كتّاب

الخميس,17 مارس, 2016
الغنوشي و بوتفليقة : التسويات و ديبلوماسية الأمن الاقليمي

بقلم :الحبيب بوعجيلة

الشاهد_الزيارة الاخيرة لرئيس حركة النهضة الى الجزائر التي تمت دون شك بتنسيق واضح مع رئيس الجمهورية كانت بامتياز حدثا فارقا سيطبع الديبلوماسية التونسية بملامح حاسمة في توجهها الراهن و القادم على قاعدة القراءة الواقعية لتطورات الوضع الأمني في الاقليم و التحولات الاستراتيجية في العالم العربي و في اطار تقدير جديد لتوازن القوى الحالي الذي سيحكم الحرب مع الارهاب على خلفية تطور الأوضاع في سوريا و ليبيا و اليمن و تحرك الرمال تحت أقدام اللاعبين الاقليميين في المنطقة العربية و لا سيما تركيا و السعودية .

ومما لاشك فيه أن زيارة الجهيناوي الى موسكو كانت الترجمة العملية لهذا التحول العميق في الخيارات الديبلوماسية التونسية في واقع دولي عاصف .

 

الجزائر و تونس …المصير يفرض …

 

زيارة راشد الغنوشي الى الجزائر جاءت في ظرف أمني ضاغط يعيشه البلدان بعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف مدينة بن قردان و مباشرة بعد قضاء الجيش الجزائري قبل أيام على 3 إرهابيين بولاية الوادي الحدودية مع تونس ومصادرة صواريخ (ستنغر) أرض-جوّ وسترات ناسفة للاستخدام في هجمات انتحارية وقذائف صاروخية إضافة إلى أسلحة أخرى.

الفريق أحمد قايد صالح رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الجزائري أكد خلال زيارته للوحدات القتالية المرابطة على الحدود مع تونس “ما تعيشه منطقتنا في الوقت الراهن من اضطرابات وتفاقمات أمنية غير مسبوقة تنذر بعواقب وخيمة على أمن واستقرار بلدان المنطقة ” لقاء بوتفليقة مع الغنوشي تم في حضور رئيس الوزراء عبد المالك سلال ووزير الخارجية والتعاون الدولي رمضان لعمامرة ووزير شؤون إفريقيا والمغرب العربي وجامعة الدول العربية عبد القادر مساهل، ما يؤشر على أهمية هذه المباحثات وارتباطها بالوضع الإقليمي.

اللقاء أكد على التوافق في تقييم الوضع الليبي و تطابق وجهتي النظر الجزائرية و التونسية في رفض التدخل الاجنبي و الدفع في اتجاه التسريع بالمصالحة الليبية و تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لتتم مواجهة التنظيمات الارهابية تحت اشرافها.

من المعروف طبعا ان الجزائر كانت تحتاج تأكيدا من تونس على رفضها القطعي للتدخل الاجنبي في ليبيا بعد الارتباك و الغموض الذي ساد الموقف التونسي عند شيوع خبر امكانية تدخل عسكري أطلسي بدعوى استهداف داعش و بؤر الارهاب على التراب الليبي .

و الجدير بالتذكير أن الموقف الجزائري كان حاسما في هذه المسألة فقد اعتبر عمار سعداني الامين العام لجبهة التحرير الحزب الأغلبي في البرلمان ان الجزائر ستكون مستهدفة بكل تدخل اجنبي في ليبيا معتبرا أن الغرب يحاول اعادة رسم خريطة العالم العربي و خلخلة الوضع في الجزائر التي بقيت بعيدة عما سماه بالمآسي التي جلبها “الربيع العربي” و اتهم الغرب بإدخال داعش الى ليبيا لتبرير تدخله العسكري و وضع يده على منطقة المغرب العربي و شمال افريقيا .

الغنوشي …الجزائر أولا …الاقليم دائما

زيارة الغنوشي جاءت في سياق جفوة محتملة قد تكون طبعت العلاقات التونسية الجزائرية اثر ما راج حول امكانية التساهل التونسي مع ضغوط أمريكية لإقامة قاعدة عسكرية كما جاءت الزيارة في سياق ما رشح من اختلافات بين الموقفين التونسي و الجزائري في اجتماعي وزراء الداخلية العرب و وزراء الخارجية على خلفية الموقف الخليجي من حزب الله و مجريات الاحداث في سوريا و تردد الموقف التونسي في محاولة لارضاء الاطراف المتناقضة من روس و أمريكان و اتراك و سعوديين في مقابل المواقف الحاسمة للجزائريين في ما يتعلق بالقضايا الاقليمية و العربية و ميلهم الواضح لمقاربة الحلف الروسي الايراني في سوريا و توجسهم من كل دور خليجي او تركي في ليبيا و منطقة المغرب العربي .

لاشك ان حالة الانشراح المتبادل التي بدت على الطرفين التونسي و الجزائري اثر نهاية لقاء الغنوشي و بوتفليقة تؤكد أن رئيس الحزب الأكبر في تونس قد طمأن الجزائريين على التبني التونسي الكامل للمقاربة الجزائرية لأوضاع الاقليم و المنطقة .

