قضايا وحوادث

الجمعة,7 أكتوبر, 2016
العنف المدرسي…أسباب كثيرة و ضحايا بالآلاف

ارتفعت ظاهرة العنف المدرسي خلال العشر سنوات الأخيرة بشكل ملفت، ومع انتشار مواقع التواصل الحديث بات انتشار العنف الممارس داخل مدارسنا واسعا من خلال الصور والفيديوهات المصورة التي توثق اعتداء تلميذ على أستاذه أو اعتداء تلميذ على زميله.

وتنوعت الروايات حول هذا العنف وتوزعت على مختلف مناطق الجمهورية، ومنذ ثورة 2011 تحول عدد من المؤسسات التربوية الى فضاء للوقفات الاحتجاجية والإضرابات المنددة بالعنف، حتى إنه صنف كظاهرة خطيرة وسلط عليها الباحثون والدارسون الضوء وحاولت وزارة التربية ايجاد حلول للوقاية والحد منها.

وكان المرصد الوطني للعنف المدرسي أصدر تقريرا في 05 ديسمبر 2014 حول مؤشرات العنف داخل وفي محيط المؤسسات التربوية، وأظهر هذا التقرير تصدر ولاية تونس الكبرى قائمة حوادث العنف خلال الفترة الممتدة ما بين سبتمبر و نوفمبر 2014.

حيث تصدرت ولاية تونس الكبرى الترتيب من حيث حالات العنف المسجلة بنسبة 14 بالمائة، تلتها ولاية سوسة بنسبة 11 بالمائة، ثم صفاقس بنسبة 10 بالمائة، فيما حافظت بعض الجهات الغربية للبلاد كسيدي بوزيد و القصرين على نفس النسب مع تدَنّ ملحوظ في حالات العنف المادي.

ووفق ذات التقرير فإن حالات العنف داخل المدرسة التونسية بلغت 52 بالمائة في حين بلغت في محيطها 48 بالمائة، كما لفتت المؤشرات الانتباه إلى التفاوت الواضح إحصائيا في حالات العنف المسجلة بكل من المجالين الحضري والقروي، حيث تم تسجيل 77 بالمائة من حالات العنف بالمجال الحضري مقابل 23 بالمائة في المجال القروي.

محاولة جديدة لوزارة التربية:

أطلقت وزارة التربية مؤخرا حملة تحسيسية لمقاومة ظاهرة العنف في الوسط المدرسي تحت شعار “لا للعنف داخل المدرسة”، وتستهدف هذه الحملة كل المؤسسات التربوية والفضاءات التابعة لها.

وقال مصدر من وزارة التربية في تصريح لـ “الشارع المغاربي” إن الحملة تهدف إلى إعادة الصبغة التربوية لكل مؤسسات الوزارة وهياكلها وذلك بعد تنامي ظاهرة العنف المدرسي بمختلف اشكاله في السنوات الأخيرة، حيث سجلت الإحصائيات 9727 حالة عنف لفظي ومادي استوجبت اتخاذ اجراءات تأديبية بالمدارس الإعدادية والمعاهد خلال الثلاثي الأول لسنة 2015/2016.

وأضاف المصدر أنّ الحملة التحسيسة موجهة الى جميع مكونات الأسرة التربوية وإلى الأولياء وذلك بهدف تطهير المحيط العائلي من العنف اللفظي ومختلف أشكال العنف الأخرى والتي ترسخ بذهن التلميذ انطلاقا من بيئته الأولى.

كما أشار إلى أنه سيتم تفعيل دور خلايا الإصغاء والإرشاد التي تلعب دورا مهما في التخفيف من الآثار النفسية والاجتماعية للعنف المدرسي ومساعدة التلاميذ على تجاوز مشاكلهم النفسية والتواصل الجيد مع الإطار التربوي والإداري داخل المؤسسة التربوية للإصغاء إلى التلميذ واستكشاف الحالات المضطربة سلوكيا ومساعدتها على علاج اضطراباتها، إضافة إلى وضع خطة متكاملة للتحسيس والتكوين في هذا المجال تشمل كل الأطراف المتدخلة في العملية.

