كتّاب

الأربعاء,13 أبريل, 2016
العطالة السياسيّة وضرورة التجاوز .. مؤسسة التوافق.. هدنة سياسية ومجلس شيوخ

محمد الحمروني

وثائق بنما، وفضائح أخلاقيّة وماليّة، وأشرطة توثّق عمليّات مخلّة بالآداب تورّط بها بعض النّشطاء السياسيّين، تنشر وتوزّع على وسائل التواصل الاجتماعي في إطار المعارك السياسيّة وتصفية الحسابات.

تضاف الى ما يشبه العطالة السياسيّة التي تعيشها بلادنا .. وتوتر الاوضاع الاجتماعيّة مثل المطالبات المتكرّرة بالتشغيل أو التنمية أو بعض القضايا التي تطرأ فجأة كقضيّة جزيرة قرقنة مثلا.. والتصريحات الصّادرة عن بعض الشركاء في الرباعي الحاكم، كالمطالبة بتحوير وزاري، أو المطالبة بتغيير وزير الرياضة لأسباب حزبيّة أو شخصيّة بحتة…

إذا جمعنا كل هذا يصبح لدينا وضع سياسي مشحون حدّ الاختناق، خاصّة وأن ّالمواطن العادي، الذي لا تعنيه السياسة كثيرا، وهو الذي يدفع لوحده تقريبا فاتورة “العجز” عن الإنجاز الذي تعاني منه الحكومة، كما يدفع ثمن الارتفاع المشطّ للأسعار مقابل ضعف مقدرته الشرائيّة، هذا المواطن يجد في التسريبات والحديث عن مليارات منهوبة، مناسبة كي يكْفُر بالتحوّل الجاري في بلادنا وبالديمقراطيّة وبكل ما أتت به الثورة.

.. الصورة، التي تصل عامّة الناس مشوّهة، والغالبيّة السّاحقة لا تدرك أنّ هذه الضبابيّة، وحالة الفوضى العارمة في المواقف والأحداث والاصطفافات، متعمّدة، والهدف منها إرباك عمليّة التحوّل الديمقراطي، ومنع الحكومة من تحقيق أيّ من أهدافها بهدف إعلان فشلها والعودة إلى الترحّم على النظام البائد.

فالخلط المتعمّد الحاصل اليوم بسبب تسريبات بناما، وبغضّ النظر عن كون محسن مرزوق متورّطا فيها أم لا، جعلت المواطن يتّهم كلّ الطبقة السياسيّة بالفساد، ويشكّك في نزاهتها، وهو معذور في ذلك، ما دامت وسائل إعلامنا تشتغل منذ قيام الثورة إلى الآن على شيطنة الوافدين الجدد على الساحة السياسيّة واتهامهم باطلا بالفساد ومحاولة تلفيق التهم إليهم بشتّى الوسائل.. وما قضيّة الهبة الصينيّة عنّا ببعيدة، ونفس الشيء يقال عن إشاعة “يخت” سمير ديلو و”ضيعة” عبد اللطيف المكي.

المواطن الذي يستمع يوميّا إلى روايات عن مليارات منهوبة ومسروقة، سواء صحّت هذه الرّوايات أم لا، سيكون أمْيَل إلى تصديقها، لأنّه يعاني الخصاصة وضيق العيش، ويقتطع من لحمه الحيّ كي يدفع نفقات دراسة أبنائه، ولكي يضمن لهم اللقمة والكسوة.

صحيح أنّ شعبنا صبر ولا يزال، وهو يحلم بأن يأتي يوم تتحقّق فيه أحلامه في العدالة الاجتماعيّة، وفي أن تتحسّن أوضاعه الماديّة، وهو يضحّي بكل ذلك في سبيل نجاح التجربة الديمقراطيّة التي نعيشها والتي يتصوّر الجميع أنّها المفتاح لكلّ المشاكل التي تعاني منها البلاد.

هذا المواطن، عندما يرى السّاسة يتصرّفون بلا مبالاة مع الصعوبات التي تمرّ بها البلاد، ولا يلتفتون إلى الأوضاع التي يعانيها غالبيّة التونسيّين، طبيعي أن يغضب ويحنق وربّما يثور، فنحن كلّنا نعيش منذ قيام الثورة على الأمل.. أمل في أن تتحسن أوضاعنا وفي أن تنجح تجربتنا في استكمال مسارنا الديمقراطي.

بينما ما يراه المواطن هو أقرب إلى التصرّفات غير المسؤولة لغالبيّة النخب السياسيّة، وكل يغنّي على ليلاه، ولا يفكّر إلّا فيمن والاه، حتّى باتت الحكومة شبه مشلولة، وباتت أقرب إلى حكومة مؤقّتة منها إلى حكومة الإصلاحات الكبرى التي ينتظرها التونسيّون. وبات المواطن يشعر باختناق شديد في الحياة السياسيّة، وفي الفضاء العام، اختناق تحسّه، بل تسمعه وأنت في الحافلة أو في المترو أو في سيّارة الأجرة أو حتّى بين الأهل والأقارب.

