أخبــار محلية

الإثنين,3 أكتوبر, 2016
” الغرافيتي” في تونس .. من فن مقموع إلى سلاح ثوريّ مسموع!

مضت خمس سنوات و نيف على ثورة الحرية و الكرامة التي فجرت القرائح و أعلت صدى الأصوات التي أخمدت لتفصح و تعبر و تنقد بعلو الصوت دون أن يردعها رادع .. و مع ذلك لا زال للجدران الكثير لتقوله !

“من خلال فنّي ، أدافع اليوم عن المرأة العربية ، المسلمة ، الفنانة ، المحجّبة و الحرّة .. هذه أنا في الواقع” هكذا صرّحت الشابة التونسية بنت الـ25 أميمة بوعصيدة ..

صفاقس، عاصمة الثقافة العربية لسنة 2016 و التي لا تزال أحدث أعمالها حيّة على غرار “مخيم الفن الشارع العربي” الحدث الدولي الذي نظمته يوم 24 سبتمبر ، تمثّل الإطار الذي احتضن أعمال أميمة الفنية .

خمس سنوات من العمل المضني و الفن المبتكر، تمكنت الشابة المفعمة بالحماس من إضفاء الحياة على مدينتها ؛ الجدران ، السلالم ، البناءات القديمة …

حاملة بين كفيها قوارير الطلاء ، تمكنت أميمة من تحويل الفتاة الخجولة التي تكُونها إلى فنانة مشهورة تُعرف باسم “أوما” .

grafiti

صفاقس التي إذا ما جبتها لن يخفى عن ناظريك طابع “الغرافيتي” الذي يزخرف جدرانها و طرقاتها حتى صار إسم هذا الفن (الغرافيتي) في تونس مقترنا بصفاقس خاصة ..

لكن هذا لا يعني انتفاء وجوده في مناطق أخرى من البلاد التونسية ، حيث انتشرت كذلك في جهات شتى نظرا لاتخاذه متنفّسا يبدع فيها متمرسوها معبرين عن افكار و هواجس تراودهم ، لتضحي جزءا من “ديكور” الشارع.

و لئن اقترنت اغلب اعمال الغرافيتي الفنية بما تقتضيه مرحلة ما بعد الثورة من تحرر و فك قيد ، إلا انها أضحت لا تخلو من رسائل سياسية ، اجتماعية ، رياضية ، “بوليسية” ..

“الغرافيتي يمكن أن يحمي الشباب من الالتحاق بصفوف الارهابيين”

grafiti-1

يرى طارق ديبي، طالب الديكور و فنون الرسم وفنان الغرافيتي البالغ من العمر 23 عاماً، أن السنوات التي تلت الربيع العربي عام 2011 – حينما انتفض المواطنون لخلع زين العابدين بن علي – اتسمت بالشعور بالإحباط وخيبة الأمل بين الشباب.

وأوضح ديبي بأن الحكومة لم تقدِّم شيئاً للشباب عقب إندلاع الثورة، وبالتالي هناك الكثير من الكراهية تجاه المجتمع، دفعت العديد من المواطنين للإنضمام الى تنظيم “داعش” للحصول على المال. فمن يصبح عنصراً في صفوف الجماعة الإرهابية ليس لديه ما يبكي عليه، ومن ثم يسهل إقناعهم بالفكر المتطرف.

وإختار ديبي الرسم على الجدران كسلاحٍ له في محاولة لمعالجة المشكلة، وإبتكر سلسلة من ورش العمل للشباب.

حيث يريد تعليمهم كيفية إستخدام عبوات الرش، ولكنه يأمل أيضاً في أن يساعدهم ذلك على تشكيل الوجدان والهوية حتى يكونوا أقل عرضة للإنضمام الى الجماعات المتطرفة. ويقول ديبي بأن الرسم على الجدران كشف له إمكانية النجاح حتى في حال عدم إمتلاك شيء، فالفن قام بتغيير البلدان والإمبراطوريات، ولكنه إختار الكتابة على الجدران لأنها تمثل نمط حياته.

ويرجع الفضل في تعرُّف ديبي على ثقافة “الهيب هوب” و فن الرسم على الجدران إلى كريم جباري من مدينة القصرين أيضاً.

ففي أعقاب ثورة عام 2011، نظم مهرجان حضري في المدينة ودعا مغني “راب” دوليين ومحترفين في توزيع الموسيقى DJ إلى جانب فنانين. وذلك إحتفالاً بثقافة الشباب.

وتزامل بعدها جباري مع ديبي في فريق واحد للعمل على قطعة من الكتابة على الجدران إمتدت بطول جدار سجن القصرين تعتمد على كلمات شاعر الثورة في أوائل القرن العشرين أبو القاسم الشابي وتجمع بين الكتابة بالخط العربي والرسم.

grafiti2

 

“فن الشارع يبلغ ذروته في فترات التي تشهد تغييرات سياسية”

grafiti-sebssi

 

«ايمان» استاذة بالمعهد العالي للفنون الجميلة أوضحت،ان «الغرافيتي أو فن الشارع يعبر عن ثورة نفسية قد تكون شخصية احيانا ولكنها تعتمد كلها على أدوات ووسائل فنية موحدة»،مضيفة: «ان الرسم هو أحد اهم الطرق التي يستخدمها الانسان للتعبير عن افكاره ومواقفه وارائه..حقا انها اسرع طريقة لتوضيح موقف ما أو لجعل الناس يتفاعلون معها…

يبلغ فن الجرافيتي ذروته في الفترات التّي تشهد تغييرات سياسيّة واجتماعيّة، ويصبح في حد ذاته شكلا من أشكال القوة العامة لمقاومة السّلطة الحاكمة حيث ينتقي فنان أومجموعة من الفنّانين شارعاً مكتظا لنقل الرّسالة عبر الكلمات أو صورة أو اثنين، والتّي تحتوي في معظم الأوقات على سُخرية مريرة».

واضافت «ايمان»: « تُثير قوة الغرافيتي، باعتباره وسيلة للتعبير الحر، قلقاً متزايداً لدى العديد من الحكومات والأنظمة السّائدة. فتراها تتخذ التّدابير القمعيّة لإسكات صوت الشّارع، ومن أفضل الأمثلة على هذا النّوع من ردود الأفعال ما حدث في بريطانيا مع قانون السّلوك غير الاجتماعي لسنة 2003 وتوقيع النّواب على ميثاق يفيد بأنّ «الغرافيتي ليس فنّاً، بل جريمة».