الرئيسية الأولى - كتّاب

الجمعة,13 مايو, 2016
العرب من النكبة الى التيه الاستراتيجي

الشاهد_يحيي العرب الذكرى الثامنة و الستين للنكبة في سياق ثورات عربية تسير بشكل درامي الى مصير مرير شبيه بمصير الثورة العربية الكبرى التي استثمرها الانجليز أوائل القرن العشرين للإجهاز على “الرجل المريض (الخلافة العثمانية) و لإعادة تقسيم العالم العربي (معاهدة سايكس بيكو) و وعد اليهود الصهاينة بإقامة “وطنهم القومي” على أرض فلسطين.

 

لقد كان من بين أهم مبررات كفر الأمة العربية بنظمها الساقطة و الآيلة إلى السقوط في سياق مسار الربيع العربي الحالي هو أنها كانت نظم “هوان قومي” فضح عجزها الانتصارُ المطردُ لمقاومة مسلحة في لبنان و غزة قطعت حبلها “السري” مع أجندات” النظم و انتصرت في سنوات الالفين .

 

بنفس روح المقاومة هبت الشعوب سلميا فسقط فرعون مصر و هرب دكتاتور تونس و صاحت الشعوب تريد “تحرير فلسطين” و لكن الخيبة كانت مع اكتشاف الشعوب الثائرة للعجز الهيكلي لطبقة سياسية عربية تبدو بتياراتها المختلفة أدنى قيمة من حجم انتفاض الشعوب قاصرة على استثمار هذا الانتفاض مما جعل الثورات العربية تسير بقيادة هذه “النخب” الى فخاخ التخطيط الاستراتيجي الذي رسمه “الأعداء”.

 

ثورات الشعوب تضع الحقيقة على قارعة الطريق فهل تلتقطها النخب؟

 

لم تكن الثورات التي انطلقت من تونس رغم أنف “الدول” و في غفلة من “الأحزاب” و التي فاجأت مخابر الإستشراف الدولي إلا اختزالا لمفردات المشروع الوطني لتضعها بتلقائية و دون تنظيم تنظيري على طاولة المعنيين بالقراءة و التنظيم و التنظير . (الحرية و الكرامة الاجتماعية و الوطنية بعيدا عن مفاهيم الأسلمة أو العلمنة أو الدمقرطة الخاوية التابعة )

لكن الجماعات و الأحزاب أو على الأصح الطوائف السياسية العربية ارتدت أياما بعد الثورتين التونسية و المصرية إلى غباء “شمولياتها الايديولوجية ” القديمة في حين كانت الأجواء في اليمن و ليبيا مهيأة أصلا للارتداد الطبيعي إلى قبلية وعشائرية كانت “دول المسخ” تشتغل بها باستمرار .

أما في سوريا فقد تم بسرعة تحويل الاحتجاجات الإصلاحية المشروعة إلى مؤامرة على المقاومة و استطاع ملوك طوائف الريع البترولي أن يستثمروا لصالح الامبريالية و الصهيونية غباء “المنتوج السلفي التكفيري” لاقحام المقاومة في المستنقع السوري و منع كل إمكانية تحالف استراتيجي بين الشعوب العربية و إيران و تركيا و باقي الدول الإسلامية الصاعدة لمواجهة الهوان الذي وضعنا فيه أصحاب الجلالة و الفخامة و السمو .

 

الردة العصرية الإيديولوجية في تونس و مصر و الردة التقليدية إلى القبلية في ليبيا و اليمن كانت بكل المقاييس عوامل مسندة لتستعيد “المنظومات البائدة” موقعها كشريك أساسي في تزييف الوعي الشعبي التلقائي العفوي بالحقيقة الثورية بما هي حقيقة حتمية بناء المشروع الوطني المؤلف في مواجهة فشل النخب و انهيار المنظومات البائدة .

 

كانت الردتان العصرية و التقليدية في ظل “الهشاشة” الفكرية و عجز النخب بجميع فصائلها عن الوعي الإستراتيجي باللعبة الدولية عاملا أساسيا في استعادة القوى الدولية لدورها الطبيعي في الانحراف بمسار “الثورة العربية” الحالية كما انحرفت بثورات العرب في القرون الثلاثة الماضية .

 

تتهدد الآن المجتمعات العربية مخاطر جمة تتمحور في اختزال الثورات العربية في مجرد انتقال ديمقراطي شكلي يعيد توزيع السلطة المركزية للدولة التابعة و الاشتراك فيها أو تداولها بين “لاعبين جدد” و بقايا منظومة بائدة و اختزال منوال التنمية الوطنية المنشود في إدماج الاقتصاديات العربية ضمن سياقات “الاقتصاد المعولم” بتوصيات “السلطة العالمية المالية” و الاشتغال على استحضار كل الاستقطابات الممكنة بين فصائل “الشموليات الإيديولوجية” الغبية لتأبيد وضعية “الدولة العربية الفاشلة” و تفتيت المجتمعات الأهلية عبر تدعيم كل مخزون الصراع المذهبي و الطائفي و العرقي في سياق بث أوهام “ديمقراطية الأقليات” لمنع كل مظاهر الاستقواء بالمخزون الحضاري المتنوع الذي صهره الإسلام في المنطقة و دعمته طموحات توحيد الأمة سنة وشيعة وقوميات و أعراق .كل ذلك من اجل منع كل التئام بين قيم المشروع الوطني المنشود في بناء الدولة الديمقراطية و تحرير الأرض و الثروة و استعادة الهوية للانخراط الفاعل في الكونية الجديدة .

