الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

الثلاثاء,23 فبراير, 2016
الفرق بين حركة النهضة التونسية والإخوان المسلمين في مصر

الشاهد _ لا يمكن أن يلام العوام على انصياعهم وإستسلامهم للمطحون الإعلامي الذي تذره وسائل الإعلام بالليل والنهار وتغذيه مراكز النفوذ المتعددة و المتمترسة بالدولة أو تلك الأخرى التي تتغذى على “علف”الدول الأجنبية والأوروبية خاصة ، إلى جانب الدويلة الخليجية الذائعة الصيت ، إنما اللوم على النخب الواعية والنشطاء الذين يحوزون على نسبة محترمة من ملكات التمحيص وبإمكانهم الفرز بين البضاعة الإعلامية “التايوان” المقلدة وتلك الأصلية . غريب أن ينخرط أناس لديهم المنسوب الكافي من الوعي في التهكم على الإخوان المسلمين في مصر والتعدي على محنهم وجراحاتهم والذهاب إلى حد تسفيههم وفي أحسن الحالات تقديمهم كأغبياء وحمقى غلبتهم أعباء الدولة ومالوا بمصر إلى الهاوية !! هكذا يفكر بعض المتحذلقين الذين توفر لديهم المشرب والمأكل والشمس والإستجمام والحاسوب والفايسبوك والحرية فاستغلوا هذا البذخ في جلد الإخوان المسلمين وتقديمهم كأحداث يتطفلون على السياسة ، متجاهلين تاريخ 22 مارس 1928 تلك المحطة التي شهدت ولادة اعرق الأحزاب والجماعات العربية على الإطلاق .

عندما يريد خصوم الإخوان تشويههم وإقناع المجتمعات بخطرهم الوهمي وجرائمهم الهولامية المفبركة ، يستنجدون بأبشع التهم ويستعملون كل أنواع الكذب بما فيه ذلك الذي لا يصدقه الرضع والأجنة ، معتمدين على مقولة وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز “أكذب حتى يصدقك الناس” ، وعادة ما ينجحون بنسبة 100% مع السذج وبنسبة 70% مع العوام وبنسبة 40% مع النزهاء من حاملي الثقافة المستنسخة وغير المحينة ، والمؤلم أنهم نجحوا بما يقارب نسبة 20 %مع العديد من المثقفين المنتبهين ممن يمارسون السياسة أو الذين انشغلوا بمراقبة الساحة عن طريق إعمال الفكر واقتحام الشأن بمنخار القلم ، والغريب أن جل خصوم الإخوان الذين يديرون المعارك ضدها وينظمون الصفوف ويتقدمون الجبهات ، نسبة نجاحهم في إقناع أنفسهم بفساد جماعة الإخوان 00% ، ولذلك يحاربونهم ويصرون على محوهم ، لأنهم وكما صرح أحد رموز جبهة الإنقاذ “لايجب ترك الفرصة لهم لأن الإستقرار سيجعلهم ينجحون كأردوغان ” ، هم مقتنعون تمام الإقتناع بأسبقية الإخوان وتاريخهم وفكرهم وعلاقتهم بالشعب ، لذلك يستميتون في إبادتهم حتى لا تهدأ مصر ويستتب الأمر للشعب ويشرع المجتمع في إفراز غدد التمييز بروية وبعيدا عن الضوضاء والصخب المفرط .

قد نعذر كل الشرائح التي تمكّن المال الضخم المنساب في الإعلام والسياسة والهيئات المدنية المرتزقة عبر أرجاء الوطن العربي وحتى خارجه ، من إقناعها بخطورة الإخوان وتحويل الجماعة إلى فوبيا تهيمن على ذواتهم دون التعرض إلى أذاها أو الوقوف على مساوئها ، ولكن أن ينخرط بعض أنصار ثورات التحرر العربي من مثقفين ونشطاء وساسة في غمز الإخوان والتشهير بهم والتنصل منهم فتلك مثلبة لا تحيق بالإخوان وإنما تحيق بمن لديهم قابلية الإستغفال ، مثلبة تسحب من فطنتهم لصالح حشرة الغباء المؤذية ، لأنهم إبتلعوا الطعم و لأن الرضوخ لسلطة المال الفاسد الخانس خلف الكاميرا والمصدح والصحيفة يؤزهم ويوسوس لهم ، هذا الرضوخ يخدش من شهامة الأحرار ويحيل بهائهم الثوري إلى تنطع ارتجالي و خبط عشواء قد يصيب هنا ويفلس هناك ، وليس أسقط للعقول المتوازنة أو التي تدعي التوازن من أن تقنعها أو تجبرها مراكز التعفن المهيمنة المتغولة على تخفيف جرعة نقدها للشواذ والزطالة وأعداء الهوية وجمعيات العراة ، وتندبها إلى الصلح مع الجعة والقمار والوسكي والصهيونية ، فيركن أصحاب هذه العقول ويحسّنون من خطاباتهم ويلطفونها ويرسلونها عذبة لينة مخافة أن تجرح شعور نساء فيمن أو أعضاء شمس أو خفافيش الثورة المضادة ، بينما ينخرطون في نهش الإخوان واجترار بعض إفرازات خصومهم ، ويصفونهم بعدم التعقل والتعسف والهيمنة والإنفراد بالسلطة..وإلى ذلك من النعوت المشتقة من معاجم إمبراطورية الثورة المضادة .