لم يعد أمام “مبعوث” تونس الى الجزائر من خيار آخر غير مواصلة “تقاربه التقليدي” مع بوتفليقة … زعيم “حركة النهضة ” و أحد عرابي التوافق التونسي يدرك الآن جيدا أن عصر الوقوف عند “ثوابت” الايديولوجيا أو التكلس عند “اهداف ثورات عربية تترنح” لم يعد طريقا آمنا لتونس التي يجب أن تحسم أمرها في الالتحام اكثر بمصلحتها الوطنية و العمل وفق الأولويات بإقليمها و الاستقواء بالشقيقة الاكبر في هذا الاقليم و الالتزام بأكثر وضوح بمقاربتها للتطورات العربية و الدولية بعيدا عن أوهام “المبادئ المجردة” .

لقد أصبح واضحا للشيخ “البراغماتي” ان الشركاء الغربيين تنفتح شهيتهم على حلول عسكرية في مغرب عربي لا تحتمل دوله مثل هذه المغامرات في حين تبدو رعونة “الاشقاء الخليجيين” عُملة غير نافقة في سوق دولتين عظميين غير معنيتين حاليا باندفاع السعوديين و تآمر الاماراتيين في نفس الوقت الذي تبدو فيه تركيا مشغولة بما ستواجهه من تحديات داخلية بعد تعقد المشهد السوري و ذهابه الى غير ما تتمناه و بروز خيار الحل السياسي بعيدا عن جذرية “المواقف الثورية من نظام بشار” .

في السياق نفسه يبدو أن الغنوشي قرأ جيدا مع شريكه الباجي قايد السبسي حقيقة التحولات و موازين القوى في المنطقة مما جعله يضع ثقله في اعلان “الالتقاء الاستراتيجي الكامل ” مع الجزائر دون تردد .. بوتفليقة …تونس مستقرة و مغرب عربي ممكن … أكد بوتفليقة لضيفه التونسي “استعداد الجزائر لكل انواع المساعدة و رغبته في بقاء تونس واقفة و متماسكة” وهو ما يدعم مرة أخرى حرص الجزائر على استمرار التوافق الحاكم بين النهضة و النداء و اعتباره ضمانة لأمن البلدين و قدرتهما على التعاون في مواجهة التهديدات الخارجية .

المتابعون لتطور الموقف الجزائري من الانتقال السياسي في تونس يدركون بلا شك “مركزية” دور الغنوشي في ارتفاع منسوب الثقة الجزائرية في الدولة التونسية رغم توجسها في البداية من “الربيع العربي” الذي دشنته تونس شتاء 2011 .

الغنوشي و بالإضافة الى صداقته القديمة مع الرئيس بوتفليقة يبدو حاليا محل ثقة الجزائريين عكس القيادات الليبيرالية التونسية التي تراها القيادة الجزائرية أكثر ارتباطا بفرنسا و واشنطن خصوصا في ظل اتفاق الغنوشي مع القيادة الجزائرية في رفض التدخل الاجنبي في ليبيا و النأي بنفسه عن موقف اسلاميي الجزائر و موقف المعارضة الجزائرية عموما و لعل تهنئته للرئيس الجزائري بالتعديل الدستوري الأخير خير دليل على ذلك .

 

بوتفليقة لم يفوت اللقاء مع الغنوشي

 

للتذكير برؤيته للعلاقات الاستراتيجية المطلوبة حاليا بين دول المغرب العربي لضمان الحاضنة اللازمة لأمن الاقليم في مواجهة التحديات التي يطبعها صراع المحاور في المنطقة العربية و لعل ذلك ما قصده الغنوشي حين ذكر في تصريحه بعد الزيارة “تجاوب الرئيس الجزائري لتحريك مشروع المغرب العربي بما يدعم الشراكة الاستراتيجية بين دوله على المستويات الاقتصادية و العسكرية و تجسيد مشروع الاتحاد المغاربي الذي تأخر تحققه” .

و من المعلوم أن بوتفليقة قد وجه منذ فيفري الفارط رسائل الى كل من الرئيسين التونسي و الموريتاني و ملك المغرب و رئيس مجلس النواب الليبي هنأهم فيها بالذكرى 27 لانبعاث الاتحاد المغاربي و دعاهم الى ضرورة تنشيط الاتحاد بما يخدم المصالح الاستراتيجية المشتركة .

الرئيس الجزائري يدرك تماما دور “زعيم الحركة الاسلامية التونسية” في ملف كسر الجليد بين المغرب و الجزائر استثمارا لعلاقاته “الفكرية” مع الحزب الحاكم في المغرب و علاقاته الدافئة مع العرش هناك كما يدرك أيضا الدور الممكن للغنوشي في دفع الأطراف الليبية الى الاسراع بانجاز توافقاتهم خصوصا بعد ما أبداه الغنوشي في تونس من استعداد لتجاوز “الخطوط الحمراء” في التعاطي مع “خصوم الامس” و ما يبديه في القضايا العربية من مرونة في “تغيير المواقف” كما بدا ذلك في علاقته بالملف السوري و تصريحاته الاخيرة حول ملف حزب الله .