايا المظلمة

يعتبر الإعلامي صلاح الدين الجورشي أن الإشكالية الأهم في هذا السياق هي العلاقة بين الإرهاب والدين الإسلامي في ظل وجود قناعة لدى المتشدد أن القتل واجب ديني ووسيلة للتقرب من الله استنادا على قراءة للنصوص التأسيسية في الإسلام وتروج في شكل خطاب مؤثر صادر عن تنظيم له قدرة فائقة على الاستقطاب.

 

الجورشي اعتبر أنه يجب التسليم بأن السلفية الجهادية مرتبطة بقراءة انتقائية للنصوص الدينية الأولى في الإسلام وفهم معين للنص القرآني في ظل وجود ما يسمح بهذه القراءة داخل هذه النصوص مما يضفي القدسية على الفكر الجهادي المتشدد الذي يكتسب شرعيته من فشل حركات الإسلام السياسي، من منظوره، ويتبنى أشرس الأحكام في الدين الإسلامي وهي “فقه الدماء، الأحكام والآليات التي تجيز سفك الدماء والقتل” ناسفا 90 بالمائة من الفقه الإسلامي في إطار القراءة الانتقائية والاعتماد على بعض العناصر في الدين الإسلامي.

 

الباحث في علم الاجتماع عبد اللطيف الهرماسي قام بدراسة حول الحريات الدينية في تونس أثبتت تحول التونسي من تعريف نفسه من مسلم إلى مسلم سني في تحول إلى تعريف طائفي، على حد تعبيره، رأى فيها الباحث سنة جديدة ناتجة عن التطورات التي حدثت في العشريات الأخيرة.

 

واكد الهرماسي ان التونسي يرفض التحول من الاسلام الى أي ديانة اخرى رغم عدم معرفته واطلاعه على بقية الديانات واستخلص ان تونس تشهد حالة فقر في الثقافة والحقوق الدينية مصحوبة بنوع من الانغلاق والتقوقع سببه تسطيح المعرفة الدينية وسياسية تجفيف المنابع باسم اصلاح التعليم خاصة خلال صراع بن علي مع الاسلاميين في التسعينات مما انتج فراغا استثمرته الحركات الجهادية.

 

استغلال الفكر التكفيري

وخلال الفترة الأخيرة، انتشرت فكرة اتهام كل من يختلف معي في الرأي بأنه إما “كافر” أو “تكفيري”، وفي هذا السياق قام أحد أساتذة جامعة الزيتونة خلال هذا الأسبوع بطرد أحد طلابه نظرا لأنه قام بتكفيره. قضية لم تسترع انتباه وسائل الإعلام، وقد تطورت المسألة إلى أن قام الطالب بشرب مادة سامة ومحاولة الانتحار وتم نقله إلى إحدى المستشفيات من اجل علاجه ولا يزال في العناية المشددة نظرا لخطورة وضعيته.

الطالب تفاجأ عندما دخل الجامعة من يوم غد من جداله مع أحد أساتذته حول موضوع معين بأن كل الأنظار منصبة عليه لانه قام بتكفير أستاذه رغم ما يعرف عنه بأنه بعيد كل البعد عن مثل هذه الأفكار المتشددة كما تفاجأ بانه تم طرده من الجامعة.

 

هل المعالجة الأمنية ناجعة في هذا الشأن؟

يتفق الباحثون في هذا المجال في تونس على أن المعالجة الأمنية على طريقة النظام السابق والمتمثلة في اجتثاث هذا التيار برمته أثبتت فشلها في معالجة هذه الظاهرة، كما تشير أغلب المنظمات الحقوقية إلى أن سياسة العقاب الجماعي ليست الحل، مؤكدة ضرورة تطبيق القانون على كل فرد على حدة بقطع النظر على انتمائه السياسي أو العقائدي وهو أمر لا مفر منه من اجل إشاعة الاطمئنان في النفوس التي أصبح هذا التشدد والعنف يؤرقها.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.