وصل الأمر بالبعض إلى استعمال حركة النهضة لضرب الإخوان ، واعتبار أن عقلاء تونس أنقذوا البلاد ومجانين مصر ورطوها ، وكأن الإخوان في مصر أعلنوها دكتاتورية خالصة لوجه المرشد أو ملكا عضوضا موغلا في الجبرية !! متى يفهم هؤلاء أن الفرز بين الإخوان والنهضة ليس على شرط الخطإ والصواب أبدا ولا يمكن ولا يقبل بذلك إلا من رضخ لخصوم ثورات الربيع العربي ويبحث له عن توليفة سياساوية حفترية بشارية بعيدا عن التداول السلمي وعن الصناديق وقريبا من الصنم المشدود بالإعلام والمال ، المصهور في أركان الدولة ومؤسساتها . يجب الإنتباه إلى أن الفرق بين النهضة التونسية والإخوان لا تحكمه ثنائية الذكاء والغباء ، إنما تحكمه الخصوصيات وطبيعة التشكل والمشارب ، فقد عمدت النهضة إلى الديمقراطية فقلمتها وانتزعت بعض أطرافها وقطّعت بعض حواشيها واستلت بعض شذراتها ثم أخذت كل ذلك ودثرت به القلب وحصنت الأماكن الدقيقة وسدت به مقاتل الجسد الديمقراطية ، بينما إختارت جماعة الإخوان الوفاء للديمقراطية برمتها كما عرفتها المعاجم وقررت أن تدفع ضريبة الولاء لإرادة الشعب ولم تجرح الديمقراطية ولا هي أحدثت فيها. دفعت بمشرحها إلى الرئاسة فنجح ، ودخلت بثقلها إلى البرلمان فحصدت الأغلبية ثم انخرطت في الحكم..نجحت وفق المواصفات الدولية وحكمت على غرارها .

لا يكمن لمخلص الإنخراط في ترديد قيء خصوم الحرية وأعداء الثورة ، والقول بقولهم والنيل من الإخوان على خلفية عدم ديمقراطيتهم أو غبائهم مثلما قال بعض “الشرفاء” ، ولا يمكن بحال الحديث على أن الإخوان قدموا مصلحة الجماعة على مصلحة مصر ، وهم الذين دفعوا أرواحهم وأملاكهم وحرياتهم ولم يطلقوا رصاصة واحدة في خضم كل تلك المجازر والمحارق ، دافع خصمهم على باطله بالرصاص والطائرات والدبابات واللهب، ودافعوا هم على الحق بأجسادهم وأرواحهم وأبنائهم .. هذا لا يمنع من الخوض في إدارة الإخوان للمعركة مع الثورة المضادة ونقد خيارهم الذي استقر على الثبات ومحاججتهم ببدائل ترجيحية تقدم التنازل المحمود على الصمود المحفوف . لقد اجتهدوا وقرروا أن التنازل للثورة المضادة على حق خوله لهم الشعب سيكون سابقة خطيرة قد تعصف بحلم 25 يناير إلى الأبد ، وكذلك من شأنه التأسيس إلى ديمقراطية عرجاء لا تعتمد على عضلات الصندوق بقدر اعتمادها على عضلات المال والإعلام وقدرة الخصم على البطش.

ليست النهضة قوية ومتميزة ورشيقة لأنها تجاوزت الإخوان وفكر الإخوان وفهم الإخوان ..لنبتعد عن تحسين التضحيات بثلب التضحيات الأخرى ، ونتجنب ثلم جسد الجماعة المثخن الملكوم ، لتحسين حركة تقول دماء شهدائها وعذابات حرائرها أنها أسمى من ذلك بكثير ..لقد نحجت النهضة لانها استوفت خصائص الديمقراطية الممكنة ، وابتلي الإخوان لأنهم استوفوا خصائص الديمقراطية الشاملة ..أصرت الجماعة على حرفية المتنوج الديمقراطي ، واختارت النهضة التعامل مع مقاصد الديمقراطية ..رحم الله العز بن عبد السلام وطيب الله ثرى الشاطبي .

نصرالدين السويلمي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.