ووفق اخر الدراسات فإن العنف المقترف من قبل التلاميذ ضد المربين يأتـي في مقدمة الحوادث مقارنة مع العنف بين التلاميذ، كما تم تصنيف الأفعال العنفية كالتالي: تكرار حالات العنف الجسدي واللفظي تليها السرقة ثم التحرش الجنسي.

أسباب العنف المدرسي:

وحول أسباب العنف المدرسي أكد الباحث في علم الاجتماع طارق بالحاج محمد أن الفترة أو السن ما بين 12 سنة و17 سنة هي فترة المراهقة بامتياز فالشاب يبحث عن نفسه دون أن يجد مرافقة نفسية لتوظيف هذه الطاقات في نشاطات منتجة فالمؤسسة التربوية تركّز على التدريس أكثر من التركيز على تنمية الشخصية وتطويرها.

وأضاف طارق بالحاج محمد في تصريح “للشاهد” أن لهذه الظاهرة أسبابا مدرسيّة وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية فالعنف المدرسي ليس عنفا مفصولا عن ممارسة العنف الموجودة في المجتمع وهذا واقع ليس وليد ما بعد الثورة بل هو واقع تعيشه تونس منذ سنوات وهو امتداد لعنف أسري اجتماعي واقتصادي وسياسي وبالتالي المدرسة ليست هي الطرف الوحيد المسؤول عن العنف المدرسي.

وتابع محدثنا:”نحن إزاء جيل يتبنّى ثقافة مضادة للثقافة والقيم الاجتماعية السائدة وبالتالي لم يعد المثل الأعلى لهؤلاء العائلة او المجتمع او المدرسة بل مثلهم صور المشاهير والرياضيين والمشاهير لا يتبنّون عموما قيم العمل والمثابرة والمجهودات والعلم”.

كما أكد الباحث في علم الاجتماع أنّ الأسرة التونسية أصبحت منتجة للعنف من ذلك تغييرها لنمط العلاقة مع الأبناء لتصبح علاقة انفاق قبل ان تكون علاقة تربية ومطلوب من الأسرة الرجوع الى القيمة التربوية.

كما شدد على أن الأسرة التونسية اليوم غرقت في هوس النتائج المدرسية وسلّطت ضغطا مضاعفا على أبنائها التلاميذ كما ان العائلة انتقلت من مرحلة الإنكار والاستقالة في تربية أبنائها الى مرحلة التبرير بمعنى انتقال من وضعية الغياب عن متابعة أبنائها إلى وضعيّة مهاجمة المدرسة والمربّين وبدل ان تقوم بدورها أصبحت طرفا في تأجيج العنف المدرسي وطرفا في تعكير فحوى الحياة المدرسيّة المعكّرة أصلا وأصبحت طرفا إضافيا في النزاعات داخل الفضاءات التربوية.

كما أن غياب النصيحة والإرشاد يجعل العائلة تهب أبناءها كهديّة مجانيّة لكل سلوكيات وثقافة الموت بأنواعه فقد آن الأوان لتستعيد العائلة دورها التاريخي لإنقاذ أجيال كاملة ودورها الأصلي هو التربية وليس الإنفاق فحسب والتعامل مع التعليم كخدمة اجتماعية وليس كسلعة تتباهى بها وفق تعببيره .

الحلول الممكنة …

ووفق الباحث الاجتماعي طارق بالحاج محمد فإن الحلول الازمة للحد من ظاهرة العنف المدرسي تتمثل في النقاط التالية:

– فتح مدارات الحوار مع الأطفال والشباب المنتسبين للمعاهد والاعداديات.

– إصلاح تربوي يركز على التكوين الجيد أكثر من المنافسة.

– التخفيف من الزمن المدرسي المرهق الذي تحول إلى نوع من الاعتقال المدرسي المدمر لابناءنا ف فحسب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تقرير سنة 2015 فان 12 حالة لانتحار الأطفال أسبابها مدرسية وعائلية.

– نشر ثقافة الحياة وتدعيم الأنشطة الثقافية والترفيهية.

– جعل المرافقة التربوية والنفسية خدمة أساسية وقائمة بذاتها وليس على هامش العملية التعليمية.