وطني و عربي و سياسي

الخميس,19 مايو, 2016
العربية: تونس .. بين الإرهاب والسياحة

الشاهد_ بينما العديد من بلدان الربيع العربي تكافح مع النزاعات والتراجع الديمقراطي، لا تزال تونس رائدة على طريق التحول الديمقراطي. وقد شهدت البلاد انتخابات برلمانية ورئاسية ناجحة، وتمتلك مجتمع مدني نشط، واحتضنت الدستور الأكثر تقدمية في العالم العربي، بحسب ما وصف موقع “العربية” في تقرير مطول اطلعت عليه الشاهد ونقلته إلى اللغة العربية.

ومع ذلك، تونس لا تزال تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية خطيرة، التي إذا لم تعالج، يمكن أن تشكل تهديدا خطيرا لمستقبلها الديمقراطي. ولعل في أي مكان هذه التحديات ينظر إليها بصورة أكثر وضوحا مما كانت عليه في مناطقها الحدودية.

قمت مؤخرا بزيارة لولاية الجنوب الشرقي من مدنين، بوابة تونس إلى ليبيا التي حظيت بالاهتمام قبل شهرين عندما هاجم مقاتلون منتسبون إلى الدولة الإسلامية في العراق وسوريا واحدة من مدنها، بن قردان. وقد تم إحباط الهجوم من قبل الجيش التونسي والحرس الوطني، ولكن للأسف زادت المخاوف بشأن الأمن في البلاد من بين العديد من كان يعتبر، خلافا لذلك، أن تونس وجهة سياحية محتملة.

ومع ذلك، هذا الخط من التفكير هو عكس الكيفية التي ينبغي أن ينظر إليها. إنه الافتقار إلى السياحة، وغيرها من وسائل الانتعاش الاقتصادي، والتي تسهم في إيذاء أمن تونس وتهدد مستقبلها الديمقراطي.

وتمتلك مدنين البعض من الجغرافيا الأكثر مأساوية في البلاد. إذ تتمتع المناطق الساحلية بشواطئ البحر الأبيض المتوسط الرملية، في حين توفر المناطق الداخلية الصحارى الواسعة، وفي كثير من الأحيان أخرى حيث قتل أربعة أفلام “حرب النجوم”. ومع ذلك، وبصرف النظر عن صناعة السياحة – التي تستثمر من الجمال الطبيعي في المنطقة – ليس هناك إلا القليل في الولاية التي يمكن أن تخلق فرص العمل.

ولم يقدم نظام المخلوع زين العابدين بن علي مبادرات التنمية بالجنوب. ومازالت الحكومة الحالية تحاول معالجة التحديات الاقتصادية في تونس ككل، ولا يبدو أن لديها القدرة على معالجة التنمية الإقليمية بصورة شاملة بعد.
حالة الغموض التي رافقت الثورة منذ خمس سنوات، والسلسلة من الهجمات الإرهابية التي ابتليت بها تونس منذ ذلك الحين، يعني أن السياحة في المنطقة قد انخفضت إلى الصورة التي كانت عليها سابقا، وخلفت آلاف العاطلين عن العمل. وفي بعض الأماكن في الجنوب، فإن معدل البطالة يصل إلى حوالي 50 في المائة.

اليأس

وخلال زيارتي إلى مدنين، رأيت لقطة لما يعنيه هذا الوضع بشكل ملموس. الربيع هو عادة موسم الذروة للسياحة الصحراوية، ومع ذلك فان المناطق الداخلية كانت في معظمها خالية، وبصرف النظر عن الحافلات الفردية للسياح التونسيين. وقد أغلقت معظم المحلات التجارية والمطاعم. وفي المدن الساحلية، تم إغلاق الفنادق بعد سنوات من مواسم سيئة.

وكان الناس متعطشون للحصول على أي عمل. وأخبرني ضابط إحدى المنظمات غير الحكومية أنهم أعلنوا عن وظيفة سائق وتلقوا أكثر من 100 طلب، 90 في المائة منهم من الناس الذين اعتادوا العمل في صناعة السياحة، ومعظمهم من المؤهلين.

الروايات التي تقول بأن الناس حكوا عن حياتهم نسجت قصة حزينة من اليأس. رجل واحد يعمل كسائق لأنه لم يستطع العثور على عمل آخر، على الرغم من أن بصره يعني أنه لا يمكن أن يرى بشكل صحيح في الظلام.

وامرأة مسنة عملت كمنظفة جزئيا لدعم ابنتها، الذي تخرجت من الجامعة منذ سنتين ولا تزال غير قادرة على العثور على وظيفة.