عندما تسمع كلاما من نوع “الكلّهم سُرّاق” تعليقا على وثائق بنما، فهذا أمر خطير، لأنّ هذا الكلام يعني أن المواطن العادي أصبح يسوّي بين الطبقة السياسيّة التي أنتجتها الثورة، وبين نظام الفساد والاستبداد للعهد السابق وعصابات الطرابلسيّة، ويصبح هؤلاء وهؤلاء في نفس المرتبة لا فرق بينهم. ولا يعني المواطن أكانت الاتّهامات الموجّهة لمرزوق صحيحة أم خاطئة، ولا يعنيه إن كان مرزوق احد العناوين عن الثورة المضادّة، وهو بشكل من الأشكال امتداد لفساد النظام السابق، هذا كلّه لا يعني المواطن، ما دامت أجهزة الإعلام عندنا تشتغل على الفوضى وخلط الأوراق. ما يعني المواطن أن الفساد الذي ظنّ أنّه تخلّص منه عاد من جديد وتلك بالنسبة إليه طامّة كبرى.

نحن بحاجة الآن، وفي مواجهة هذا الوضع، وحتى لا نقع جميعا ويقع معنا المواطن العادي في حالة من اليأس شبيهة بتلك التي سبقت انطلاق الحوار الوطني، نحن بحاجة أولا إلى أن نعيد الأمل للتونسيّين، ونثبت لهم عزمنا على محاربة الفساد ومواجهة الفاسدين، وأنّ بعض الوجوه التي طرأت على الحياة السياسيّة وربّما تورّطت في تهريب أموال أو تبييضها، لا تمثّل الثورة بأي شكل من الأشكال.

ومثلما كنا بحاجة قبل الانتخابات الأخيرة إلى الحوار الوطني وإلى أطراف تشرف عليه، نحن اليوم بحاجة إلى حوار وطني شبيه بذلك الذي سبق ولكن في إطار أكثر تنظيما وأكثر تقنينا ودَسْترة. نحن بحاجة إلى مؤسسة تدعم في الآن نفسه الحكومة، وتساعد على تجاوز التعطّل الكبير في عمل مجلس النوّاب.

ومثل غالبيّة الدول الديمقراطيّة، يمكن أن نلجأ إلى مؤسّسة شبيهة بمجلس الشيوخ أو الحكماء، يمثل الغرفة الثانية لمجلس النوّاب، ويمكن الاتفاق على طريقة اختيار هذا المجلس ولكن المهمّ أن يضمّ أصحاب الخبرة السياسيّة الطويلة، وبعض كبار المفكّرين والباحثين وأصحاب الرأي في بلادنا، كما يمكن أن يضمّ خبراء في مجالات معيّنة، وهذا المجلس يكون بديلا عن مؤسّسة الحوار الوطني التي تشكّلت قبل الانتخابات الأخيرة، ويكون دوره ضمان تمثيليّة بعض القطاعات والأحزاب، وبعض الرموز والشخصيّات الوطنيّة التي لم ترد التنافس على عضويّة مجلس النواب، أو هي فشلت في الترشّح إليه.

أعتقد أنّنا لا زلنا في مرحلة انتقاليّة ولا زلنا بحاجة إلى التوافق، وهذا التوافق لا بدّ من مأسسته، وتقنينه ودسترته في هيكل رسمي كمجلس شيوخ أو حكماء أو شورى، بحيث يكون لدينا مجلس النواب الذي يعبّر عن الاختيار الحرّ (الانتخابات) ومجلس للشيوخ يعكس حاجتنا لتمثيليّة بقيّة الأطراف التي لم تترشّح أو لم تفز في انتخابات مجلس النوّاب، وهكذا نضمن عمليّة التدرّج نحو الديمقراطيّة التي لا يمكن أن تكون معتمدة على صناديق الاقتراع، أو الحسم عبر الفوز بنسبة خمسين زائد واحد فقط.

..نحن بحاجة إلى مبادرات تخرجنا من حالة العطالة السياسيّة التي تعيشها البلاد وتعطي للتونسيّين أملا في مستقبلهم .. ومستقبل بلدهم، وتعيد الروح للتوافق وللحوار الوطني عبر خلق مؤسسة تعكس هذه الروح التي مكنتنا من تجاوز الأوضاع الصعبة التي مرت بها بلادنا وثورتنا وتجربة الوليدة في الانتقال الديمقراطي.