وطني و عربي و سياسي

الخميس,19 مايو, 2016
العربية: العدو في الداخل .. ماذا تخبرنا الروايات الأوروبية والعربية عن داعش؟

الشاهد_ إنه العدو في الداخل الذي تواجهه أوروبا المتراجعة حاليا؛ الأبناء والبنات المبعدين من مواضيع مستعمراتها السابقة مستلهمين من قبل صفارات الإنذار الساحرة القادمة من الذين يدعون أنفسهم الكهنة من العنف الإسلامي المقدس في المقاطعات السابقة البعيدة من الإمبراطورية، داعين إياهم إلى شن حرب لا هوادة فيها على الإرهاب لتفكيك مجتمعاتهم، والسعي إلى الفداء والاستشهاد في إثارة للقتل.

قارة متراجعة

إنها علامة على هذه الأوقات الهشة الحديثة التي يكون فيها ثلاثة رجال مدججين بالمتفجرات والأحقاد التي لا يسبر غورها يمكن أن يدفعوا دولة أوروبية، لا بل قارة إلى طريق مسدود، بينما يتنقلون بصفة عرضية إلى المطار ويفرغون غضبهم. قد يكون الوقت متأخرا جدا بالنسبة لأوروبا لرفع جسورها المتحركة، وتزويد الأسوار وتوسيع الخندق.

أوروبا المحصنة هي شيئا من الماضي. وفي عصر الإمبراطورية، تم قمع المواضيع المتمردة في المقاطعات البعيدة من قبل قوات التدخل السريع ومحاربتهم في أراضيها.

الآن العدو في الداخل، و يعيش في جيوب صغيرة داخل المدينة، وعلى دراية بطرق وعادات ونقاط ضعف أوروبا. وبدلا من إيفاد عصابات التي ستكون الجهاديين من الأراضي العربية والإسلامية لتعيث فسادا في قلب أوروبا، ما يسمى الخلافة التي استقطبت عشرات الآلاف من المقاتلين، بما في ذلك عدد كبير من أوروبا، يمكنها ببساطة تدريبهم في فن الإرهاب وإرسالهم مرة أخرى في زيارة أخيرة لبلدانهم التي تركوها، أو مجرد إلهام المجندين الجدد من بعيد لمهاجمة العدو من الخلف.

هؤلاء الجنود الجدد ليسوا مثل الجهاديين التقليديين الذين تطوعوا لمحاربة الهيمنة السوفياتية في أفغانستان، أو مثل أولئك الذين شنوا الإرهاب ضد مختلف الأنظمة الاستبدادية العربية والإسلامية بهدف استعادة حكم الإسلاميين، إنهم البروليتاريا الرثة الأوروبية الجديدة، الذين يفتقرون إلى الوعي الإسلامي، على الرغم من أنهم يشكلون جزءا من المجتمعات المسلمة التي تعيش في أوروبا ولكن ليس تماما من أوروبا. هؤلاء الشباب المستبعدين، غير الأسوياء الغاضبين، والمجرمين الصغار والمحكومين السابقين الذين يعيشون على هامش المجتمع، تعلموا الدين إما في السجون أو يتم تجنيدهم ل”الجهاد” من قبل البلطجية المحلية، والأئمة الراديكاليين، معظمهم مستوردين من الشرق الأوسط أو جنوب آسيا. وبالتالي، يتم إعطاء حياتهم الفارغة معنى وهدفا بعد تلقي مقدمة بدائية للإسلام، مع التركيز الشديد على المظالم الحقيقية والمتخيلة للأمة على أيدي الامبرياليين والصليبيين. ويتم لف جوهرهم الجنائي أخيرا في ثوب إسلامي.

في الخمسمائة سنة الماضية، كانت القارة الأوروبية قد أثرت في التاريخ العالمي، وبدأت الثورات العلمية والصناعية، وكانت مستودعا كبيرا للثقافة والفنون؛ وبينما كان الجانب المظلم والقبيح قد ترجم في أعمال العنف الواسعة النطاق والحروب العالمية، فإنه مع ذلك وضع الأساس للعالم الحديث. الإرهاب الإسلامي الملهم الذي زار في السنوات الأخيرة المدن الكبرى في أوروبا؛ لندن وباريس ومدريد وبروكسل مؤخرا قد أثبت بقوة إلى أي مدى أوروبا ما بعد الحداثة المتمثلة في الاتحاد الأوروبي، مع حدودها المفتوحة، والسيادات الممزوجة قد ضعفت. ويأتي بعد فشل أوروبا في التحقق من مطامع روسيا العدوانية التي جعلت أوكرانيا تنزف، والارتباك و النهج المتناقضة لحل التدفق التاريخي للاجئين والمهاجرين من الشرق الأوسط وأفريقيا، هذه السلالة الجديدة من الإرهاب تهدد أسس إتحاد أوربي منهك.

