وطني و عربي و سياسي

الإثنين,2 نوفمبر, 2015
صحيفة “بوست أند كوريار” : الفائزون بجائزة نوبل ليسوا هم الأبطال التونسيين فحسب

الشاهد_قالت صحيفة “بوست أند كوريار” في تقرير مطوّل إطلعت عليه الشاهد و نقلته غلى اللغة العربية أن الرباعي الراعي للحوار الوطني في تونس الذي فاز بجائزة نوبل للسلام لعب دورا هاما في الثورة الديمقراطية والدستورية الناجحة حتى الآن في البلاد. ولكن دوره لم يكن أكثر حسما من دور القادة الذين رعوا البلاد من احتجاجات الربيع العربي إلى انتخاب المجلس التأسيسي، أو من أعضاء المجلس المنتخب الذين قاموا بالسهر على كتابة والمصادقة على دستور ديمقراطي ليبرالي.

 

وأفضل طريقة للتعبير عن هذا الدور، هو أن لجنة نوبل أرادت أن تكافئ الشعب التونسي لكونه الدولة العربية الوحيدة التي حققت الديمقراطية منذ الاضطراب الإقليمي في عام 2011، واختارت قادة المجتمع المدني باعتبارهم من قاموا برعاية ذلك وبالتالي منحت جائزة نوبل للسلام إلى الاستثناء التونسي.

 

ينظر إليها على أنها انتصار لتونس ككل، تعتبر الجائزة مستحقة بجدارة بالغة. ولا شيء ينتج السلام أفضل من عملية دستورية محلية التي انتخبت ممثلي أصحاب المصلحة الذين تفاوضوا بصبر للتوصل إلى حالة التوافق. ومن خلال إلقاء نظرة سريعة على مصر، حيث فشلت الانتخابات في تحقيق ديمقراطية دائمة، والعملية الدستورية كانت قد اختطفت من قبل جميع الأطراف في المقابل، ينبغي أن تظهر كيف هي مميزة تونس. وأما في سوريا، فالأمور أسوأ بكثير، و الربيع العربي لم يحقق شيئا سوى الحرب الأهلية الشرسة.

ما الذي حدث حقا في تونس؟ إن لجنة جائزة نوبل ليست خاطئة في الاعتقاد بأن وجود مجتمع مدني قوي أسهم إلى حد كبير في الظروف التي أتاحت لعملية الحوار بأن تنجح.

ومن الجدير بالذكر أن جميع المنظمات الأربعة – الاتحاد العام التونسي للشغل، والذي يضم العديد من الأساتذة والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية و الرابطة الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان؛ وعمادة المحامين – قد برزت في الصدارة في ظل الرئاسات الاستبدادية للحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

 

غير أن جميع الدكتاتوريات لم يتم إنشاءها على قدم المساواة. فالأنظمة التونسية بداية من عام 1957 حتى عام 2011 قامت بالحد بشكل كبير من الحقوق الأساسية، وسجن وتعذيب المعارضين. وكان الفساد المستشري على مستوى عال.

و خلافا للطغاة في مصر أو سوريا أو العراق حتى الآن، عملت هذه الأنظمة ذات العلاقات المعقدة مع مؤسسات المجتمع المدني، والسماح لهم بالتشكل مقابل استعدادهم للعيش مع النظام. وقد نظمت احتجاجات من جانب النقابة العمالية في ظل بن علي، وسوف يقول أنصار الاتحاد في بعض الأحيان أنهم وضعوا الأساس لاحتجاجات الربيع العربي.

 

في الوقت نفسه، لا يمكن أن يعتبر المجتمع المدني المسؤول بمفرده عن الاستثناء التونسي، بل يعود بعض الفضل أيضا إلى ثقافة التوافق السياسي. فخلال زياراتي المتعددة إلى تونس لمراقبة العملية الدستورية، قيل لي باستمرار من قبل النواب أنهم شعروا بدفعة قوية من توقعات ناخبيهم بأن يصلوا إلى النتيجة التي يمكن للأغلبية الساحقة من التونسيين أن يعيشوا على أساسها.