 

يبقى الطموح إلى بناء التأليف المنشود للمشروع الوطني الشامل هو وحده البوصلة الهادية لكل مثقف أو سياسي يريد للثورة العربية المعاصرة أن تحقق أهدافها أما الشموليات مهما كان لبوسها ماضويا أو حداثويا فانها الى زوال .

 

في نقد الشموليات:

 

النقد جذري للحصاد الهزيل لكل “الشموليات” العقيمة التي تنازعت الفكر العربي على امتداد قرني الاستعمار و الدولة “الوطنية” ما بعد الكولونيالية هو وحده الذي سيصنع امكانية انقاذ انتفاض الشعوب العربية من التيه الاستراتيجي الذي تضطر حاليا الى قطعه .

 

لقد أدركت “الليبيرالية العربية الوطنية” مبكرا أهمية اقتباس مفاهيم المواطنة و الدستور و القانون و دولة المؤسسات من “فلسفة الحقوق” و عصر التنوير الأوروبي و لكنها كانت قاصرة في “نقد” الانسانوية المركزية الاروبية و في استيعاب مبررات الرفض العربي لمفهوم “الدولة الحديثة” التي تماهت في الوجدان العربي مع “الاستعمار” و فداحة “الفردانية الليبيرالوية” و تفكيك بنى المجتمع الأهلي و استهداف الهويات و إلحاقها بمركز أوروبي لا يرى الآخر إلا “غريبا متوحشا”.

 

تلك هي أزمة “الديمقراطويين الحداثويين ” العرب الذين تصدروا قيادة الثورات العربية الحالية في مواجهة النظم المستبدة فأحالوها من جديد الى مختبرات المركز الغربي في صناعة “ديمقراطية” بلا مضمون وطني .

 

و في سياق التيه الاستراتيجي نفسه يبدو الاسلاميون ورثاء دراميين لفكرة “الجامعة الإسلامية” مع رشيد رضا المرتكزة على إصلاحية الأفغاني و محمد عبده و التي أمسكت في وقتها بحقيقة بناء الذات بذاتها بعيدا عن أوهام “التشاكل” مع الآخر و استنساخه و لكنها انتهت مع “التلاميذ” إلى “أصولية ” مفقرة من طموح المواءمة بين الإسلام و قيم العصر و انتهت في سياق الصدام مع استبداد “الدولة الوطنية الحديثة” إلى “دعوة ثيوقراطية” تكفر “المجتمع الجاهلي” و “تهجره” لترسم “معالم الطريق” إلى إسلام معياري مفترض تتم استعادته من الماضي الذهبي لخلافة راشدة أقامها رجال أدركوا زمانهم و لم ندرك مثلهم زماننا .

 

و بين هذا الخيار و ذاك تقدم الاسلاميون في ارتباك فكري لقيادة “الثورة” ليضعوها في مهب الرياح الايديولوجية المتمترسة في الخوف المتبادل بين الانساق .

 

أما “الاشتراكية العربية” في وجهيها القومي و الماركسي فلم تكن أوفر حظا من الشموليتين السابقتين في المدونة الوطنية العربية .لقد كان الاشتراكيون العرب محقين تماما في إدراك مقتضيات الفهم الشامل للاستقلال و التحرر الوطني من حيث هو المحصلة الطبيعية لوحدة الأمة و شيوع العدل الاجتماعي بين أبنائها كما إن إضافتهم قد كانت حاسمة في استحضار محورية الصراع مع “الصهيونية و الامبريالية” و لكن العروبيين و الماركسيين (سواء من حكم منهم أومن بقي خارج الحكم) قد ذهلوا عن الاستفادة من مراكمة “الشموليتين” السابقتين في أهمية “المواطنة و الحقوق و دولة المؤسسات” عند الليبيراليين و في ضرورات التأصيل عند الإسلاميين .

 

ستكون الشموليات الثلاثة على امتداد القرنين الماضيين مراكمة للعجز العربي الثلاثي : العجز عن بناء دولة المواطنة الوطنية لتكون الدول القطرية مابعد الكولونيالية استبداديات عائلية أو عسكرية أو عشائرية أو طبقية تابعة و ضعيفة و معادية لمجتمعاتها و العجز عن بناء المجال السياسي البديل المعارض لتكون الأحزاب و الحركات مجرد طوائف تنظيمية عقائدية بلا جماهير و العجز عن بناء المجال المدني المعبأ على قاعدة المشروع الوطني الموحد لترتد الأمة إلى ما دون الأمة يحتمي أفرادها(من حسن حظهم) بالطائفة و العشيرة و المذهب في مواجهة استبداد الدولة “الوطنية” و صد الغزاة .

 

في سياقات هذا القصور الذي عانته “النخبة” العربية داخل “الحكم” و خارجه كانت الشعوب الإسلامية من حول العالم العربي تنجز “تأليفياتها الوطنية” لتصوغ مشاريعها الوطنية في عالم متحرك .(دول شرق آسيا) .

 

و لكن الوطن العربي وهو “السرة الاستراتيجية” للمعمورة فقد كان ميدانا للعبة الأمم في غياب المشروع الوطني العربي الذي ينطق بنفسه ليعبر عن نفسه و في سياق الثورات العربية فشلت الطبقة السياسية العربية تلقف القدرة على التاليف رغم محاولات سابقة سرعان ما نسيتها النخب العربية في ضجيج صراعاتها بعد الثورة مثل مؤتمر الحوار القومي الإسلامي و المؤتمر القومي العربي و تحالفات “كفاية” بمصر و 18 اكتوبر بتونس لتعود من جديد الى استقطابات التيه الاستراتيجي القاتل.

بقلم : الحبيب بوعجيلة