رجل امتطى قاربا متوجها إلى أوروبا ليجرب حظه كمهاجر غير شرعي، ليس مرة واحدة وحسب وإنما ثلاث مرات. في كل مرة يتم القبض عليه ويجبر على العودة إلى تونس. وفي واحدة من تلك الرحلات، وجد القارب مفقودا في البحر لمدة أسبوعين، واضطر إلى اللجوء إلى تناول حزامه الجلدي للبقاء على قيد الحياة. وكان رجل آخر قد انتهى عمله، قال لصاحب العمل أنه سيقيد نفسه خارج المكتب حتى يقوموا بتوظيفه.

العمل الوحيد الذي يشهد ازدهارا في المنطقة هو التهريب. وكان تهريب البضائع والوقود من وإلى ليبيا في الجنوب التونسي موجودا قبل الثورة بصفة جيدة، ولكن اليوم، بالنسبة للكثيرين هو الوسيلة الوحيدة لكسب العيش.

داعش

وكان الهجوم على بن قردان محاولة من تنظيم “داعش” للاستفادة من مظالم الناس، كما أنها تهدف إلى السيطرة على المدينة، واستخدامها كقاعدة للتوسع في جنوب تونس. ومع ذلك، على الرغم من وجود أعضاء داعش المحليين في بن قردان الذين سهلوا الهجوم، فإن السكان عموما، رفضوا المنظمة. وبالنسبة لمنطقة تعتمد على السياحة، أن تصبح جزءا من ما يسمى الخلافة ليس بالتأكيد الطريق لاستعادة سبل معيشة السكان.

ومع ذلك، وحتى إذا كان معظم الناس يرفضون تنظيم “داعش”، تواصل تونس توفير أعداد كبيرة من الجهاديين الذين ينضمون إلى هذه المنظمة الإرهابية. ومع أن التنظيم موجود في ليبيا، فمن الأسهل لهؤلاء الجهاديين القتال هناك من في سوريا. وفي حين أن بعض ينضمون إلى تنظيم “داعش” بسبب القناعة الأيديولوجية، فإن الكثيرين باتوا ينضمون للخروج من العوز الاقتصادي.

علاوة على ذلك، فإن تعاون سكان بن قردان مع الجيش للتغلب على هجوم “داعش” يبعث على الاطمئنان، ويظهر أن تونس ليست مرتعا للمجموعة. أما بالنسبة للهجمات الإرهابية، تونس هي في نهاية المطاف ليست أكثر عرضة للهجوم من فرنسا أو بلجيكا، منذ أن تسعى “داعش” اليوم للعمل كلما وحيثما استطاعت في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، لا يسع للمرء إلا أن يتساءل كيف للمناطق المهملة منذ فترة طويلة في جنوب تونس يمكن أن تترك من دون تنفيذ التنمية الإقليمية.

وليست الجماعات الإرهابية فقط التي هي المشكلة المحتملة الناتجة عن استمرار نقص التنمية. بل هو أيضا انعدام القانون المستشري الذي يعتمد على الاقتصاد غير الرسمي.

إذا أصبح الانفلات الأمني هو القاعدة، فإن العقد الاجتماعي بين المواطن وتغييرات الدولة، يجعل الناس أقل اهتماما بالديمقراطية. تونس هي بالفعل عرضة للهجومات لأن كثيرين في الجنوب ومناطق أخرى يرون المشاكل الاقتصادية الراهنة بأنها مرتبطة مباشرة بمخلفات الثورة.

الحلول

وحتى تصبح تونس قادرة على تطوير مناطقها الحدودية، فإن المساعدة في انتعاش صناعة السياحة هي واحدة من أكثر الإجراءات الفورية التي يمكن اتخاذها لدعم اقتصادها. قصة مدنين ليست سوى مثالا ملموسا من التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه تونس. هذه التحديات لا يمكن حلها من خلال مجرد تدابير على المستوى الجزئي، لأنها تتطلب وضع خطة إنعاش اقتصادي شاملة يقرها المجتمع الدولي لتونس.

ومع ذلك، نحن كأفراد يمكننا أن نستمر في المساعدة إلى حد ما. وكما أن الكثيرين منا يتطلعون إلى العطلة الصيفية، دعونا نعتبر تونس كوجهة، وبذلك نكون قد أسهمنا في دعم مسارها الديمقراطي حتى بشكل محدود.

ترجمة خاصة بموقع الشاهد