 

إن أصول الثقافة السياسية دائما ما يصعب تحديد ماهيتها، وحاجة تونس للتوافق ليست استثناء. ولكن، ربما من الإنصاف أن نقول أن الفترة الثورية ضد فرنسا ساعدت على خلق الشعور بالوحدة الوطنية. وتونس دولة صغيرة جدا من حيث المساحة، وهو ما من شأنه أن يسهم في الشعور بالهوية الجماعية. (ولكن ليس دائما: انظر لبنان).

 

ويوجد في تونس إرث أول دستور يظهر في أي بلد عربي، والذي يعود تاريخه إلى عام 1861. وعلى الرغم من أنني كثيرا ما اندهشت من العدد القليل من الأعضاء الذين أشاروا إلى ذلك التاريخ، ومع ذلك فإنه يدل على الأقل على أن فكرة تماسك النخبة في التوصل إلى اتفاق أساسي لها جذور عميقة.

 

ولكن الميزة الأكثر حسما من الاستثناء التونسي، يمكن القول بأنه وقع الاستهانة بها من قبل لجنة جائزة نوبل، وهو أن احتمال نشوب صراع بين العلمانيين والإسلاميين وكبح جماح أعمال التسوية والتفاوض مرارا وتكرارا هي واقعية من كلا الجانبين. وكانت الشخصية المفتاح في هذه العملية راشد الغنوشي، وهو ديمقراطي إسلامي الذي تحول من كونه مُنظّرا هاما لكيفية أن الإسلام يمكن أن يكون متوافقا مع الديمقراطية إلى زعيم الحركة والحزب المعروف باسم حركة النهضة.

 

وفي عدة لحظات حاسمة، اختارت النهضة بقيادة الغنوشي تحقيق الامتياز بدلا من الذهاب إلى تفعيل الدور الأقصى للإسلام في الدستور. فعقب الاحتجاجات في عام 2012، قرر حزب النهضة إزالة الشريعة من المشروع أو الأيديولوجية الدستورية. وبعد مقتل القائدين اليساريين البارزين الذي أدى إلى مزيد من الاحتجاجات والأزمات، وافق حزب النهضة، الذي كان قد انتخب بشكل ديمقراطي كحزب الأغلبية في البرلمان، على الاستقالة من الحكومة.

 

وأما بالنسبة للعلمانيين، فإنهم يستحقون التقدير للتعامل مع حزب النهضة باعتباره قوة سياسية حقيقية وشرعية ومنتخبة بشكل ديمقراطي. وتؤكد المقارنة بين تونس ومصر كم كانت هذه القرارات ذات أهمية بالغة. فقد حاولت جماعة الإخوان المسلمين في مصر أن تحكم دون الوصول إلى الكثير من التسويات. وفي مواجهة الاحتجاجات، فإنها صدمت من خلال الدستور بأغلبية ضئيلة جدا التي ليس لديها فرصة لتحقيق التوافق. و قرر الجيش المصري في نهاية المطاف عدم تقديم تنازلات مع الإخوان و في المقابل قام بإزالتها من السلطة في انقلاب.

 

ومن جهته، تعرض الغنوشي لانتقادات من قبل السلفيين المتشددين الذين يعتقدون أنه باع الإسلام، ويستمر الكثير من العلمانيين في الاعتقاد بأن الغنوشي متشدد في حد ذاته بشكل سري. والحقيقة هي أن الغنوشي، الذي استقال حزبه طوعا وكان سعيدا تماما بالترشح وتحقيق الخسارة في انتخابات وطنية، هو مهندس النموذج الإسلامي الديمقراطي الليبرالي الذي يقدم البديل فقط للتطرف الذي يدعو الغربيون والعلمانيون على حد سواء للقيام بدراسات حوله.

 

و ربما لا يمكن لراشد الغنوشي أبدا الفوز بجائزة نوبل بنفسه ولكن من دونه، تونس لا يمكن أن تفوز بذلك أيضا.

 

ترجمة خاصة بموقع الشاهد



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.