 

دولة وهمية وحالة الطوارئ

 

“الخلافة الإسلامية” المزعومة التي تضم اثنين من الدول الفاشلة من سوريا والعراق قد أعلنت الحرب على كثير من بلاد المسلمين، والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وتنصيبه لنفسه الخليفة، أبو بكر البغدادي قد يكون شبحا، لكنه يعرف أن أيا من أعدائه الغربيين على استعداد لإشراك قواته على أرض الواقع. وهذه هي طبيعة الإرهاب ضد المجتمعات المفتوحة في عالم معولم ومترابط الذي يعيد صياغة المفهوم التام للحرب غير المتكافئة. وليس هناك أبدا عدد قليل من الناس قادرين على إلحاق الكثير من الضرر ضد الكثير من الناس في كثير من البلدان التي من المفترض أنها قوية، بتكلفة قليلة جدا ولمثل هذه الفترة الطويلة. الخلافة، دولة وهمية غير حكومية، من خلال عدد قليل من الرجال عاثت فسادا في أوروبا، وخلقت حالة من الطوارئ والخوف في القارة.

فيما يتعلق بالفوضويين

 

لقد كتب الكثير حول ما يجب أن تفعله بلجيكا تقنيا وإداريا لتكون أكثر فعالية، بالتعاون مع بقية دول الاتحاد الأوروبي في استباق ومكافحة آفة الإرهاب الإسلامي المستلهم المتنامية. ولكن “مولينبيك” كالنموذج الأصلي من المقاطعة المنتشرة فيها تنظيم “داعش” التي لا يمكن اختراقها في المدينة الأوروبية، سيظل في المستقبل المنظور مشكلة مستعصية بالنسبة للقارة. ولكن التاريخ الأوروبي الحديث مفيد هنا. في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين هز العنف الفوضوي كل عاصمة أوروبية من مدريد في الغرب إلى موسكو في الشرق.

وكان الإرهاب الفوضوي في كل مكان حتى أنه ترك أثره العميق (والندوب) على السياسة والأدب والفلسفة والفن للقارة بأكملها. (الفوضوية أبلغت أعمال بعض أعظم الروائيين في القرن التاسع عشر، دوستويفسكي، تورجنيف، بلزاك، زولا، وغيرهم). الرجال العنيفين المسلحين بمسدسات وقنابل وتمت مساعدتهم من قبل الفلاسفة والمنظرين، ومؤلفي المناشير برروا يوتوبيا الفوضويين، وروعوا أسلوبهم داخل قلوب وعقول الملايين من الأوروبيين عن طريق اغتيال الملوك والرؤساء ورؤساء الوزراء.

 

وقد أنشأوا واستمتعوا بالفوضى، ومثل قتلة “داعش” اليوم، فإنهم يتمتعون بالإثارة للقتل. والدوافع المطلقة العدمية التي دفعت الفوضويين من أوروبا في القرن التاسع عشر في حربهم غير المعتمدة على أي أسير ضد الدولة باعتبارها تجسيدا للشر، هي أساسا نفس الدوافع المطلقة العدمية التي تدفع جنود المشاة التابعين لتنظيم “داعش” الشباب، الغاضبين والمهمشين في حرب شاملة ضد دول أوروبا “الصليبية”. وشمل الأمر المجتمعات والحكومات الأوروبية منذ عقود، وفي بعض الحالات أجيالا للقضاء على “ثقافة” الفوضى والجاذبية من خلال مزيج من العنف المضاد، والحكم الرشيد، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والقوة الفكرية التعويضية. وسوف تشمل الدول والمؤسسات نهج وتكتيكات مماثلة وسنوات عديدة للقضاء على تهديد جنود مشاة “داعش” الإسلامية والجماعات ذات التفكير المماثل لمجتمعهم “مولينبيك”.

ترجمة خاصة بالشاهد