الرئيسية الأولى

السبت,25 يونيو, 2016
الطلاق البريطاني الأوروبي- كارثة قد تحقق الإصلاح!

الشاهد _حتى إغلاق صناديق الاقتراع كانت الأسواق تتوقع فوز معسكر المؤيدين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. وهكذا فإن فوز معسكر المؤيدين لخروجها منه أصابها بزلزال أدى إلى انهيار الأسهم في البورصات الأوروبية والآسيوية بنسب وصلت إلى 10 بالمائة في طوكيو وفرانكفورت وباريس. كما انهار الجنيه الإسترليني بنسبة وصلت إلى حوالي 11 بالمائة لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة عقود. وجاء هذا الانهيار لعوامل عدة أبرزها القلق الشديد وعدم الوضوح إزاء مستقبل بريطانيا وعلاقاتها الاقتصادية مع الاتحاد، لاسيما وأنها تتبادل معه نحو نصف تجارتها الخارجية وتتمتع بخامس أهم اقتصاد في العالم، إضافة إلى أن عاصمتها لندن أهم سوق مالية عالمية بعد نيويورك. وبما أن القلق وعدم الوضوح يعد العدو الأول لرأس المال، فإن الأسواق ستشهد المزيد من الانهيارات والتذبذب لحين الاستيقاظ من هول الصدمة. عندها ستتم العودة مجددا إلى بعض الاستقرار بانتظار ما ستسفر عنه مفاوضات وترتيبات الخروج أو الطلاق البريطاني مع أوروبا على أصعدة الاستثمار والتبادل التجاري وحركة الأشخاص ورؤوس الأموال بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.

نجاح اقتصادي وفشل اجتماعي

البطالة مشكلة أوروبية أضعفت ثقة الأوروبيين باتحادهم
سوقت النخب الأوروبية الحاكمة ومعها وسائل الإعلام الرئيسية المؤثرة الاتحاد الأوروبي على أنه قصة نجاح اقتصادي فريدة. وإذا ما ألقى المرء نظرة على الوقائع فإن الاتحاد حقق بالفعل نجاحات تاريخية من أبرزها تحديث البنى التحتية في دوله ومناطقه الأقل تطورا مثل أسبانيا والبرتغال وأيرلندا واليونان وغيرها. كما فتح المجال أمام حرية تنقل الأفراد والبضائع ورؤوس الأموال بشكل أدى إلى زيادة التبادل التجاري ورفع عشرات المليارات من رسوم الجمارك وتبديل العملات والضرائب عن كاهل الأفراد والشركات. غير أن ثمار النجاح لم تصل إلى فئات واسعة من مواطني دول الاتحاد بسبب الغلاء والبطالة. كما تراجع حجم الطبقة الوسطى مقابل تزايد الثراء الفاحش للقلة الغنية. على سبيل المثال تراجعت هذا الطبقة في ألمانيا من 66 إلى 54 بالمائة خلال السنوات العشرين الأخيرة. ومع ارتفاع الأسعار في منطقة اليورو وغرق مؤسسات الاتحاد بالبيروقراطية والامتيازات ضعفت ثقة الناس بالاتحاد الذي أصبح بنظر الكثيرين اتحاد النخب السياسية والبنوك والشركات العابرة للحدود. وهو الأمر الذي أعاد إحياء الشعور القومي وإلى صعود الأحزاب الشعبوية واليمينية التي تريد العودة إلى الدولة الوطنية رغم التبعات الاقتصادية السلبية لذلك.

تفويت فرص الإصلاح

منذ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي انتقدت بريطانيا تضخم وتعقيدات الأجهزة البيروقراطية التابعة للاتحاد الأوروبي متهمة إياها بإعاقة النمو والازدهار على أساس يضمن تكافؤا للفرص بين الدول الأعضاء. كما اشتكت ودول أخرى كفرنسا بشكل متكرر من تزايد فائض الميزان التجاري الألماني مع دول الاتحاد ودعت برلين إلى بحث سبل التخفيف من حجمه لصالح حضور أقوى للبضائع الأوروبية في السوق الألمانية. غير أن ألمانيا ترفض ذلك على أساس أن تعزيز حضور البضائع المذكورة في سوقها يتطلب إصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة كتلك التي اتبعتها برلين في إطار “أجندة 2012”. وتشتكي قوى سياسية ومنظمات غير حكومية من الامتيازات والرواتب العالية التي يتقاضها موظفو مؤسسات الاتحاد الأوروبي بشكل معفى من الضرائب.

صناعة السيارات الألمانية اكتسحت مثيلتها البريطانية
ويقدر عارفون بالشأن الأوروبي أن راتب سكرتيرة في هذه المؤسسات قد يتراوح بين 6 و 12 ألف يورو، وهو راتب يحلم به مدراء غالبية الشركات الصغيرة والمتوسطة خارج إطار مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وتكمن المشكلة في أن الشكاوى والمطالب بجعل الاتحاد أكثر عدالة لم تلاق حتى الآن آذنا صاغية، الأمر الذي باعد بين دوله ليجعل منها تكتلات ثنائية أو مجموعات منقسمة في الرأي. كما عزز التذمر والاستياء من معسكر الرافضين له في المجتمعات الأوروبية، لاسيما خلال الأزمة المالية العالمية التي أصابت أوروبا كذلك. وقد ظهر ذلك بشكل جلي خلال الأزمة المالية اليونانية التي تحكمت ألمانيا وفرنسا إلى جانب صندوق النقد الدولي بكيفية حلها. كما يظهر حاليا من خلال أزمة اللاجئين التي ترفض الكثير من الدول الأوروبية استقبال أعداد كبيرة منهم تاركة العبء الاقتصادي الأكبر على كاهل ألمانيا.

فرصة أخيرة للإصلاح؟

ميركل: مطلوب عدم التسرع في اتخاذ القرارات والإجراءات
وصف رئيس رابطة البنوك الألمانية هانز فالتر نتائج الاستفتاء بأنه “يوم اسود لبريطانيا والاتحاد الأوروبي” مضيفا بأن “أسلوب الخروج سيكون بمثابة السم بالنسبة لاستقرار الاتحاد الأوروبي”. ويعتقد كثيرون في أوروبا وخارجها أن الاتحاد مهدد بالانهيار بعد الاستفتاء البريطاني. غير أن هذا الاعتقاد يبدو متسرعا، لأن نتيجة الاستفتاء ينبغي أن تكون دافعا لبروكسل ومعها برلين وباريس وعواصم باقي دوله للعمل بسرعة على إصلاح مؤسسات الاتحاد وجعله أكثر عدالة بحيث تصل ثمار نجاحاته إلى الفئات الشعبية المتضررة. ومما يتطلبه ذلك جعل هذه المؤسسات أكثر كفاءة وأقل بيروقراطية. كما يتطلب من الحكومات التوقف عن التمسك الشديد بما تسميه المصالح الوطنية ولو كان ذلك لمصلحة غالبية سكان الاتحاد. في هذا السياق طالب رئيس الوزراء الأسباني ماريانو راخوي بالتركيز على النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل والاندماج بشكل أكبر، مضيفا “الآن وبعد أن تمكنا من تجاوز الأزمة الاقتصادية يجب العمل على استعادة الروح المعنوية التي كانت وراء المشروع الأوروبي واستعادة تعاطف مواطنينا معه”. ووصفت المستشارة الألمانية ميركل نتيجة التصويت بأنها “لحظة فاصلة بالنسبة لأوروبا” داعية الدول الأعضاء إلى الامتناع عن اتخاذ قرارات سريعة وسهلة.

دوتشي فيلا