الرئيسية الأولى

الخميس,19 مايو, 2016
الغنّوشي…رؤية “ما بعد الجماعة” و عقل “ما بعد الحداثة”

الشاهد _ 75 سنة، حكمان بالسجن مدى الحياة مع الأشغال الشاقة، أكثر من 20 سنة في المنفى، ما يقارب 40 كتابا في رحلة بدأت من مدينة الحامة في ولاية قابس بالجنوب التونسي و مرّت بمصر و سوريا و فرنسا و بريطانيا لتنتهي مجدّدا في تونس، من فتى يافع تربّى على قصص “الفلاّقة” و “المجاهدين” ضدّ المستعمر الفرنسي ينطق “القاف” بتثليثها إلى طالب علم زيتوني إنتقل إلى مصر معجبا بتجربة جمال عبد الناصر القوميّة ليتحوّل منها إلى مداوم على حلقات الشيخ البوطي رحمه الله في سوريا، فأستاذ فلسفة من جامعة دمشق و قد بدأت ملامح مشروعه السياسي تتبلور يدخل جامعة السربون الفرنسيّة بعدها فيجد نفسه وسط الطلبة العرب والمسلمين و يتعرف على جماعة الدعوة والتبليغ، التي نشط معها في أوساط العمال المغاربة.

رحلة طلب العلم التي من عاصمة “الفلاّقة” إلى عاصمة الناصريّة مرورا بعاصمة البعث العربي وصولا إلى عاصمة الأنوار باريس لا يمكن أن تكون خالية من تراكمات تنتج بالضرورة عقلا سياسيّا جاهزا للتعامل مع الزمن السياسي بما يتجاوز حالة “الثبات” إلى ديناميكيّات توجد تعبيرة أو تعبيرات لا تبلور رؤية أخرى للمشهد العام أو الشأن العام فحسب بل و تهضم بسهولة و ذكاء التجارب الكبرى القريبة و البعيدة و تأخذ منها ما يحصل لتتجاوز ما فسد من تجارب الداخل.

هكذا تكوّن العقل السياسي لزعيم الحركة الإسلاميّة في تونس راشد الغنّوشي ليجد نفسه أمام حتميّة بلورة أفكاره السياسيّة في تجربة تنظيميّة إنطلقت بالخطابة و الدروس تعبيرا عن رؤية مختلفة عن العلمانيّة السائدة و تعبيرا عن إحدى مقوّمات الشخصيّة القاعديّة للتونسيّين كانت كل الظروف تدفع نحو إنكفاءها على نفسها لا فقط لعدم وجود إطار تعبّر فيه عن نفسها فحسب بل لإرتفاع منسوب الهرسلة الإيديولوجيّة و المعنويّة كذلك.

إذا كانت “جرثومة النشأة” قد لازمت اليسار التونسي على حدّ توصيف مؤسّس اليسار الجديد نور الدين بن خضر رحمه الله فإنّ نشأة الحركة الإسلاميّة في تونس كانت مطلبا لفئة كبيرة تبحث عن التعبير عن نفسها غير أن نفس النظام البورقيبي قد ضاقت بها فكان عقل الحركة الإسلاميّة مستهدفا و أطراف الحركة مطلوبين ليجد الغنوشي نفسه على الضفّة المقابل تماما لا فقط للنظام في حدّ ذاته بل لمكوّنات من الطيف السياسي جعلت من خلافها الإيديولوجي مع الحركة الإسلاميّة تعريفا لنفسها و تحوّل الغنوشي و حركته إلى طرف في صراع لم يكن متكافئا و لا وفق قواعد مختلفة عن تلك التي يفرضها الحاكم و يطبّقها بأجهزة الدولة فتكون دائما في صالحه.

عندما أصدر المخلوع بن علي عفوا عاما في سنة 1987 كان أستاذ الفلسفة و زعيم الحركة الإسلاميّة أكبر المنتفعين فقد أسقط إنتقال السلطة بليل من بورقيبة إلى بن علي الأحكام الصادرة ضدّ المعارضين و لكنّ من خطط لإنتقال السلطة لم يكن يرى غير نفسه في المشهد فضاق صدره بالحركة الإسلاميّة هو الآخر و وجد الشيخ الغنوشي الذي تغيّر إسم حركته من “الإتجاه الإسلامي” إلى “حركة النهضة” بعد تزوير الإنتخابات على رأس جسم مزّقته يد الدكتاتور بين السجون و المنافي و الأحكام الجائرة و الملاحقات.

التجربة الطلاّبيّة للغنوشي و تراكماتها و التجربة التنظيميّة التي جعلته في مربّع ضدّ السلطة لم يكن من الممكن أن تنتج بأيّ حال من الأحوال إلاّ مراجعات كبرى و تحوّلات كبيرة ولدت بموجبها الحركة الإسلاميّة من جديد بعقل زاوج بين التجربة و الفلسفة و المرجعيّة الإسلاميّة و هذا ما جعل الغنوشي ينجح في الإبقاء على حركته طيلة سنوات الحيف و الإستبداد إذ من النادر أن بقيت تجارب مماثلة في مثل تلك الظروف و قد كان لزاما أن يتحوّل الرجل و العقل معا إلى ما يشبه الظاهرة التي تتحرّك بخيوط رفيعة و بإستراتيجيات و خطاب مدروس.

حوّلت عقود الصدام مع السلطة رجل الفلسفة و السياسة و زعيم الإسلاميّة إلى مدرك لنواميس حتميّة تاريخيّة كان ظاهرا أنها ستنتهي ببركان فظهر في بداية الألفيّة متحدّثا عن الملف الإجتماعي إلى جانب الملف الحقوقي و قضيّة الحريات لتكون ثورة نهاية العقد الأول من الألفيّة نقطة العودة مجددا و لكن بتراكمات أكبر و رؤية أوضح فالعقل الذي حافظ على الحركة الإسلاميّة لعقود تحوّل إلى جزء من مربّعات النفوذ خالف كلّ التيارات الأخرى في المنطقة ليوفّر شروط المفاظ على الحركة بعد الثورة و شروط تحويلها إلى جزء من الدولة و السلطة و نقلها بالتالي من “حركة إحتجاجيّة” إلى “حزب سلطة”.

مثلما أدار الغنوشي بإحكام مرحلة الأزمة في المعارضة و المنافي و السجون إستطاع برؤية واضحة الولوج إلى عمق السياقات الداخلية و الإقليميّة و الدوليّة ليجعل من نفسه مؤسّسا لـ”مدرسة” حافظت على الثورة و التعايش دونما الإنتكاس داخليا مثلما حصل في تجارب أخرى و قدّمت نفسها بديلا عن “مرض العصر” متمثّلا في التيارات الجهاديّة المتطرّفة.

لا يتكلّم الغنوشي كثيرا و لكنّه ينصت لكل المواقف و القراءات و الآراء حتّى التي تهاجمه منها و لكنّه يمتلك بشهادة الجميع إلى جانب سلاسة اللغة قدرة على الإحاطة بمن هم داخل حركته و من هم خارجها فهو يبدو قد وصل إلى إستنتاج مفاده أنّ دورة حضاريّة بصدد الحدوث لن تنتهي بالعودة إلى الوراء حتما و لن يكون الفاعلون فيها المعتصمون بالتاريخ كما يبدو قد وسّع من مقولة “حقّ الإختلاف و واجب وحدة الصفّ” من قاعدة داخليّة صلب حركته إلى قاعدة عامّة لإدارة الإختلاف في المجال العام.

مجول بن علي